أخبار عاجلة

حاربوا التقادم المخطط “إن كنتم صادقين” (1)

محمد علي الباز

كاتب وباحث في العلوم السياسية
عرض مقالات الكاتب

على مدار عدة أيام منصرمة، التقى قادة وزعماء من معظم دول العالم، فى حضور أصحاب كبريات الشركات الدولية، فى مدينة غلاسكو البريطانية، فيما يسمي “مؤتمر الأطراف فى إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ”، هذه الاتفاقية المحررة فى نيويورك مايو/أيار 1992.
ووفقًا للمسودة الأولى لإتفاق غلاسكو الصادرة فى 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تم الإتفاق على وضع حد لارتفاع حرارة الأرض بما لا يزيد على 1.5 درجة مئوية. والحد من استعمال الوقود الأحفوري. وقد أشارت المسودة إلى الفجوة التمويلية، حيث يتطلب تنفيذ الخطة 100 مليار دولار.
يعانى العالم منذ نشأة مفهوم “التقادم المخطط” Planned Obsolescence، من مزيج من الغش الصناعي والتجاري المركب، ومن انخفاض جودة المنتجات بشكل ممنهج ومتعمد، وما يستتبع ذلك من إستنزاف للمواد الخام الأولية، وكذلك استنزاف لموارد الطاقة، بالإضافة إلى إستلاب موارد المستهلكين ومدخراتهم.
وباختصار يمكن أن نعرف التقادم المخطط بأنه مضاد للاستدامة والإحسان وإتقان الصنعة، وبمعنى أدق هو تقليل جودة المنتج، بحيث يتقادم مع الزمن إلى التلف، مع تقليص القدرة على الإصلاح أو إعادة التدوير وفق تخطيط محدد سلفًا.
وبغض النظر عن تاريخ وقصص ظهور هذه الفكرة الخبيثة، إلا أننا جميعًا نُلاحظ بل ونعاني آثارها فى جودة المنتجات من حولنا، من السيارات حتي الملابس مرورًا بالهواتف والأجهزة المنزلية وغيرها.
كيف يدمر التقادم المخطط البيئة؟
الغرق فى المخلفات. النفايات الإلكترونية نموذجًا
حذرت الكثير من التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة من خطورة النفايات الإلكترونية، وفى تقرير صادر فى 15 يونيه/حزيران الماضي عن وكالة الصحة التابعة للأمم المتحدة، قالت الشراكة العالمية لإحصاءات النفايات الإلكترونية (GESP) إنه من بين 53.6 مليون طن تم إنتاجها في جميع أنحاء العالم في عام 2019، لم يسجل سوى 17.4 في المائة فقط منها على أنها مجمعة ومعاد تدويرها على النحو المناسب.
ومع الزيادة الكبيرة فى الإقبال على التكنولوجيا الحديثة وأدواتها، فمن المؤكد تزايد النفايات الإلكترونية فى السنوات المقبلة، وتظهر خطورة التقادم المخطط فى جودة الإلكترونيات وعدم القدرة على إعادة الإصلاح أو التدوير، ما يفاقم من أزمة النفايات الإلكترونية وما يستتبعها من مخاطر على البيئة، بنفايات سامة وصلبة ومتخَمة بالعناصر الثمينة كالذهب مثلًا.
إستنزاف الموارد. صناعة المنسوجات نموذجًا
تُسهم صناعة الأزياء بنحو 10 في المئة من الإجمالي العالمي لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وبذلك فهي ثاني أكبر صناعة ملوثة للبيئة في العالم، وتنتج هذه الصناعة نحو 20 في المئة من مياه الصرف عالميا، وتستهلك كمية من الطاقة تفوق ما يستهلكه قطاعا الطيران والنقل البحري معا.
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن سروالا واحدا من الجينز يتطلب كيلوغراما من القطن، وتحتاج زراعة كيلوغرام من القطن إلى ما يتراوح بين 7,500 و10,000 لتر من المياه.
وحسب تقرير أعدته BBC FUTURE، ذكرت شركة “ليفي شتراوس” للجينز أن سروالا واحدا من مصنعها ينتج ما يعادل 33.4 كيلوغرامات من انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون. ويأتي ثلث هذه الانبعاثات من عملية إنتاج القماش، وثمانية في المئة من القص والخياطة، و16 في المئة من التعبئة والنقل والبيع، و40 في المئة من استخدامات المستهلك، مثل غسيل الجينز والتخلص منه في مكب النفايات.
ومع كل هذه الطاقة المهدرة والإنبعاثات الضارة والموارد الضائعة نجد صناعة رديئة، ضمن خطة متعمدة وممنهجة لتعظيم مبيعات الشركات بغض النظر عن البعد البيئى والإنساني، ما ينتج سنويًأ ملايين الأطنان من مخلفات الملابس وملايين الأطنان من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وأشارت تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى أن 10.2 مليون طن من الأقمشة في عام 2017 انتهى بها المطاف في مكبات النفايات، بينما كان مصير 2.9 مليون طن من الأقمشة الحرق.
فرض نمط استهلاكي متطرف
قد يتحمل سلوك المستهلكين الكثير من اللوم والمؤاخذة، تجاه الإسراف فى فيما لا حاجة لهم فيه، وأيضا الإكثار فى الأساسيات، ولكن يُدفع المستهلكين نحو سلوك إستهلاكي متطرف، عن طريق الشركات، وفق استراتيجية التقادم المخطط للمنتجات، وهو أكبر مدمر للبيئة ومبدد للموارد الطبيعية.
فما يفعل المستهلكون فيما يُدفعون إليه قسرًا، من تغيير مصابيح الإضاءة، أو تغيير قطع غيار سيارات كُتبت جداول صيانتها سلفًا، أو تغيير هواتفهم التي فقدت كفاءتها بعد زمن محدد وفق جدول التقادم المخطط.
تعمل الشركات على إثارة رغبة الشراء عند المستهلكين بكل السبل طوعًا وكرهًا، وبكل الطرق القانونية وغير القانونية، الأخلاقية وغير الأخلاقية، وبكل تأكيد فمسار التقادم المخطط هو مسار غير أخلاقي وغير قانوني وإكراهي.
ومع مرور السنوات تحول السلوك الاستهلاكي المتطرف أمرًا طبيعيًا فى غالب المجتمعات، وحتي بين كافة الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، فى كل مشترياتهم، من الطعام والشراب، حتي الأثاث والسيارات، مرورًا بالملابس والأجهزة المنزلية وغيرها.
فإذا كان التقادم المخطط من أهم أسباب التغير المناخي من خلال ما قدمنا، ويوجد غير ذلك الكثير من الأدلة والبراهين والشواهد والمظاهر التي تؤكد خطورة هذه الاستراتيجية الصناعية المدمرة، فإن الواجب على قادة العالم محاربة التقادم المخطط إن كانوا صادقين فى مواجهة التغير المناخي، ولاسيما الدول النامية والفقيرة، حيث أنها تدفع الثمن الأكبر من ثرواتها الطبيعية، ولا تتحصل إلا على أسوأ المنتجات، ما يجعلها مكبًا للنفايات وهو ما سنستعرضه فى المقال القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في المشهد السياسي في لبنان أمريكا تُشعل الحريق لتقوم بدور الإطفائي!

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة في محاولة فهم …