أخبار عاجلة

قراءة هادئة في ملف صاخب ! 1

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب


عندما نقول إن العراق بتصديه للظاهرة الخمينية، في حربه الدفاعية عن العراق والأمة العربية في قادسية صدام المجيدة، كان يمثل السد العالي الذي يحول بين الرياح الصفراء والسيول السوداء، من أن تجتاح الوطن العربي بلا حواجز، فلعلنا لا نعدو الحقيقة بأي قدر من المقادير، بل ربما لم نتمكن من الارتقاء إلى القراءة المتطابقة مع نهم الظاهرة الخمينية التوسعية، ذات الجذور العرقية الفارسية المعبئة بكل عقد التاريخ وأحقاده، إذا ما قلنا إن قادسية صدام كانت بكل المواصفات حرباً مقدسة بكل ما في القدسية من معانٍ.
لقد نجح الخميني في إلباس تلك المفاهيم أردية دينية متطرفة في ظاهرها، وذات بعد مذهبي يغالي في مزاعمه بحب آل البيت والولاء لهم، مع تبني شعارات ملتصقة بتلك المزاعم، ولكنها تكفيرية بامتياز لكل المخالفين لهذا النهج الضيق الأفق.
ويبدو أن خميني من خلال معرفته بما يفرضه التشيّع على أتباعه من تبعية مطلقة للمراجع، والتي ينحدر معظمها من أصول فارسية أو ذات ولاء لها بحكم البناء الذي أحكم فصوله المؤسسون الأوائل للمذهب مثل الكليني والمفيد والمجلسي وغيرهم، فقد ظل يراهن على أنه قادر على رسم السلوك الجمعي لجزء كبير من شيعة العالم، وبخاصة شيعة العراق باعتباره الدولة المجاورة لإيران، وبالتالي سيكون مركز الاختبار الأول لتطبيق تلك الأفكار.
العراقيون من دون استثناء، ويستوي في ذلك كثير من رجال الدين وشيوخ العشائر، يتميزون بخاصية نادرة بين شعوب الأرض، وهي أنهم أسرع شعوب الأرض في تبديل الولاء من زعيم إلى آخر ومن نظام إلى نقيضه وبنفس الحماسة، ويتميز الشعب العراقي أنه ثائر على الحق والباطل ومن دون قضية، وربما هو بحاجة إلى من يبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى ليقوده في دروب الفوضى، المهم يجب أن يجد لنفسه أيَّ هدف، كي يجتمع حوله مهما كان عابرا، أو أن يجد القوة التي تحرك فيه عوامل الغضب والثورة، من دون أن يسأل عما إذا كان غضبه في محله أم لا؟ وهل يستحق التضحية في سبيله؟ ولا يتفوق على العراقيين شعب آخر في تمثيل دور الضحية على مر التاريخ، وعندما يدافع عن مظلوميته، فلا يحسب عما إذا كان سيجني مكاسب من غضبه أم سينقلب تحركه وبالا عليه وتتفاقم مظلوميته؟ المهم أنه سيثور ويسجل لنفسه أنه فعل ذلك، ليتراكم سجل انتفاضاته في كتب التاريخ، من دون أن يتدارس بأعصاب باردة تفاصيل عمله وما يترتب عليه من نتائج.
ولعل أي راصد لأوضاع العراق في الوقت الراهن، أي لما بعد الاحتلالين الأميركي الإيراني عام 2003، سيتوصل إلى نتائج متطابقة أو متقاربة مع هذه التصورات المدونة في بطون كتب التاريخ، والتي ترسخت في ذهن كل من درس “الظاهرة العراقية” عبر التاريخ، فالعراقيون شديدو المراس، شديدو البأس عندما يثورون، ويتحولون إلى سيول جارفة تسحق كل شيء أمامها وتجرف كل ما يصادفها أو يعترض طريقها، ويتساوى في ذلك الركام والأنقاض أو البناء الجميل، الأشواك أو الحدائق الغنّاء وما فيها من زهور جميلة على حد سواء.
ولكنه عندما تنتهي عنده سورة غضبه، ويقوم بتقييم ما فعل، ويقدم جردة بحاصل الربح أو الخسارة، سيعيش حالة من الاكتئاب وتأنيب الضمير، وهي الحالة التي كانت تتراكم عبر الأجيال، حتى تحولت إلى تقاليد ثابتة في الشخصية العراقية، تنعكس على المشاعر وتخلق عقدا مضافة، لتضيف إلى المتراكم منها الكثير من العقد المستولدة حديثا، لتصبح جزءً من مكوناتها، المنطوية والمرتدة إلى عصور غابرة، والواثقة من نفسها فوق ما يمكن تصوره.
إن ما حصل في صفحة الغدر والخيانة التي عاش العراق فصولها المأساوية عام 1991، والتي كانت طعنة غادرة في ظهر القوات المسلحة الوطنية، كانت في مداها الأبعد نكوصا على النفس، وليس انجازات أكثر من عشرين سنة من تجربة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، التي أراد البعث وتحت قيادة الرئيس صدام حسين رحمه الله، إقامة ركائزها في البلد، فكان العراقيون “كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا”، فمن “ثار” لم يختلف في فعله وما نتج عنه، عن أي قصف صاروخي أمريكي أو بريطاني، وقبل ذلك عن أي قصف إيراني تعرضت له المنشآت المدنية أو على مدرسة أو مزرعة أو مجمع صناعي أو سكني، أو على دوائر الدولة ونهب وثائقها وحرقها.
ثم لتبدأ بعد كل ذلك مرحلة نحيب جديدة، على ضياع الوثائق الشخصية التي تتعلق بالأحول الشخصية والحقوق الشرعية والملكية وغيرها من الوثائق الرسمية التي لا تستقيم حياة الإنسان العصري أو المتمدن من دونها، شعروا بمأساة ما فعلوا أكثر من حزنهم التدمير الذي أحدثته سورة غضبهم في ممتلكات الدولة.
ربما كان خميني يعرف هذه الحقائق عن الشخصية العراقية المجبولة على التمرد والرفض، لعيشه في العراق نحو خمسة عشر عاما في النجف، عندما دعا العراقيين في أول أيام وصوله إلى طهران في 1 شباط 1979، إلى التوقف عن دفع فواتير الماء والكهرباء والتلفون، ليعبّروا له عن اصطفافهم مع ما حصل في إيران، وعن استعدادهم لإشعال الثورة الشيعية في مدن الفرات الأوسط وجنوبي العراق، على النظام البعثي، ولهذا نراه رفع شعار “تصدير الثورة الإسلامية” إلى شتى الأرجاء، ابتداءً من العراق.
في تقديري أن أحداث عام 1991، لم تنل ما يكفي من الاهتمام في البحث عن دوافعها ونتائجها، ولو كانت قد حصلت في بلد آخر، أو حتى جزء بسيط منه، لتم إخضاعها للبحث المعمق ولزمن طويل حتى تُستخلص منها العبر والنتائج العلمية التي تنفع في تحصين المجتمع.
ولكن الذي حصل في العراق، أن تلك الأحداث مرّت سريعا، مع معالجات سياسية وأمنية مبتسرة، ركزت على استنهاض معنويات الشعب العراقي، بهدف طي هذه الصفحة التي كانت تستدرج كثيرا من الحزن والخجل من صفحاتها، لقد كنا بأمس الحاجة إلى دراسات معمقة تتعلق أولا بالقيم الاجتماعية السائدة، وعلاقتها بالشخصية العراقية المتقلبة، المنقلبة على نفسها وعلى الآخر، ولكن الفرصة الحقيقية لم تحصل، كان يجب أن تؤخذ من كل مدينة حصلت فيها أعمال الشغب، عدة عينات وتخضع لتحقيق علمي بعيدا عن الإجراءات الأمنية، مع إشعار الخاضعين للبحث بالطمأنينة والأمن، لأن هذه الوسائل هي التي أوصلت المجتمعات التي سبقتنا، إلى ما وصلت إليه من تقدم وازدهار، الأمم لا تبنى بالإجراءات البوليسية فقط، وإنما بالدراسات العملية على أعلى المستويات.
كان يجب أن تتجاوز الإجراءات الجنائية، إلى تحقيقات من طراز خاص لا سيما عن أسباب انتشار الأحزاب “الدينية”، سواء السنية أو الشيعية، ودوافعها لاعتماد أساليب العنف المسلح في العراق، ودوافع نقل النقمة على موجودات الدولة، بعبارة أخرى كان يجب أن تحال ملفات ما حصل في عام 1991، إلى مراكز دراسات اجتماعية ونفسية، وإلى كليات متخصصة في الجامعات العراقية، يشارك فيها أساتذة متخصصون في مختلف الاختصاصات، وهنا سيبرز سؤال جوهري، العراق هذا البلد السبّاق في مختلف الانجازات الحضارية عبر التاريخ، لماذا تأخر في تأسيس مركز أو مراكز للدراسات الاستراتيجية؟
لم يحصل أن تأسس مركز للدراسات الاستراتيجية في العراق، على كثرة مراكز البحوث العلمية في مختلف التخصصات، باستثناء (مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد)، والذي كان يرأسه الدكتور غسان العطية، ولا يشبه هذا المركز بقية المراكز العربية والدولية في تعدد أقسامه أو تفرغ بعض إدارييه، بل كان العمل فيه وظيفة ثانوية، وكان كيانا واجهيا لا وجود له من الناحية العملية، وكان هيكله البحثي المفترض يتألف من ممثلي مختلف الجهات الرسمية، وكنت في النصف الثاني سبعينيات القرن الماضي ممثلا لوزارة الثقافة والإعلام في ذلك المركز، وكانت لأعضائه وممثلي الجهات فيه، اجتماعات غير دورية، ولكن لم يصدف أن عقد المركز ندوة نقاشية أو مؤتمرا أو حلقة دراسية بشأن ملف ما، وأظن أن المركز المذكور قد تأسس بمبادرة من الدكتور غسان العطية نفسه، احساسا منه بأن عليه أن يبادر لإقامة صرح مؤسسة بحثية، فاختار القضية الفلسطينية باعتبارها الشغل الشاغل للعرب، وأن تلك الخطوة هي رسالة عن التفاعل العراقي على المستوى غير الرسمي مع نضال الشعب الفلسطيني، مع أن منظمة التحرير الفلسطينية أسست مركزا متخصصا عالي القدرات للدراسات الخاصة بالقضية الفلسطينية وكان أقدر من غيره على ملاحقة الشأن الفلسطيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

دور التنمية المستدامة في القطاع التعليمي من منظور الفكر الإسلامي

د. محمد القطاونة أستاذ العقيدة والفلسفة بالاشتراك مع أ.سعيد محمد زعبنوت_ باحث دكتوراة …