أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عن خلاف أرباب السُّلطة والمال في مصر ومآله…

عن خلاف أرباب السُّلطة والمال في مصر ومآله…

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تنقل وسائل الإعلام المحليَّة والعالميَّة في الأيَّام الأخيرة ملاسنة متبادَلة بين نجيب ساويرس، وهو أحد أغنى أصحاب الأعمال متعدّدة الجنسيَّات وذوي النُّفوذ في مصر، ومنابر إعلاميَّة مصريَّة تناصر الجيش المصري وتؤيّد إطلاقه يده في شتَّى مجالات تحقيق الأرباح في البلاد، بعد أن بادر ساويرس بشنّ هجوم على الجيش، واصفًا المنافسة بين القطاعين العامّ والخاص في مصر بأنَّها “غير متكافئة”. فقد انتقد المهندس نجيب، نجل رجل الأعمال المسيحي الرَّاحل أنسي ساويرس الَّذي تُقدَّر ثروة عائلته بما لا يقل عن 10 مليارات دولار أمريكي، في حديث أجرته معه وكالة الأنباء الفرنسيَّة في 20 نوفمبر 2021م، تدخُّل الجيش المصري في قطاع الأعمال الاستثماريَّة، بحسب وصفْه؛ حيث اعتبر أنَّ الاستثمار في كافَّة دول العالم يقتصر على رجال الأعمال المستقلّين المنتمين إلى القطاع الخاص، وليس القطاع الحكومي. أمَّا عن السَّبب في عدم تكافؤ الفرص بين مستثمري القطاعين العامّ والخاص هو أنَّ الشَّركات التَّابعة للدَّولة تُعفى من العديد من القيود الَّتي تُفرض على مستثمري القطاع الخاص، منها استخراج تراخيص لمباشَرة الأعمال ودفْع ضرائب، ناهيك عن الضَّآلة النّسبيَّة لفرص التَّصدير للخارج بالنّسبة إلى القطاع الخاص.

ردود الأفعال بين الهجوم والتَّأييد

وبرغم أنَّ المهندس نجيب ساويرس سبق وأن أدلى بتصريحات مشابهة في حوار له مع قناة روسيا اليوم في 18 مايو 2020م، أي قبل عام ونصف، قوبلت تصريحاته بعاصفة من الانتقادات اللاذعة من إعلاميين تابعين لوسائل إعلام مرئيَّة ومكتوبة مؤيّدة للنّظام الحاكم في مصر. فقد فُتح من جديد ملفّ التَّنامي المطّرد لثروات رجال الأعمال المسيحيين، وفي مقدّمتهم نجيب وشقيقيه ووالدتهم، مع بلورة حقيقة تمتُّع عائلة ساويرس بامتيازات غير مسبوقة، تكاد تصل إلى احتكارها الاستثمار في مجالات تقنيات الاتّصال الحديثة، والسّياحة والفندقة، والبناء والتَّعمير، علاوة على التَّنقيب عن الذَّهب. فبحسب ما نشَر موقع العربيَّة في 26 يناير 2021م، فازت شركة “التوس استراتيجيز”، الَّتي تتبع عائلة ساويرس، بامتياز التَّنقيب عن الذَّهب في الصَّحراء الشَّرقيَّة، بعد مزايدة شاركت فيها عددٌ من كبرى شركات التَّعدين في العالم. ومن بين ما أثير حول نجيب ساويرس وطبيعة استثمارات عائلته علاقة شركة “أوراسكوم” التَّابعة للعائلة ببناء سدّ النَّهضة في إثيوبيا، المنتظَر أن يقلّص حصَّة مصر في مياه نهر النّيل؛ ممَّا قد يؤدّي إلى نقصان حادّ في المياه العذبة يفضي بدوره إلى التَّصحُّر وقلَّة في المحاصيل الزّراعيَّة؛ ما يهدّد بأزمات اقتصاديَّة واجتماعيَّة، وربَّما سياسيَّة، تعصف باستقرار البلاد. وبرغم نفي نجيب ساويرس أيَّ علاقة لشركته بالأمر في تغريدة عبر حسابه على شبكة تويتر نشرَها في 19 يونيو 2020م، أعيدت علاقة ساويرس المزعومة برئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، إلى الواجهة، استنادًا إلى صورة نُشرت للأخير مع نجيب ساويرس تعود لعام 2018م.

وبرغم تأكيد البعض على وجود خلاف بين رجال الأعمال المستقلّين عن الحكومة والنّظام الرَّسمي بقيادة الجيش، رأى آخرون وجود مبرّر لتذمُّر نجيب ساويرس ممَّا وصفوه بـ “هيمنة المؤسَّسة العسكريَّة على النَّشاط الاقتصادي”، خاصَّة مع عدم تصريح المؤسَّسة بطبيعة وضعها المالي بأرقام رسميَّة، وفق ما جاء في تقرير وكالة الأنباء الفرنسيَّة. لم يكن الإعلاميون المؤيّدون للنّظام الحاكم ليفوّتوا مناصرَة البعض لموقف ساويرس دون ردّ. فقد كذَّب إعلاميٌّ ما يشيعه رجل الأعمال المسيحي عن توسُّع الجيش المصري في الاستثمار، جائرًا على فرص القطاع الخاص. في حين استشهد آخر برأي ساويرس نفسه في حديثه إلى وكالة الأنباء الفرنسيَّة، القائل إنَّ الجيش أنفق أموالًا طائلة في النُّهوض بالبنيَّة التَّحتيَّة في البلاد؛ وكان لذلك عظيم الأثر في تحسُّن حالة الاقتصاد المصري. وردًّا على ما زعْم وكالة الأنباء الفرنسيَّة بأنَّ الجيش لا يخضع للمحاسبة، ذكَّرت صحيفة الشُّروق المصريَّة بما صرَّح به الرَّئيس المصري، عبد الفتَّاح السّيسي، في 26 أكتوبر 2016م، عن أنَّ القوَّات المسلَّحة خاضعة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وتسدّد الضَّرائب.

دور فرنسي مشبوه في تشويه سمعة النّظام المصري

تلعب فرنسا دورًا غامضًا في إثارة الفتنة في مصر؛ فبعد أيَّام قليلة من نشْر الحديث آنف الذّكر مع الملياردير المسيحي المتذمّر ممَّا يراه هيمنة للجيش المصري على الاقتصاد، أُتبع ذلك الحديث بتقرير يدَّعي إساءة الجيش استخدام معلومات استخباراتيَّة حصل عليها من فرنسا لمكافحة الإرهاب. فقد نشَر موقع ديسكلوز الاستقصائي في 21 نوفمبر 2021م تقريرًا ادَّعى فيه أنَّ الجيش المصري خرج عن النّطاق الصَّحيح للمهمَّة الاستخباراتيَّة الفرنسيَّة “سيرلي”، الَّتي بدأ عملها لصالح مصر في فبراير 2016م في مطاردة مهربّين ومسلَّحين، حيث صارت المعلومات تُستخدم في تصفية مدنيين لمجرَّد الاشتباه في انتمائهم إلى جماعات تكفيريَّة. وقد أثار تقرير ديسكلوز حفيظة الإدارة الفرنسيَّة؛ ممَّا دفَع وزيرة القوَّات المسلَّحة الفرنسيَّة، فلورنس بارلي، في اليوم التَّالي لنشر التَّقرير، إلى إصدار أمْر بالتَّحقيق بشأن ما يُشاع عن إساءة الجيش المصري استخدام المعلومات الاستخباراتيَّة المقدَّمة إليه من السُّلطات الفرنسيَّة. ومن الملفت للنَّظر أن موقع دويتش فيله الألماني، في تغطيته للحدث، في تقرير نُشر في 22 نوفمبر 2021م، أبرز ما يُزعم عن أنَّ المسيحيين المصريين، أو الأقباط بحسب تعبير الموقع، هم الأكثر عُرضةً لأعمال العنف والهدف الرَّئيس للأعمال الإرهابيَّة.

يجدر التَّذكير بأنَّ فرنسا منحت نجيب ساويرس في أبريل 2012 وسام ‘‘جوقة الشَّرف’’ بدرجة قائد، تحيَّةً من الرَّئيس الفرنسي آنذاك، نيكولا ساركوزي، لرجل الأعمال المصري على دوره في تعزيز علاقات التَّعاون بين القاهرة وباريس في مجالات الصّناعة والاستثمار وخدمة المجتمع؛ وكان ساويرس قد مُنح الوسام نفسه من الرَّئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، عام 2007م بدرجة ضابط. وكانت عائلة ساويرس قد اتَّخذت من فرنسا منفى اختياريًّا عام 2012م، في أعقاب انتخاب الدُّكتور محمَّد مرسي، مرشَّح جماعة الإخوان المسلمون، في الانتخابات الرّئاسيَّة في 30 يونيو من ذلك العام؛ بسبب موقع العائلة من تيَّار الإسلام السّياسي وانتقاد أفرادها، لا سيّما نجيب، لتوجُّهات جماعة الإخوان. وقد مُنع ناصف ساويرس، شقيق نجيب، من السَّفر حينها إثر اتّهامه بالتَّهرُّب الضَّريبي وإثارة الشُّكوك حول طبيعة أعمال آل ساويرس وعلاقاتهم الخارجيَّة. غير أنَّ نظام الإخوان، بقيادة مرسي، سرعان ما تراجَع عن موقفه من تلك العائلة، ليعود جميع أفرادها إلى مصر في مايو 2013م، برغم ما تردَّد عن تمويل نجيب احتجاجات مناهضة لحُكم الإخوان، بحسب ما نشرت وكالة رويترز في 3 مايو 2013م. وبرغم حرْص محمَّد مرسي على إيفاد ممثّل له لاستقبال عائلة ساويرس عند عودتها، كان نجيب من أكثر المؤيّدين لعزل مرسي في 3 يوليو 2013م، أي بعد شهرين من عودة العائلة إلى مصر. وكان رجل الأعمال الشَّهير قد أثار استياء المسلمين بعد نشْره صورة عبر حسابه على تويتر صورة لشخصيتين من أفلام ديزني المتحرّكة، هما الفأران ميكي ماوس وميني، بمظهر إسلامي في يونيو 2011م، في أعقاب سقوط نظام مبارك في 11 فبراير من العام ذاته، ردًّا منه على دعوة الإسلاميين إلى فرْض الهويَّة الإسلاميَّة على مصر.

ميكي وميني بمظهر إسلامي-من حساب نجيب ساويرس على تويتر

توقيت مثير لتصريح ساويرس

صرَّح الرَّئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، خلال حملته الانتخابيَّة عام 2020م بأنَّه غير راضٍ عن تعامُل النّظام المصري، بقيادة السّيسي، مع حقوق الإنسان في مصر، واصفًا الرَّئيس المصري حينها بأنَّه “ديكتاتور ترامب المفضل”، في إشارة إلى تأييد الرَّئيس الأمريكي السَّابق، دونالد ترامب، لسياسات النّظام المصري الحالي. وقد أقدم بايدن على اقتطاع جزء من المعونة العسكريَّة الأمريكيَّة لمصر في سبتمبر 2021م؛ رفضًا منه للملاحقات الأمنيَّة الَّتي تطال حقوقيين ونشطاء سياسيين. هذا، وقد أشيع أنَّ الرَّئيس الأمريكي لم يقابل الرَّئيس المصري عن عمْد، خلال مشاركة الاثنين في قمَّة المناخ الَّتي انعقدت مطلع نوفمبر الجاري في اسكتلندا. وقد أرجع مراقبون فتور العلاقة بين مصر والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة منذ تولّي بايدن السُّلطة في يناير 2021م إلى توظيف إدارة بايدن ملفّ حقوق الإنسان في ممارسة ضغوط على النّظام المصري؛ بهدف إجباره على منْح مزيد من الحريَّات، وبخاصَّة للأقليَّات الدّينيَّة والعرقيَّة الَّتي تطالب بحُكم ذاتي. وتجدر الإشارة إلى تعمُّد إدارة بايدن عدم دعوة مصر، ضمن كافَّة دول منطقة الشَّرق الأوسط باستثناء العراق، للمشاركة في قمَّة افتراضيَّة حول الدّيموقراطيَّة ستُعقد في ديسمبر المقبل بمشاركة نحو 110 دولة ومنطقة.

نعود ونذكّر

تكشف “وثيقة كيفونيم” الإسرائيليَّة، الَّتي تعود إلى عام 1982م، عن مخطَّط لإثارة النَّعرات الطَّائفيَّة في دول منطقة الشَّرق الأوسط، لا سيّما ذات الأغلبيَّة المسلمة منها؛ بهدف تقسيم تلك الدُّول على أساس طائفي وعرقي. ويُلاحظ في الآونة الأخيرة تنامي الجنوح إلى العنف بين أفراد الشَّعب المصري؛ ممَّا ينذر بنشوب حرب أهليَّة قد يؤجّجها تردّي الأحوال المعيشيَّة والصّراع الطَّائفي، تحقيقًا لنبوءة العهد القديم عن مصر قبيل مجيء مخلّص بني إسرائيل (سفر اشعياء: إصحاح 19، آيات 1-10). ومن جديد نتساءل: مَن المستفيد الأوَّل من تفجُّر الأوضاع داخل مصر؟ وهل يتكرَّر سيناريو العراق وسوريا واليمن وليبيا في دول منطقة الشَّرق الأوسط الَّتي لا ترضى عنها الإدارة الأمريكيَّة؟ وهل ما يُشاع عن تعاوُن نجيب ساويرس مع إثيوبيا في بناء سدّ النَّهضة يتعلَّق بدور مصر التَّاريخي في دخول المسيحيَّة إلى إثيوبيا وخضوع كنيستها إلى سُلطان بطريرك الأقباط الأرثوذكس، الَّذي ظلَّ يعيّن أسقف إثيوبيا حتَّى زمن قريب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النووي الإيراني ومستقبل المنطقة!

هيثم المالح انتهت مهمة آخر شاه لإيران ، الذي كان يعمل شرطيا …