أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / صناعة الوهم!

صناعة الوهم!

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب


من الأمور التي باتت معروفة في عالم الفكر والآداب والعلوم والفنون، أن بعض الدول الساعية لتطوير الركائز الثقافية في مجتمعاتها، تخصص جوائز تقديرية للمبدعين كلاً في مجال تخصصه، بعد أن يكونوا قد أضافوا قدرا ثميناً من النتاجات في تلك المجالات، وعادة ما تُخصص جوائز بأسماء بعض المشاهير أو المسؤولين الكبار في بلدانهم، وقد عاصرنا في شبابنا التجربة المصرية الرائدة في هذا المجال، في النصف الأول من عقد الستينيات، أيام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله، وكانت حفلات التكريم تقام وسط أجواء احتفالية تلفت إليها الأنظار، وتتم تغطيتها عبر أجهزة الإعلام.
وحذت دول أخرى حذو التجربة المصرية التي برزت في الساحة العربية، فأسست المملكة العربية “جائزة الملك فيصل” ووسعت من نطاق المشمولين بها، فكان الحاصلون عليها من مختلف الجنسيات، وربما كانت مصر والسعودية تقتفيان أثر جائزة نوبل والأوسكار، وغيرها من الجوائز التخصصية، وعلى الرغم من دخول الدوافع السياسية في منح الجوائز وفي حجبها، إلا أنها كانت تضع الممنوحين لها في دائرة العالمية.
وكانت الدول وهي تختار مجموعة معينة من الرجال أو النساء المبدعين في تخصصاتهم، تبعث برسائل إلى الخط الثاني من المفكرين والأدباء والعلماء والفنانين والكتاب، بأنها لم تنسهم، بل خصصت لها جوائز تشجيعية لإعطائهم الحافز لمزيد من الابداع والإنتاج، وهنا علينا أن نتوقف في الفرق بين التسميتين، لماذا أُطلقت على الأولى تسمية الجوائز التقديرية، ولماذا أُطلقت على الثانية تسمية الجوائز التشجيعية؟
الفرق واضح وجلي جدا.
فالجائزة الأولى تجاوزت مرحلة تشجيع المبدعين ووضعتهم في موضعهم الذي يستحقونه، من تقدير الدولة والمجتمع لهم، وعبور تلك الابداعات خارج حدود بلدانهم ليتحولوا إلى سفراء للفكر والأدب والفن والعلوم بمختلف تخصصاتها إلى المجتمع الدولي، والذي لا يمكنه أن يضع الحواجز لعبور هؤلاء الحدود السياسية الفاصلة بين الدول، والثانية كي لا ينسى المبتدؤون في مسيرتهم أو في بداية عطائهم، أنهم محل تشجيع من بلدانهم وأن عليهم أن يبذلوا جهدا أكبر للوصول إلى المكانة التي يستحقون فيها الجائزة التقديرية.
لكن هذا التقليد إذا انتقل من عالمه المعروف، إلى عالم السياسة والعلاقات بين الدول، وخاصة من قبل من تظن في نفسها أنها تمتلك حق الوصاية وتقييم الدول الأخرى، أو مسؤوليها في أقل تقدير وتمنحهم صكوك الغفران أو شهادات الكفاءة، فإن المناورات السياسية والمشيّدة على أسس مخابراتية حاذقة، ستأخذ مداها الأرحب والتخطيط الأبعد من مجرد الإطراء، فيبدأ قادة الدول الكبرى، بتوجيه رسائل صممها رجال متخصصون في علم النفس السياسي، لرسم أبعاد خاصية التقمص لدى بعض الشخصيات السياسية التي تمتلك طموحا كبيرا، وتحتل مواقع مهمة في بلدانها، والتي يراد منها تأدية أدوار تفوق حجم المساحة الجغرافية لبلدانهم، وتتجاوز عدد السكان والمكانة السياسية الحقيقية، فتعتمد تلك الخطط على تنمية الطموح الإنساني المشروع عند بعض الأشخاص الذين يُفقدهم الثناء توازنهم وخاصة من كان في عمر الشباب أو تجاوزه قليلا، أو توظيف جانب واحد أو أكثر مما يتوفر لدى أولئك القادة المفترضين، أو لغرس طموح غير مشروع لتأدية أدوار تبدو في ظاهرها مشروعة محليا وإقليميا، ولكنها في واقع الأمر تجسد مصلحة الطرف الذي يحثُ عليها ويدفع باتجاه تحقيقيها أو التورط ببداياتها.
والآن لانتقل من التعميم إلى التخصيص، فأحاول إلقاء نظرة على ما يجري في منطقة الخليج العربي، ذات الكيانات السياسية المحدودة السكان أو المساحة، ولكنها تمتلك ثروة هائلة من ثروة العصر النفط والغاز، والتي تسعى الدول الكبرى لا سيما الولايات المتحدة إلى التحكم بسياساتها الانتاجية والتسعيرية والتسويقية، وفقا لإملاءات تضع خطَطها مراكزُ دراسات متخصصة، وتتضمن نوعين من الخطوات المدروسة، الأول اغراء باشادة فيه خيال مثير، بقدرات المسؤول السياسي المطلوب التأثير عليه والتحكم بسلوكه، فإن نجح الإغراءُ ونفخُ الثقةِ في الشخص المستهدف، وصار يصدق ما وُصفَ به، فلا ضرورة للانتقال او اللجوء إلى الخيار الثاني، أي الضغط السياسي والأمني.
في كثير من الأحيان يترافق المنهجان بتوازن قلق، لتأدية الغرض أو الأغراض المطلوبة.
في خطاب انتخابي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في أحدى الولايات الأمريكية يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، قال “وكما تعلمون فإن دولة الإمارات المتحدة، يقودها رجل محترم جدا جدا ومحترم من قبل الجميع، وهو محارب عظيم أيضا”، وعندما يتحدث ترمب على هذا النحو، فربما انصرفت أذهان كثير من المحتشدين في المهرجان الانتخابي إلى أنه ربما كان يتحدث عن القادة المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة جون آدمز، بنجامين فرانكلين، ألكساندر هاملتون، جون جاي، توماس جيفرسون، جيمس ماديسون، وجورج واشنطن، أو عن الجنرال دوايت آيزنهاور في العصر الحديث.
ولكنهم اكتشفوا أن ترمب تكلف عناء اختيار كل هذه الأوصاف لمحمد بن زايد، وأنه كان يرمي إلى أهداف أخرى، وليس مجرد إطراء الرجل، فترمب يعرف أن الرجل من مواليد عام 1961، في بلد استقل عن بريطانيا عام 1971، وتسلم الحكم في دولة تحتل إيران ثلاثاً من جزرها، ولم تَخض في عهد والده حربا واحدة لاستردادها، ولم يجرؤ هو على أي عمل عسكري لتحريرها كي يُشعر إيران بأن الإمارات جادة في العمل على استردادها، بعد وضعِ سقفٍ زمني، يجب على إيران أن تلتزم به وإلا فأن الإمارات ستضطر للجوء إلى الوسائل البديلة لاسترداد أراضيها المحتلة.
فأي حروب خاضها محمد بن زايد أو قادها كي يستحق وصف “محارب عظيم”؟
فماذا تريد أمريكا من محمد بن زايد عبر هذه الجوائز التشجيعية، أن يؤديه من مهمات تخدم المخطط الأمريكي الشرق الأوسطي؟ لا سيما ونحن نتابع دور الإمارات العربية في ليبيا واليمن وساحات أخرى، وما هي مصلحة الأمة من مثل هذه الأنشطة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ألم يأن وقت اختيار القائد؟

د. موفق السباعي كاتب ومحلل سياسي منصب المفتي! لم يكن في يوم من …