أخبار عاجلة
الرئيسية / فنجان سياسي / مقهىً يغصُّ بالغائبين

مقهىً يغصُّ بالغائبين

فراس العبيد – رسالة بوست

“لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنّه الجميع فارغًا، لكنّه يغـّص بالغائبين”… محمود درويش.

اعتدت الجلوس في “مقهى النوفرة” خلف الجامع الكبير بدمشق، “المسجد الأموي”، أشرب فنجان قهوتي، وانظر إلى وجوه المارة… أسمع الأحاديث التي تدور… صوت النرجيلة التي لم ترق لي، إلا مرّةً أو مرتين… ضحكات ترتفع… والنرد يلقى على الطاولة، يرافق كلّ المشهد مساءً تقاسيم العود، المرافق لصوت “أم كلثوم”… التي تغني “رقّ الحبيب وواعدني”.

إلا أنّ ما يكسر القلب، هو “مزيج الهموم الذي يعلو الوجوه”، بوضوحٍ صارخ، والجميع يهمس همسًا، من “الخوف”، أشبه ما يكون بـ”نقيق الضفادع”… ولا أذكر لماذا اخترت هذا التوصيف قبل أنْ “أضحك وحيدًا”، أمام “غياب كل الحاضرين، المكتظ بصمتهم، ودهشتهم”….

لملمتُ وريقاتي… والجمع الغائب ينظرون إليّ، على أنني العاشق الذي “فقد عينيه يوم اختفت حبيبته التي حملت منه عشرات القصائد والخواطر والحكايات”، فأنجبت له؛ “الكثير من الآهات التي لم يتسع لها لحن عبد الوهاب، تلك الأمسية، ولا كلمات أحمد رامي، وبيرم التونسي، ولا حتى صوت فريد الأطرش”.

رجعت إلى “غرفتي المطلة على مشهدٍ آخر للغياب”، وسط حيٍّ عتيق، بدهاليزه، ونافذته التي تكاد تسقط على الأرض، ولا أثر لامرأةٍ أو رجلٍ في الشارع، كما في الحكايات، فوجدتني وقد تجاوز قهري الثلاثين أو ربما الأربعين، من الذوبان، وتلاشت الأصوات، وبقي “نقيق الضفادع”.

وجدت ورقةً مهترئة لـ”جريدةٍ محلية”، يعلوها التراب، على طاولتي، وفنجان قهوتي “البارد”… أمسكتها، وكأنما عثرت على “كنز جيم الصغير” في رحلةٍ نحو “جزيرة الكنز”، قرأتها بصوتٍ خافت:

“يقال أنّ ضفدعًا، وضع في ماء على النار، وكلما سخن الماء، عدّل الضفدع درجة حرارة جسمه، فتظل المياه عادية ومقبولة، حتى وصل الماء لدرجة الغليان، ومات الضفدع”، كانت تجربةً علمية، حسب الورقة تلك.

وتضيف الحكاية؛ “بدأ العلماء القائمون على التجربة في دراسة سلوك الضفدع”… كانوا أمام مجموعة نقاط: “الوعاء الذي وضعوا فيه الضفدع كان مفتوحًا من أعلاه، ومع ذلك لم يحاول القفز للخروج من الوعاء حتى في حال غليان الماء إلى أن مات”.

وتتابع كاتبة الدراسة، _كانت أنثى_ لأنني شممت عطرها، ولم يكن رجلًا، فالرجال في “زماننا لم تكن تكتب، بل تغفو على القهر وتصحو على رمي أكياس القمامة وتشتكي الفقر، وتصرخ كل يومٍ حيّ على الزواج الثاني”… ما علينا وبلا طول سيرة.

“كانت تجربة علمية وتوصل العلماء إلى أنّ الضفدع استخدم كل طاقته في تعديل درجة حرارته وتأقلمه مع المناخ الذي حوله على الرغم من صعوبته، حتى وصل لدرجة أنه لم يبقَ عنده طاقة للتأقلم، ولا حتى لإنقاذ نفسه”.

بالمحصلة؛ “إنّ إصرار الضفدع، على أقلمة نفسه إلى حد أفقده الطاقة اللازمة لإنقاذ حياته، هو الذي قتله وليس (الماء المغلي)”.

ويحدثُ أنّ “القطيع” يسير إلى حتف أنفه، خلف الذئب، الذي يتفرد، باختيار فريسته، أمام مسرحٍ يعلوه “التصفيق” لـ”عدالة الذئب”، وبين ميلاد قصتين في، فارقٌ لا يكاد يذكر، فذاك بربطة عنقٍ، والآخر خلع العمامة وأطال لحيته، وبدّل جلده، ويتكرر الحوار التراجيدي، فالكلّ يسعى للتأقلم وتعديل نفسه، مستخدمًا أقصى طاقته الجسدية، والنفسية والعقلية، والعصبية.

وخلف الجريدة ذات الأخبار، “غلاءٌ فاحش، وطنٌ مغتصب، امرأةٌ ثكلى، حبيبةٌ مقهورة، وأخٌ مأسور، وتراكماتٌ من الهموم، والدماء والأشلاء، والقطيعة الإنسانية”.

وبين فاصلٍ من الزمن، يقبر ذئبٌ ويصلى عليه، وينعى بأنه؛ “أمضى حياته في تقوى الله والصلاح”، وكلّ النعاج التي اصطفت لصلاة الجنازة، عندها من اليقين، أنه “نصيري”.

واختل ميزان “الولاء والبراء”، فالجمع إلا من رحم الله، يا حبيبتي، وقرّة عيني، يردد ما غناه عبد الوهاب؛ “جيين الدنيا ما نعرف ليه… ولا يريحين فين… مشوير.. مرسومة لخطوينا… وزي ما جينا جينا… ومش بإيدينا”… سؤالٌ بلا إجابة؛ فقط يهتفون “من غير ليه”.

داعب النوم عيون حبيبي، أغلقت لساني وألقيت قلمي الحبر، الذي أهدته لي؛ “صديقتي” صباح اليوم، بعد قطيعةٍ فقط لأنها تخافني، فوجهي يشبه كل “وجوه الإرهابيين” في بلادي، رغم أني معطرٌ وثمن عطري 30$، مسرح الشعر الناعم الأسود، ويدان ناعمتان عشقتهما كل “فتيات الجامعة” في المقهى الصغير الذي امتلأ سحبًا من دخان السجائر، وثرثراتٍ فارغة…

أمّا أنا فكان؛ “لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنّه الجميع فارغًا، لكنّه يغـّص بالغائبين”… محمود درويش.

وكالعادة ختمت، “لا تخافي يا حبيبتي: فأنتِ آمنة”.

والعاقبة لمن اتقى….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حراب المعارضات السورية في خاصرة ثورة الحرية !

مرهف الزعبي ناشط سوري لا يشك عاقل أو مغفل بأنَّ مؤتمر الدوحة هو …