أخبار عاجلة
الرئيسية / تحقيقات / مَن المستفيد الأوَّل من إشعال الفتنة الطَّائفيَّة في مصر؟

مَن المستفيد الأوَّل من إشعال الفتنة الطَّائفيَّة في مصر؟

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

من معجزات نبيّنا مُحمَّد (ﷺ)، الصَّادق المصدوق الَّذي لا ينطق عن الهوى، أن تنبَّأ وبشَّر بفتح مصر، بأن قال، عن أبي ذر (رضي الله عنه)، “إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا”، رواه مسلم (2543). كما يوضح الحديث، يوصي النَّبيُّ الكريم بحُسن معاملة أهل مصر، الَّذين سبق وأن دعاهم إلى الإسلام، موجّهًا دعوةً بذلك إلى قيرس، أو المقوقس، الوالي الرُّوماني على مصر، جاء في نصّها:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى المُقَوقسِ عَظِيمِ القِبْطِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ القِبْطِ، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 64[.

لم تقتصر مهمَّة المقوقس على جباية الضَّرائب وإمداد الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بخيرات الأراضي المصريَّة، وبخاصَّة من الحبوب، بل كانت كذلك إجبار المصريين على التَّخلّي عن العقيدة الأرثوذكسيَّة الَّتي نشَرها القدّيس مارمرقس، أو مرقس رسول المسيح ومؤسّس المسيحيَّة الشَّرقيَّة، في مصر في ستّينات القرن الأوَّل الميلادي؛ في سبيل اعتناق العقيدة الملكانيَّة، وهي عقيدة اعتنقتها الكنائس الغربيَّة بزعامة كاثوليكيَّة روما في إثر الخلاف العقائدي بين المسيحيين الشَّرقيين والغربيين؛ نتيجة الاختلاف حول طبيعة يسوع المسيح، والَّذي لم يحسمه مجمع خلقيدونية المسكوني لعام 451م إلى اليوم. وبعد ذلك الانقسام المدوّي في تاريخ المسيحيَّة، حدث انقسام لا يقلُّ أهميَّة ولكن في جسد الكنيسة الكاثوليكيَّة هذه المرَّة، بعد انطلاق حركة الإصلاح الكنسي في مطلع القرن السَّادس عشر للميلاد، على القسّ الألماني مارتن لوثر؛ حيث أفضت حركته إلى تأسيس ثالث أكبر طائفة مسيحيَّة وثانيها من حيث عدد الأتباع، وهي الكنيسة البروتستانتيَّة، أو الإنجيليَّة.

آراء المؤرّخين المعاصرين حول الفتح الإسلامي لمصر

لم يستجب المقوقس لدعوة النَّبي (ﷺ)، طمعًا في الإبقاء على نفوذ الرُّومان في مصر؛ فعلَّق (ﷺ) بقوله “ضَنَّ الخبيث بمُلْكِه، ولا بقاء لِمُلْكِه”. ذاق المصريون قبل الفتح الإسلامي أشدَّ ويلات العذاب بسبب تعنُّتهم في رفْض التَّحوُّل إلى الكاثوليكيَّة، وعانوا من التَّمييز الطَّائفي والتَّضييق في ممارسة شعائرهم الدّينيَّة؛ لدرجة أنَّ الأب بنيامين، بطريرك الأرثوذكس، لجأ إلى الصَّحراء، هربًا من بطْش الرَّومان، حيث بقي 13 عامًا، ولم يُخرجه من مخبأه إلَّا الفاتحون المسلمون. فقد تحقَّقت نبوءة نبيّنا مُحمَّد (ﷺ)، وفُتحت مصر عام 20 هجريًّا، الموافق لعام 641 ميلاديًّا، في عهد أمير المؤمنين عُمر بن الخطَّاب، وعلى يد جيش الفتح الإسلامي بقيادة الصَّحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي الله عن صحابة نبيّه ﷺ أجمعين). وبرغم ما طال الفتح الإسلامي لمصر من إساءات وافتراءات، بادّعاء أنَّه كان لأهداف دنيويَّة لا تختلف عن أهداف الرُّومان، من استنزاف للموارد وإجبار للمصريين على التَّخلّي عن عقيدتهم، ولعلَّ من أحدث ما صدَر من مؤلَّفات في هذا الصَّدد سلسلة القتلة الأوائل للكاتب التَّنويري المتشيّع فكرًا إبراهيم عيسى بجزأيها رحلة الدَّم (2016م) وحروب الرُّحماء (2018م)، فهناك من المؤرخين المسيحيين المعاصرين مَن تناولت أقلامهم فتْح مصر بشيء من الموضوعيَّة، ومنهم عزيز سوريال عطيَّة في كتاب The History of Eastern Christianity (1968م)، تحت في نسخة عربيَّة عنوان تاريخ المسيحيَّة الشَّرقيَّة.

حماية الأقليَّة المسيحيَّة: ذريعة للتَّدخُّل الغربي في مصر

ومن العجيب أن تجد كاتبًا مسلمًا، مثل إبراهيم عيسى، يتبنَّى وجهة نظر مسيحيَّة متطرّفة، تعتبر الفتح الإسلامي غزوًا استعماريًّا والمسلمين غزاة معتدين اغتصبوا أرض مصر وانتزعوا حُكمها من أهلها الأصليين، وهم المسيحيون؛ فلا تجد فارقًا في تناوُل الكاتب التَّنويري للفتح الإسلامي في روايتيه آنفتي الذّكر عمَّا جاء به كاتب سياسي مسيحي معاصر يُدعى صمويل تادرس،  وهو زميل أوَّل بمركز هدسون للحريَّة الدّينيَّة في مدينة واشنطن العاصمة بالولايات المتَّحدة الأمريكيَّة متخصّص في دراسات الشَّرق الأوسط والحركات الإسلاميَّة، في كتابه Motherland Lost: The Egyptian and Coptic quest for modernity (2013م)، أو الوطن المفقود: السَّعي القبطي والمصري إلى الحداثة، الَّذي اعتبر فيه أنَّ الإسلام، بتعاليمه وقيوده الشَّرعيَّة، العائق الأكبر أمام لحاق مصر بركب الحداثة الغربيَّة. كان تادرس قد حذَّر في شهادته خلال جلسة استماع عقدتها لجنة حقوق الإنسان بمجلس النُّوَّاب الأمريكي (الكونغرس) في 29 أبريل 2021م، تحت عنوان Human Rights and U.S. Policy in the MENA Region Ten Years After the Arab Spring””، أو أمريكا وحقوق الإنسان في الشَّرق الأوسط 10 سنوات من الرَّبيع العربي، من صعود الحركات الإسلاميَّة إلى السُّلطة في منطقة الشَّرق الأوسط من جديد، بعد فشل تجربة حُكم الإخوان المسلمون عام 2013م، نفس عام صدور كتابه آنف الإشارة، مطالبًا بـ “تقديم الضَّمانات للأقليَّات الدّينيَّة في جميع أنحاء المنطقة وتعزيز قيم التَّعايش والتَّسامح بين شعوب المنطقة”.  

وبالحديث عن تادرس وأمثاله من النَّاشطين في مجال حقوق الإنسان المقيمين في الغرب، فقد تقدَّمت مجموعة من 25 منظَّمة وفرد، تضمُّ ثلَّة من المعنيين بحقوق الأقليَّات الدّينيَّة منها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، برسالة إلى أعضاء لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي (الكونغرس)، عُرضت خلال جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة العلاقات الخارجيَّة بمجلس النّواب تحت عنوان “مصر: اتّجاهات في السّياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان”، في 9 سبتمبر 2020م، جاء في نصّها:

بينما أثَّرت حملة القمع الحالية على المصريين من كافة المعتقدات السّياسيَّة والدّينيَّة؛ فإنَّ الجماعة القبطيَّة تعاني ظلمًا مزدوجًا، لا يقتصر فقط على العيش في مناخ التمييز المنهجي الَّذي تفرضه الحكومة المصريَّة، بل تتعرَّض هذه الجماعة أيضًا لهجمات واعتداء من الجيران وأبناء الوطن على أفرادها وممتلكاتهم دون محاسَبة. وقد وثَّقت ونشرت منظمة التَّضامن القبطي مثل هذه الوقائع على نطاق واسع، بما في ذلك هذا التَّحليل للفصل الخاص بمصر في أحدث تقرير صادر عن وزارة الخارجيَّة بشأن الحريات الدينيَّة.

كما يتَّضح من نصّ الرّسالة الَّتي تدين انتهاكات الحكومة المصريَّة في حقّ الأقليَّة المسيحيَّة، بحسب زعمها، تدعو ثلَّة المتقدّمين بها الكونغرس الأمريكي إلى التَّدخُّل المباشر في الشَّأن المصري، من خلال “محاسبَة الحكومة المصريَّة على انتهاكاتها لحقوق الإنسان التي تتعارض بوضوح مع القيم الأمريكيَّة للمساواة والحريَّة الدّينيَّة”. يُفهم من نصّ رسالة الحقوقيين إلى الكونغرس في 9 سبتمبر 2020م، وشهادة صمويل تادرس أمام الجهة ذاتها في 29 أبريل 2021م، أنَّ البرلمان الأمريكي يفتح آذانه لسماع شكوى المسيحيين المصريين ممَّا يُشاع عن شيوع الاضطهاد والعنف الطَّائفيين في مصر، وأنَّ الحكومة المصريَّة متَّهمة بالتَّقصير في حماية الأقليَّة المسيحيَّة، الَّتي توصف بالسّلميَّة والضَّعف وقلَّة الحيلة، في مقابل كراهية المسلمين واستحواذهم على السُّلطة وتغاضي الحكومة عن تجاوزاتهم في حقّ المسيحيين عند نشوب أعمال عنف طائفيَّة. على ذلك، أصبح لدى الكونغرس الذَّريعة للتَّدخُّل الفعلي في مصر، بحجَّة حماية الأقليَّة المسيحيَّة.

تاريخ الفتنة الطَّائفيَّة في مصر

يعتبر الدُّكتور محمَّد عمارة، المفكّر الإسلامي المصري البارز، في كتابه في المسألة القبطيّة: حقائق وأوهام (2001م) أنَّ الفتنة الطَّائفيَّة في البلاد بدأت تزامنًا مع وصول الأنبا شنودة الثَّالث، بطريرك الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة الـ 117 (1971-2012م)، إلى منصب بابا الكنيسة، بعد عام من تولّي الرَّئيس المصري الأسبق، محمَّد أنور السَّادات، الحُكم، محدّدًا حادثة حريق سقف إحدى غرف جمعيَّة الكتاب المقدَّس بالخانكة، الَّتي كانت تُعدُّ لتحوَّل إلى كنيسة دون إذن من الحكومة، في نوفمبر 1972م بأنَّها كانت شرارة التَّوتُّر الطَّائفي في البلاد، الَّتي ساد فيها التَّسامح الدّيني على مدار قرون طويلة. يفرد عمارة في كتابه فصلًا مستقلًّا تحت عنوان “أوهام اضطهاد الأقباط”، يتطرَّق فيه إلى ما يُشاع عن تعرُّض المسيحيين في مصر للتَّمييز الطَّائفي والغبن في الحقوق، ملفتًا النَّظر إلى استحواذ المسيحيين على جزء كبير من ثروات البلاد، برغم حدوديَّة عددهم الَّذي لا يتجاوز 5 بالمائة من تعداد الشَّعب المصري. يكفي التَّذكير بأنَّ قائمة أغنى أغنياء مصر لعام 2021م تتضمَّن 4 إخوة من عائلة ساويرس المسيحيَّة بثروة تجاوزت 200 مليون جنيه.

العشوائيَّات خلف أبراج نايل سيتي لعائلة ساويرس

وتُظهر هذه الصُّورة الفجوة الشَّاسعة بين فخامة الأبراج السَّكنيَّة والإداريَّة الَّتي تمتلكها عائلة ساويرس، وتردّي الحالة المعيشيَّة لسُكَّان المناطق العشوائيَّة المحيطة بتلك الأبراج، المطلَّعة على نيل القاهرة. ويتساءل عمارة (صـ90-91):

إذا كانت نسبة الكنائس لعدد النَّصارى تكاد أن تساوي نسبة المساجد لعدد المسلمين، فإنَّ الواقع يقول: إنَّ الكنائس مفتوحة على مدار النَّهار والليل، والمساجد تُغلق بعد الصَّلاة! …ومنبر الكنيسة حرٌّ كلَّ الحريَّة، ومنبر المسجد مؤمَّم، لا يرقاه إلَّا من ترضاه وترضى عنه ‘‘الأجهزة‘‘! …والشَّباب القبطي المتديّن ينام في بيته آمنًا، ونظيره المسلم يعيش في رعب قوائم ‘‘الاشتباه‘‘! …وأروقة الكنائس مفتوحة أمام التَّبتُّل النَّصراني-وحتَّى الرَّهبنة-بينما الشَّاب المسلم إذا أراد الاعتكاف بالمسجد في رمضان، لا يُتاح له إلَّا إذا تقدَّم بصورة البطاقة إلى ‘‘الأجهزة‘‘، الَّتي تضعه-فورًا-في القوائم المرشَّحة لما يعرفه الجميع!! …وأوقاف الكنائس قائمة، وفي نمو-وهي تحفظ لها استقلال الموقف والتَّوجُّه والقرار-بينما أوقاف المساجد والأزهر ومؤسَّسات الخير الإسلاميَّة، قد أُمّمت واغتالتها البيروقراطيَّة الحكوميَّة، واغتالت معها حريَّة تلك المؤسَّسات في التَّوجُّه والقرار!!

فمَن هم المحظوظون في بلادنا-حتَّى في الكنائس والعبادات-؟! …ومَن هم الَّذين تكبّلهم القيود وتطحنهم الهموم؟!

فتنة ‘‘زكريَّا بطرس’’: مَن أشعلها؟

دأب القسّ زكريَّا بطرس (87 عامًا) منذ أمَد بعيد على الطَّعن في الإسلام وسبّ نبيّنا مُحمَّد (ﷺ) بأشنع الألفاظ وإلقائه بأبشع التُّهم، ووصلت به، أي بطرس، الوقاحة أن اتَّهم النَّبيَّ بالانحراف الجنسي والجنون وكتابة القرآن الكريم بإملاء من مسّ شيطاني، وليس من وحي إلهي؛ حتَّى أنَّ الدَّاعية والخطيب المصري الشَّهير الرَّاحل، فارس المنابر عبد الحميد كشك، قد دحَض في سبعينات القرن العشرين ادّعاء بطرس صحَّة إيمان أهل الكتاب بالاستشهاد بنصوص قرآنيَّة دون فهْم لصحيح معناها. وتعريفًا ببطرس، فهو قسٌّ مصري يعيش حاليًا في أمريكا، حيث ينظر مجلس النُّواب في شكاوى حقوقيين ضدَّ الحكومة المصريَّة في تهاونها في حماية الأقليَّة المسيحيَّة، وقد لجأ إليها عام 2003م، بعد أن أوقفته الكنيسة القبطيَّة عن العمل، دون شلْحه، أي طرده من السّلك الكنسي، بالكامل، حيث أسَّس قناة تحت اسم ‘‘الفادي’’، واصل عبر شاشتها نهجه السَّابق في الهجوم على الإسلام ورسوله (ﷺ). تبرَّأت الكنيسة من بطرس منذ سنوات؛ لنشْره تعاليم الكنيسة البروتستانتيَّة المخالفة لعقيدة الأرثوذكسيَّة، ولاتّهامه بالانحراف الجنسي، أي ممارسة اللواط. وقد أوضح الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدَّس التَّابع للكنيسة القبطيَّة سابقًا، في لقاء له عبر قناة أوربيت، في برنامج ‘‘القاهرة اليوم’’، أنَّ السَّبب الأوَّل لإيقاف بطرس عن العمل كان نشْره تعاليم البروتستانتيَّة، إلى جانب هجومه الشَّرس على المسلمين خلال عمله في بريطانيا الَّذي أثار حفيظة “المتطرّفين” من المسلمين، على حدّ وصْف الأنبا بيشوي، وأغراهم بمحاولة الاعتداء على المسيحيين المصريين المقيمين هناك. برَّر الأنبا بيشوي عدم إقدام الكنيسة القبطيَّة على شلْح القسّ زكريَّا بطرس بعدم توقُّف المفكّرين الإسلاميين، أمثال محمَّد عمارة وزغلول النَّجَّار، عن الهجوم على المسيحيَّة؛ ممَّا يضع الكنيسة في حرج أمام شعبها.

أعيدت إساءات زكريَّا بطرس في حقّ النَّبيّ (ﷺ) إلى الواجهة في الأيَّام الأخيرة، بعد إعادة نشْر مقطع له تحت عنوان “مسطول سكران كَتَب القرآن”، هاجم فيه النَّبيَّ (ﷺ)، ووصَفَه بالخبل عند كتابة القرآن، الَّذي يجده القسُّ متناقضًا، برغم أنَّ استشهاده هو الَّذي خارج السّياق ولا ينمُّ إلَّا عن جهل وعجْز عن فهْم أقوال الله تعالى. كالعادة، أعلنت الكنيسة القبطيَّة حُسن نيَّتها وبراءة ذمَّتها ممَّا يدَّعيه بطرس، بنشرها بيانًا بتاريخ 14 نوفمبر 2021م، أوضحت فيه أنَّ القسَّ “لم يعد تابعًا للكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة أو يمارس فيها أيّ عمل من قريب أو بعيد” منذ 11 يناير 2003م. في مقابل براءة الكنيسة القبطيَّة من الفتنة، اتَّهم نشطاء جهات إسلاميَّة متطرّفة، مثل تنظيم داعش المسلَّح، بإعادة نشْر المقطع المسيء لنبيّ الإسلام (ﷺ)، سعيًا من تلك الجهات لإشعال الفتنة في البلاد، والَّتي من شأنها إيقاف عجلة التَّنمية وعرقلة النُّمو الاقتصادي وإحداث أعمال عنف وتخريب، في فترة تمرُّ فيها البلاد بحالة من انتشار العنف وكثرة شكاوى المواطنين من العوز والعجز عن تدبير احتياجات المعيشة.

ونتساءل:

1.هل لمحاولة بثّ الفتنة الطَّائفيَّة في مصر علاقة بمساعي البلاد على أساس طائفي، كما نشَر موقع اليوم السَّابع في 28 أغسطس 2012م في مقال عنوانه “أقباط المهجر ينشرون خريطة تقسيم مصر ‘‘تحت الرّعاية الأمريكيَّة’’ …دولة قبطيَّة مزعومة عاصمتها الإسكندريَّة وأخرى نوبيَّة وثالثة تحت النُّفوذ اليهودي”؟

خريطة أقباط المهجر لتقسيم مصر-اليوم السَّابع (28 أغسطس 2012م)

2.هل في ذلك تنفيذ لمخطَّط كشفت عنه “وثيقة كيفونيم” الإسرائيليَّة، الَّتي تعود إلى عام 1982م، الخاص بإغراق مصر في الدُّيون ونشْر الأفكار المنافية لصحيح الإسلام لإخراج أهله منه؟

3.هل من علاقة بين إقامة القسّ زكريَّا بطرس في أمريكا وتقديم نشطاء حقوقيين هناك شكاوى إلى مجلس النُّوَّاب الأمريكي للتَّدخُّل في مصر بزعم حماية المسيحيين من الاضطهاد؟

4.هل في إحداث احتقان وعنف طائفيين في مصر ما يتَّفق مع نبوءة العهد القديم عن أحوالها قبيل مجيء مخلّص بني إسرائيل وانطلاق حملته العالميَّة منها؟ وتقول النُّبوءة نصًّا:

“وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ: هُوَ ذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا. وَأُهَيِّجُ مِصْرِيِّينَ عَلَى مِصْرِيِّينَ، فَيُحَارِبُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ: مَدِينَةٌ مَدِينَةً، وَمَمْلَكَةٌ مَمْلَكَةً. وَتُهْرَاقُ رُوحُ مِصْرَ دَاخِلَهَا، وَأُفْنِي مَشُورَتَهَا، فَيَسْأَلُونَ الأَوْثَانَ وَالْعَازِفِينَ وَأَصْحَابَ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ. وَأُغْلِقُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ فِي يَدِ مَوْلًى قَاسٍ، فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ عَزِيزٌ، يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ. وَتُنَشَّفُ الْمِيَاهُ مِنَ الْبَحْرِ، وَيَجِفُّ النَّهْرُ وَيَيْبَسُ. وَتُنْتِنُ الأَنْهَارُ، وَتَضْعُفُ وَتَجِفُّ سَوَاقِي مِصْرَ، وَيَتْلَفُ الْقَصَبُ وَالأَسَلُ. وَالرِّيَاضُ عَلَى النِّيلِ عَلَى حَافَةِ النِّيلِ، وَكُلُّ مَزْرَعَةٍ عَلَى النِّيلِ تَيْبَسُ وَتَتَبَدَّدُ وَلاَ تَكُونُ. وَالصَّيَّادُونَ يَئِنُّونَ، وَكُلُّ الَّذِينَ يُلْقُونَ شِصًّا فِي النِّيلِ يَنُوحُونَ. وَالَّذِينَ يَبْسُطُونَ شَبَكَةً عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ يَحْزَنُونَ. وَيَخْزَى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الْكَتَّانَ الْمُمَشَّطَ، وَالَّذِينَ يَحِيكُونَ الأَنْسِجَةَ الْبَيْضَاءَ. وَتَكُونُ عُمُدُهَا مَسْحُوقَةً، وَكُلُّ الْعَامِلِينَ بِالأُجْرَةِ مُكْتَئِبِي النَّفْسِ…” (سفر اشعياء: إصحاح 19، آيات 1-10).

قدوم المخلّص إلى مصر-فيلم ‘‘أنا، الماعز الأليف 1’’

5.وأخيرًا، إذا كانت الشَّواهد تؤكّد أنَّ مسيحيي مصر لا يعانون الاضطهاد، بل يستأثرون بحصَّة كبيرة من ثروات البلاد، برغم قلَّة عددهم مقارنةً بالمسلمين، وتمتُّهم بكافَّة الامتيازات، ولا ينقصهم إلى أرفع المناصب القياديَّة، فمَن المستفيد من إشعال فتنة طائفيَّة تبرّر تقسيم البلاد ومنْح المسيحيين حُكمًا ذاتيًّا؟!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل فقدت هونغ كونغ مكانتها كمدينة دولية؟

ياي تشين  (Yi Chen)خبير في شؤون منطقة هونغ كونغ المقدمة أعلنت منطقة هونغ كونغ عن …