أخبار عاجلة
الرئيسية / فنجان سياسي / النعاج وأنا وصويحباتي والحركة التصحيحية المجيدة!

النعاج وأنا وصويحباتي والحركة التصحيحية المجيدة!


فراس العبيد – رسالة بوست
تحتفظ ذاكرتي بتلك الطقوس، بما فيها ضوء أحمرٌ خافت، يكاد يذهب بالأبصار، ومقاعد مكسّرةٍ، وأغانٍ تمجد مولانا وسيدنا، وقدوتنا، الطالب الأول، والمربي الأول، وجميع تلك الأوسمة التي استحقها، المفدى، عندما صحح مسار البلاد.
وتأتي اليوم الذكرى المجيدة، وقد استكمل المفدى ابنه، مسيرة “القائد الخالد”، واهتدى إلى “قنص المفتن حسون”، الذي انتهى عقد تشغليه، بنهاية “صلاحيته”، وأعطي “كرسيه” إلى “الروافض”، على “طبقٍ من ذهب”، وأمام عين “الغنم والنعاج”، و”صفق باسم ورباب”، وتوتة توتة لسه للقصة كفاية طويلة وما انتهت الحدوتة.
ما زلت أذكر أننا سنرجع إلى “وظيفتنا” بالثياب التقليدية الجافة، يوم الجمعة القادم، “طواعيةً الله وكيلكم”، و”أبو عصام” رئيس السادة الخدم “آذان يعني، ومخبر الله يعينو، بكزا فرع مخابرات، مو مشان شي، بس كرمال عيون الوطن”، سيأخذ على عاتقه الإشراف على “الدبكة”.
وبمناسبة الدبكة، ولأني كنت غير مرنٍ (صعبًا قياديا على قولة مالك بن الريب)، فقد كان يغريني “أبو عصام” بإمساك يد “ليلى” إحدى حسناوات العمل، وكنت أرفض، كالمعتاد، فيداها كانتا غارقتان في يدي، وعيناها الخضر كوطني، يشغلني إلا عن “تحرير قيودها”.
وبالمختصر؛ يا سادة، ما نخيت ولا علمتني أمي ذات الطباع الحادة، أنْ أقبل.
تلك السويعات من الليل التي تسبق صبيحة العمل والاحتفال بطقوسه، كانت تقض مضاجعنا “فرحًا الله وكيلكم”… رغم أنه يوم “عطلة”.
فعدم الحضور والتغيُّب، مصيره خصمٌ من الأجر، ومساءلة سياسية، تستوجب زيارة أحد الأفرع الأمنية ذات الصيت الواسع والتي تجاوزت العشرات…. أكثر من المساجد والجامعات.
وكم كان الشوق يحدونا ويسوقنا للخطابات النارية، وأبياتٌ شعرية تمجد القائد الخالد، وتهتف لروحه وأبديته.
صالة الفيحاء الرياضية بدمشق؛ مكانٌ يذكر بتلك الاحتفالية، حيث كان يحشر آلاف العمال للاستماع إلى ما يلقيه المسؤولون على آذانهم، مذكّرين بمنجزاتٍ أبهرت العالم وتحققت في ظل الحركة التصحيحية المجيدة…!
كنتُ صغيراً حين شرفني حضور ذاك الحفل الوطني الساهر؛ في تسعينات القرن الماضي، المكانُ مزينٌ بالأعلام، صورة السيد الرئيس المناضل الرفيق الفريق المؤمن الحاج المخلص، الإنسان المحامي والقاضي والعامل (عامل نظافة) أو الزبال الأول، حافظ الأسد، تحرسها عيونُ رجالات الشرطة، وباقاتٌ من الورد تملأ المدرج، كأنما صالة عرسٍ تستعد لاستقبال العروسين.
وتبدأ الطقوس، “الزعبي دخل” بعيد عنكم ضهروا لبطنوا، من المرض، بس مشرفنا، وأمين فرع الحزب، وثلة طاهرة، من المسؤولين، معطرين بالـ”رائحة العرق والوسكي”، وكان خالي الأوسط له مرتبة في الدولة، وتحديدا نقابة “المعترين العمال” ويؤكد لي؛ بأنها “سكرة الحب”… السادة المسؤولين “سكرانين من حبهم للوطن وسيد الوطن”.
ثم تعزف الموسيقا الوطنية، بتحس حالك عم تسمع نشرة الأخبار، بمعزوفة “صفوان بهلوان” يلي صرع مخنا فيها!!
تبدأ الحناجر بالهتاف للقائد، المنافقون المتملقون يقفون حسب توزيع أدوارهم يلقون أبياتاً من الشعر تمجده، ما يلبث مقدّم الحفل أن يطلب منهم الجلوس في أماكنهم.
وبعيدًا عن “ليلى” تسرح عيني الصغيرة حالمةً، بتلك السمراء اللطيفة، التي كشفت عن كتفيها، وكأنما في سهرةٍ بـ”قصر النبلاء”، اتجهت نحوها “ماريا”، صافحتها، والعيون تراقب، (طبعًا لا يروح فكرك لبعيد سيدي /سيدتي)، فالكل مشغول بالخطاب الرنان، وكنت مشغولًا بمفاتنها، أفطرت على أبيات شعرٍ، وغفوت على حديثٍ ناعمٍ، يدغدغ الفؤاد، فينتزعه… بصوتٍ خافت.
فستانها كان محط إعجاب، أذكر أنه ارتفع قليلاً عن قدميها، ورغم أني “كنت أغار عليها تلك اللحظة” المجيدة من تاريخ التصحيح، إلا أنني شعرت بالنشوة، فالرفاق المسؤولين، ورغم انشغالهم وحماسهم بالاحتفالية، لكنهم رحلت أنظارهم كالأشرعة وطافت “حولنا أنا وماريا وليلى” التي لم تبتعد عن يميني، ولم يخفِ السادة الرفاق المناضلين، رغبتهم ونضالهم لانتزاع إحدى الحسناوتين الديرية والشامية، أمّا أنا فكنت كالملاك الحارس، شابًا وسيمًا بربطة عنق، وجسد مفتول العضلات ولحيةٍ كثيفة كنت “إرهابيّا” بامتياز.
المكانة التي بلغتها في ذاك اليوم الوطني كانت عظيمة، بقدر ما كان حضورهما (الفتاتين) عزاءً وحيداً لي في ذاك الاحتفال الذي استمر ثلاث ساعات، لم أفهم من كلام أمين فرع الحزب، ولا حتى نقيب العمال في سورية كلمةً مما قالها…!!
كان يا ما كان… حتى أتت الثورة… وكنا عايشين.. شوف الناس شوف… كنا فعلاً بأحلى عيشة، طبل وزلغيط، وأعراس وطنية، كل ما خلص عرس وطني، دخل عرس آخر.
وأذكر أنّ مسؤول الفرقة الحزبية، وكنت يومها في الصف الثاني الثانوي، أتى مهنئًا، وقد اختارتني القيادة، لأمثلها في مهرجان التصحيح المجيد، “نيالك يا عمي أبو الفوارس”، وأكمل قبل أن ألطمه على وجهه؛ “واسطتك تقيلة”، كنت يومها الأول على مستوى سوريا في دراستي.
أجبته؛ “خير يا طير”، كان بومًا أو غرابًا.
أجاب: (اختاروك تمثل الفرقة الحزبية).
ما لقوا غيري، يعني.
ليش ما بدك تروح هي مهمة حزبية، وسلامة عرفك، بنات جميلات، وتطبيق (تلطيش يقصد ومصاحبة).
أدرت وجهي؛ وخيم الصمت لحظة، أجبته بصوتٍ مرتفع؛ (هاد احتفال وطني ولا كرخانة يلي بدكن تبعتوني عليها).
وللأمانة؛ لم اعتد أن أتلفظ بكلمةٍ نابية، بفضل الله، منذ صغري، إلا أنّ “السردة تلك استفزتني”.
لم أذهب، وراحت على داعيكم…!!
وبالعودة إلى الاحتفالية، أيام عملي، فالإحساسَ بالوحدة كلما تجدد، كسرته قبلاتها (ماريا)، المطبوعة على وجنتي، شعرتُ يومها بأنني ممتنٌ للحركة التصحيحية المجيدة، وكل الأعياد الوطنية، والقائد الرمز.
وفدوى لعينكم فدوى… على قولة العراقيين.
واستكمالًا للعرس الوطني، وما إنْ انتهى الحفل الخَطابي، حتى امتلأت الطاولة القريبة من المسؤولين بما لذّ وطاب؛ مشروباتٍ بأنواعها، وفواكه طازجة.
الجميع حبس نفسه، طويلاً، ينتظرون خطفًا سريعًا إلى الساعة، على غفلةٍ، كأنما يسرقون النظر، خشية “الرفاق المخبرين وأقلامهم التي لن تترك تلك الفرصة للصيد”.
همست في آذان فتاتيّ الواحدة تلو الأخرى، وكنت ما أزال أتوسط الجلسة، وحرارة أنفاسهما تكوي مشاعري، لم أكن واثقًا إن كنت أريد التجمد، أم العودة للمنزل لأحكي لوريقاتي، قصيدة…؟!
همستُ؛ ليتني أمتلك الخيار، خيرٌ لي الهروب معكما على صهوة جواد، في هذه اللحظة المجيدة من التصحيح الذي قاده القائد، ونصحح مسار الحفل كاملًا، أو لربما لوكنت سيد الحضور، لمنعت ارتداء الساعات.
ربما حتى يتوقف الزمن عند تلك الاحتفالية المجيدة…. كانت سوريتنا “مغتصبة” على فراش عهرٍ طائفيّ.
أمّا المشهد خارجًا، وبعد الاحتفال، فكان يحكي قصة مشكلة السوريين مع وسائل النقل، حركة المرور شبه متوقفة، الأمر طبيعي، فالحارات الفرعية والشوارع أغلقت خوفاً على سلامة السادة أعضاء القيادة الوطنية والقومية، ورجالات الدولة (العظام)، والعظام هنا مقصود بها الكبار، حتى لا يذهب الفكر بعيداً.
كنا نحفظ الهتافات المكتوبة على الأوراق، “حط الوردة بالكاسة حافظ أسد ألماسة”، “حط الورد على الصفصاف حافظ أسد ما بيخاف”.
بل كان رعديدًا جبانًا، أنهكته عمليات الإخوة المقاتلين في “الطليعة” بعملياتهم التي استنزفته، وذهبت بمقربيه، وكادت تقتله شخصيًّا.
وستعود “الطليعة”، رغم أنف من وقف وراء “آل الجحش”.
حذرونا من التصفيق، القيام والجلوس، في الوقت الخاطئ، بسطاء، مسحوقين، لا يعنينا يومها إلا لقمة العيش… ولولا “الصبايا اللواتي ذكرتهن” ما كنا دخلنا المهرجان (عندكن للسر مطرح: الناس كانت تروح على صنفين، جبناء، وتلطيش نسوان)، يومها كنت أراقب كل النعاج ومواء القطط (هوارين بشنب فارغ).
ملاحظة أخيرة:
هذه تخص زوجتي الحبيبة، لا أعرف اليوم عنوان، ليلى أو ماريا، ولا احتفظ إلا بالصور التذكارية، التي التقطت على باب “قصر النبلاء، وثوبيهما، وفراء الثعلب الذي التف يعانق عنقهما، كأنما يريد إغاظتي، وأغنيةٌ تقول؛
يسمعني حين يراقصني كلماتٍ ليست كالكلمات
يأخذني من تحت ذراعي يزرعني في إحدى الغيمات”.
فسامحيني سيدتي، سأخبرك أنك تحفتي وتساوين آلاف النجمات، وبأنك كنزٌ وبأنك أجمل ما شاهدت من لوحات، وليذهب نزار إلى الجحيم، تبًا له، ولتلك المناسبة.
جميع النعاج هتفت يومها؛ “حتى لو جلد الظهر وأكل الحق”. على مبدأ مقولة الزعيم عادل إمام: “أنت الشعب والشعب أنت”.

وكالعادة ختمت، “لا تخافي يا حبيبتي: فأنتِ آمنة”.
والعاقبة لمن اتقى….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حراب المعارضات السورية في خاصرة ثورة الحرية !

مرهف الزعبي ناشط سوري لا يشك عاقل أو مغفل بأنَّ مؤتمر الدوحة هو …