اقتصاد

النظام الاقتصادي في الإسلام 1

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

دار حديث متشعب مع بعض الإخوة الأفاضل حول التحديات التي تواجه تطبيق الشريعة في العالم المعاصر، وطرح بعضهم عدداً من الأسئلة عن وجود النظام الإقتصادي في الإسلام، و عن طبيعته وما هي أهم النظريات التي تشكل هذا النظام، وما هي التشابة والاختلاف بين نظام الاقتصاد الاسلامي وبين المدارس الفكرية المتعددة للنظام الليبرالي….
في هذه الأوراق سأقدم ملخصا لأهم معالم النظام الإقتصادي في الإسلام، قد تتضمن أجوبة على الأسئلة المثارة. راجياً من الله العون، وأن تحفز هذه الأجوبة مزيداً من النقاش للإضاءة على جانب مصيري في النشاط اليومي للفرد والدولة والمجتمع.
1- مقدمة عن رسالة الإسلام وموقع الإنسان في الحياة والكون
تضمن الإسلام عقيدة عقلية تقدم نظرة شاملة لواقع الكون والإنسان والحياة، وموقع الإنسان في الكون وعلاقته الحياة بما قبلها وعلاقتها بما بعدها، ومن هذه العقيدة العقلية، التي خاطبت ولا تزال العقل الإنساني عبر الزمان والمكان فهي غير محدودة برقعة جغرافية ولا موجهة لعرق او قومية معينة ولا هي محدودة بعامل الزمان، انبثقت منظومة متكاملة تصيغ فكر الإنسان ونظرته إلى الحياة الدنيا وإلى الآخرة، وتضبط سيره في الحياة تجاه نفسه وتجاه خالقه وتجاه غيره من البشر وفق أحكام شرعية ومفاهيم شرعية تضبط شؤونه كافة: في عالم الفكر وفي عالم الشعور، فكان سعي الإنسان في الحياة يدور ضمن هذا الإطار الجامع.
وفي هذا ورد الخطاب القرآني المتعدد:

  • (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فالإنسان مستخلف في الأرض لعمارتها وفق ما أرسل به الرسل، وآخر ذلك رسالة الإسلام الناسخة لما سبقها من شرائع الأنبياء السابقين، فضلا عن كون الإسلام الرسالة الخاتمة للعالمين وليس لقوم مخصوصين وإلى يوم الدين وهو ما تميزت به الرسالة الإسلامية عن سواها من رسالات الأنبياء السابقين. و”الخليفة” يتصرف في “المستخلَف فيه”(الأرض) وفق تفويض المُستخلِف، وإلا فقد خان عهد الخلافة. وعهد الخلافة هنا هو ملزم للأمة كافة وليس لفرد دون آخرين ، وواجب الأمة الحرص على الالتزام بعهد الخلافة من خالق الكون بما فيه،فإن حاد عن ذلك أحدهم، فرداً أو جماعة وكائنا من يكون، وجب على الآخرين إرجاعه إلى التزام الميثاق.
    -(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله: وقوله : (أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) قال السدي : يعني لا يُبعث .وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني لا يُؤمر ولا يُنهى .والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي : ليس يُترك في هذه الدنيا مهملا لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُترك في قبره سدى لا يُبعث ، بل هو مأمور منهي في الدنيا ، محشور إلى الله في الدار الآخرة “.
  • (﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ وهذه الآية مكية، نزلت لترسم معلماً فاصلاً بين نهج الإسلام في الخضوع لأمر الله والتمايز عن نسك الكافرين الذين كانوا يذبحون لغير الله، ثم عممت الآية أن حياة المسلم كلها ومماته منضبطة بحركة العبودية لله وحده دون شريك.
  • ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله:” ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله”. فالمسلم مطالب أن يلتزم حكم الله سبحانه و يحذر العدول عنه اتباعاً لحكم الجاهلية، والجاهلية هي كل شرعة خارج الإسلام، سواء في القديم أم في الحاضر أم في المستقبل، فالمسلم لا يرضى بغير حكم الإسلام في أي أمر تشريعي من أمور حياته.
  • ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ) جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله:”هذه أكبر نعم الله عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه; ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء ، وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرّعه)
  • وفي الآية الكريمة (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) قال الشَّافِعِي رحمه الله:” فليست تنزل بأحد من أهل دين اللَّه نازلة إلا وفي كتاب اللَّه الدليل على سبيل الهدى فيها” ، وقال الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله:” لذلك لا يحل لمسلم بعد التفقه في هاتين الآيتين القطعيتين أن يقول بوجود واقعة واحدة من أفعال الانسان لم يبين الشرع لها محل حكم ولا بوجه من الوجوه، ولا يمكن شرعًا أن يوجد فعل للعبد ليس له دليل أو أمارة تدل على حكمه ، لعموم قوله تعالى” تبيانًا لكل شيء” وللنص الصريح بأنّ الله قد أكمل هذا الدين” .
  • (ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ) فالأمة المسلمة مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمارة الأرض وفق شرع الله، لا شرائع الجاهلية قديمها وحديثها.
    و لا حاجة للاستفاضة في الكثير من الآيات القرآنية التي لا تدع مجالا للشك في أن الإنسان محاسب على كل صغيرة وكبيرة في أمور حياته، وأن عليه أن يستسلم لأوامر الله ونواهيه التي تشمل أموره كافة ، على صعيد الفرد والجماعة والدولة، وأن مصدر هذه الأحكام الشرعية هي ما نزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله سبحانه قد أكمل نعمته على العالمين فلم يترك الانسان عبثاً ولا مُهملاً بل بيّن له سبيل الحق وألزمه سلوكه، وبيّن له سبيل الباطل وحذّره من السير فيه.
    نختم بالقول إن ما سبق هو الإطار العام لشريعة الإسلام، وهذا الإطار يضبط حركة الفرد والجماعة والدولة في جميع الشؤون، ولا يصح التعامل مع الشريعة بانتقائية باجتزاء بعض الأحكام عن غيرها، فسواء تحدثنا عن نظام المواريث أو أحكام الأسرة، فهذا لا ينفصل عن أحكام الجهاد ولا عن أحكام نظام الحكم….ولكننا هنا سنحصر بحثنا فيما يتعلق بالنظام الإقتصادي موضوع البحث كيلا يتشعب بنا الحديث.
    يتبع بعون الله

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى