أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أسرار انهيار الليرة التركية !

أسرار انهيار الليرة التركية !

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

هو متعدِّد الاهتمامات ببراعةٍ، ولٰكنَّ تخصُّصه ومجال علمه وعمله هو الاقتصاد، هو أحد خبراء الاقتصاد وأستاذ جامعي ومدير مؤسَّسات اقتصاديَّة… وحَتَّىٰ لا أعود للتبيان بَيْنَ الأقواس أتابع فيه وأبيِّن أَنَّهُ يحب تركيا، ويحب السِّياسة الأردوغانيَّة، ويتمنَّى الخير لتركيا، ويعمل في أمريكا.

مؤخَّراً في حديث بيننا متنوع الموضوعات مثل العادة، وهي تخصصية غالباً، أتى عرضاً علىٰ الحديث علىٰ الحديث علىٰ انهيار الليرة التركية. وتحول موضوع إلىٰ أسباب انهيار الليرة التركية. رأى الخبير أن سياسات الدولة التركية هي وحدها المسؤولة عن انهيار قيمة الليرة التركية. وما هي هٰذه السياسات. لم يجد غير سياساتها في تخفيض سعر الفائدة… وتارة، بعد المجادلة، يرى أن تدهور الاقتصاد التركي وتراجع الاقتصاد التركي هو سبب أيضاً.

طال النِّقاش ساعات لم تكن في الحسبان، ودائما يكرر حقيقة أَنَّهُ ينظر نظرة موضوعية وعلمية ومنهجية وحيادية… فهو يحب تركيا يتمنى الخير لها وهٰذه حقيقة لا أنكرها فيه. لن أعيد الحوار الذي دار كما دار، وإنَّمَا سأعيده بطريقة مختصرة ومنهجية.

أولاً: لا أنا ولا أحد غيري بحال من الأحوال يدعي عصمة أردوغان من الأخطاء، ولا أن السلطة التركية معصومة عن الأخطاء. لا أعرف أخطاء السلطة التركية ولٰكن بحكم الخبرة والمعرفة العلمية من خلال تدريس فلسفة الاقتصاد والسياسات الاقتصادية لسنوات طويلة، وعدد غير قليل من الأبحاث الاقتصادية، ومن خلال المعرفة المباشرة والمعايشة والتتبع لم أجد لهٰذه السُّلطة أخطاء تستحق الوقوف عندها علىٰ أَنَّهَا تخرب الاقتصاد أو تضعف قيمة الليرة التركية، بل إنَّ كلَّ السِّياسات التي تقوم بها الدَّولة تؤدي منطقيًّا وعمليًّا إلىٰ تعزيز الاقتصاد وقوته وتعزيز استقرار قيمة الليرة التركية، وستأتي أدلة علىٰ ذٰلك.

ثانياً: إنَّ تخفيض سعر الفائدة ليس سبباً مبرراً لانهيار قيمة العملة في أي دولة، ولا بحال من الأحوال. بل إنَّ الخبير السابق ذاته ناقض نفسه عندما قال إنَّ تخفيض سعر الفائدة سيؤدي عمليًّا ونظريًّا إلىٰ تقليل الإيداع في البنوك والاستثمار، وهٰذه حقيقة نظرية في علم الاقتصاد. كما أنَّ تخفيض سعر الفائدة يشجع علىٰ زيادة الاقتراض من البنوك وتشغيل الأموال في المشاريع أو الشراء ممن يعزز حركة الاقتصاد ونشاطه ويؤدي بالضرورة، منطقيًّا، إلىٰ نمو اقتصادي وتعزيز قوة العملة النقدية للدولة.

وإلىٰ جانب ذٰلك فإنَّ كثيراً من الدول بل كل الدول تقوم بَيْنَ الحين والحين بتخفيض سعر الفائدة ورفعه لأسباب اقتصادية أو سياسية ومع ذٰلك لا تتغير قيمة العملة. فلماذا الليرة التركية الاستثناء في ذٰلك كلِّه؟!

إذن، إنَّ التَّذرع بأنَّ سياسة الدولة في خفض قيمة الفائدة هو السبب تذرع لا أساس له من الصحة. وعلىٰ افتراض أَنَّهُ يكون سبباً فإِنَّهُ يكون سبب في انخفاض قليل أو كثير وليس سبباً في انهيار قمة العملة علىٰ نحو ما حدث ويحدث في تركيا.

ثالثاً: الاعتراض الذي أبداه الخبير هنا ردًّا علىٰ ما سبق هو أنَّ المسألة لدى مثل هٰذه التخفيض تتعلق بانخفاض السقف الإئتماني الدولي ممَّا يؤدِّي إلىٰ انخفاض ثقة المستثمرين، مما يؤدي إلىٰ انخفاض قيمة العملة.

اعترض جميل. ولٰكن، أولاً من ناحية واقعية يجب أن نعلم أن الاقتصاد التركي المحوري لا يعتمد علىٰ المستثمرين الخارجيين، يوجد مستثمرين خارجيين ولٰكنَّهُم أقل من أن يكونوا السبب في انهيار الاقتصاد والعملة. ومن ناحية ثانية دعونا نتساءل: من الذي يقوم بتخفيض السقف الإئتماني؟ وبأي حقٍّ؟ ولماذا هناك ازدواجية في تخفيض السقف الإئمتاني لهٰذه الدولة دون تلك؟! لماذا لا تتعرض عملة دول أُخْرَىٰ تخضع لظروف أشد من تركيا لهٰذا التَّخفيض في السقف الإئتماني وتنار عملتها النقدية كما يحدث لتركيا؟!

حسناً، ومع ذٰلك، سأقبل أن مجلة أنَّ مجلة فوربس (Forbes) التي تصدر هٰذه التصنيفات والتقويمات و‏تصنيفات الإئتمان هي السبب وليس ثَمَّةَ عوامل أُخْرَىٰ… كما يشاء الخبير الحيادي الموضوعي المنطقي المنهجي. وسيظهر السؤال الآن: هل يصل الأمر بانخفاض السقف الإئتماني إلىٰ حد تبرير أو تفسير هٰذا الانهيار المفاجئ والسريع في قيمة الليرة التركية؟

بالتَّأكيد لا يكفي ولا يبرر. اعطونا مثالاً واحد تعرضت له دولة منذ الحرب العالمية الثانية إلىٰ اليوم يشبه ما تتعرض له الليرة التركية علىٰ أساس تقويمات مجلة فوربس أو سواها من المؤسسات الدوليَّة. لا يمكن أن يوجد، وأنا سآتي علىٰ بعض الأمثلة بعد قليل كي أفسر ما حدث.

إنَّ إحجام المستثمرين أو حَتَّىٰ هروبهم لا يمكن أبداً أن يبرر أو يفسر هٰذا الانهيار في قيمة الليرة التركية فلا يمكن أن يهرب المستثمرون جميعاً في ليلة واحدة، هٰذا محال. وعلىٰ افتراض أَنَّهُم هربوا مرة واحد فإنَّ السبب قد انتهى، فلماذا يستمرُّ النَّزيف؟ حَتَّىٰ وإن هربوا تباعاً فإنَّ في ذٰلك ما يمنع الانهيارات المتتالية لاحقاً، لأَنَّهُ أصلاً لا يوجد مستثمرين يمكن أن يؤدِّي غيابهم إلىٰ انهيار الاقتصاد التركي أو الليرة التركية بهذه الطريقة الاستنزافي السريعة الممتدة علىٰ سنتين. وبكلِّ الأحوال لا إحجام المستثمرين ولا هروبهم يكفي لتبرير ولا تفسير انهيار الليرة التركية. أتحدث عن مستثمرين اقتصاديين.

رابعاً: من الاحتمالات المنطقية المتبقية وضع الاقتصاد التركي. هل وضع الاقتصاد التركي في حال من التدهور أو الانكماش بما يمكن القول معه إِنَّهُ السبب في انهيار الليرة التركية؟

مما لا يخفى علىٰ أحد من المختصين والمتابعين أنَّ الاقتصاد التركي أحد أبرز الاقتصادات النامية بقوة في العالم، بل من أكثر الاقتصادات نموًّا في العالم. كان هٰذا منذ وصول حزب العدالة والتنمية أي أردوغان إلىٰ السلطة ولم يزل الآن حَتَّىٰ في أحلك ظروف الإغلاق العالمي. وفي ظلِّ كلِّ الظُّروف والضُّغوطات والتَّحديَّات فإنَّ تركيا شبه الوحيدة في العالم التي تقوم بافتتاح والاستمرار وإنشاء مشاريع اقتصادية عملاقة علىٰ المستوى العالمي وفي مجالات مختلفة. ناهيك عن النمو والديمومة في التطورات الاقتصادية الأُخْرَىٰ.

إنّ دولة هٰذا حالها الاقتصادي لا يمكن أن تنهار عملتها بحال من الأحوال، يمكن أن تتراجع عملتها، ويمكن أن ترتفع قيمتها ولٰكنَّهَا لا يمكن أن تنهار. إنَّ هٰذا الحال الاقتصادي يدحض الاحتمالات السابقة الثلاث دحضاً قطعيًّا. فكيف تكون سياسة الدولة أو السلطة خاطئة وتحقق هٰذا النمو الاقتصادي والنجاحات الاقتصادية والصناعية؟! هٰذا أمر مضحك. إذا كانت ترتكب الأخطاء الشنيعة كمال يزعمون وتسير عجلة النمو بهذه الوتيرة من القوة والثقة فكيف يمكن أن الحال من دون أخطاء؟!

لا يستوي مع المنطق أنَّ سياسات الدَّولة خاطئة ويكون اقتصادها في هٰذه الحال من النُّمو والتَّطوُّر والاختراعات. ومن ثَمَّ فإنَّ تصنيف مجلة فوربس أو المؤسَّسات النَّقديَّة الدوليَّة يصبح مسيساً ومشبوها؛ يصنف دولة بهذه القوة الاقتصادية تصنيفاً ضعيف الإئتمان ويترك دولاً عاجزة عن صنع الدواء علىٰ عظمتها!!

الأمثلة والشَّواهد كثيرة، أعطي مثالاً. في حين أعلنت روسيا عن عجزها عن إنتاج ما يكفي من لقاح الكورونا أعلنت تركيا في القوت ذاته أَنَّهَا عندما تنهي التجارب علىٰ لقاحها ستلبي احتياجات كل الدول التي تطلب منها اللقاح… وبعضها بالمجان، هدايا ومساعدات إنسانيَّة. وفي ظلِّ أزمة الكورونا شاهدنا جميعاً فضائح الإغلاق وسرقة المساعدات وعدم مساعدة الدُّول بعضها في حين كانت الطَّائرات التركيَّة تنقل المساعدات إلىٰ عديد من الدول… وفيحين كانت أكثر الدول تبيع الكمامات للمواطنين في فترة الإغلاق كانت تركيا توصل الكمامات مجاناً إلىٰ بيوت المواطنين، وفي حين أنَّ أكثر الدُّول بما فيها الكبرى أيضاً أغلقت  البلاد من دون أيِّ تعويضات أو مساعدات للمواطنين قامت السُّلطة التركيَّة بتقديم تعويضات لسائر المواطنين…  كيف يمكن أن يكون هٰذا الاقتصاد في وضع يبرر انهيار قيمة عملته؟! إنَّهُ أمر غير منطقي.

فماذا بقي من احتمالات أسباب منطقيَّة لانهيار الليرة التركيَّة؟!

خامساً: مِمَّا أثاره صديقي الخبير الاقتصادي طباعة العملة من دون رصيد. مما يجهله الكثيرون ولا يجهله المختصون أنَّ الدُّول جميعها تقوم بطباعة سنويًّا إن لم يكن في أقلَّ من ذٰلك. ولذٰلك تجد العملة الجديدة صفرية الاستخدام موجودة دائماً في التَّداول. هناك فرق بَيْنَ تغيير العملة وطباعة العملة ذاتها. أتحدث عن طباعة العملة ذاتها التي تطبع بأحد غرضين أو كليهما معاً أول زيادة النقد المطروح في التداول وثانيهما استبدال العملة التالفة. والطباعة الزائدة هي التي تسبب التراجع التدريجي الخفيف في قيمة العملة مع الزمن فيما لو كانت الدولة تطبع من دون تغطية قيمة المطبوع الجديد برصيد ذهبي أو من العملات التي تسمى صعبة. فإذا كانت التغطية موجود لن يكون هناك تراجع، وإذا لم تكن موجودة سيكون هناك تراجع طفيف بمقدار الزيادة المطروحة في الأسواق، بمقدار العملة المطبوعة زيادة. 

وعلىٰ افتراض أدَّت طباعة عملة جديدة زائدة إلىٰ انهيار في قيمتها فيكون ذٰلك مرة واحدة، دفعة واحدة، ولا يكون علىٰ نحو استنزافي يومي مستمر بتسارع كما يحدث مع الليرة التركية.

ومع ذٰلك كله فهل الرصيد الاحتياطي أو المعادل في تركيا لا يغطي طباعة العملة؟

منطقيًّا لا يمكن لسلطة تحقق هٰذه النجاحات الاقتصادية ولديها فائض اقتصادي يسمح تقديم الدعم والمساعدات للدول المنكوبة أن تغامر أو ترتكب حماقة طباعة عملة من دون رصيد معادل من الذهب أو العملات الصعبة.

وعلىٰ افتراض أَنَّهَا غامرت وارتكبت مثل هٰذه الحماقة فإنها ترتكبها مرَّةً واحدة، مرتين، وبالتأكيد ليس لثلاث مرات. ومن المحال التام أن تفعل ذٰلك يوميًّا ولا شهريًّا. فإذا وقع الأمر مرة انهارت العملة مرة، وإذا وقع مرتين انهارت العملة مرتين… فلماذا تنهار الليرة علىٰ نحو متواصل منذ سنتين تقريباً؟

ومع ذٰلك كله فإنَّ تركيا تمتلك احتياطيًّا هائلاً من الدولار يفوق السقف الأعلى للمطلوب لتغطية العملة المطبوعة والتي تطبع. يتجاوز هٰذا الاحتياطي المئة مليار دولار. الاحتياطي وليس التداولي، أي المجمد ليكون احتياطيًّا.

هٰذا فيما يخص الدولار وحسب، فإذا انتقلنا إلىٰ الاحتياطي الذهبي فمما يعرفه المتابعون منذ ما قبل الانهيار الأول لقيمة الليرة التركية أنَّ تركيا تبني أكبر احتياطي ذهبي في تاريخها. بل إنَّ البنك المركزي التركي احتلَّ المركز الأول عالميًّا من حيث الأعلى شراءً للذهب، في أواخر عام 2020م، أي في ذروة من ذرى تصاعد انهيار الليرة التركية. وفوق ذٰلك فإنَّ تركيا تحتل المركز 12 عالمياً بقائمة أكبر البنوك المركزية حيازةً للذهب عالميًّا، بحجم احتياطات تقدر بـ 567.9 طناً.

إذن أيضاً ذريعة طباعة عملة من دون رصيد مكافئ ذريعة باطلة.

كل هٰذه المناقشة لم يقنع صديقنا الخبير الاقتصادي الذي يصرُّ علىٰ أنَّنا يجب أن نفكر بموضوعيَّة وحياديَّة أن لا نفكِّر بالعواطف ولا الانفعالات، ونستبعد عقليَّة المؤامرة. العلم كما يقول لا يعرف المؤامرة. والعجيب أَنَّهُ يحب تركيا ويدافع عنها بصدق وليس نفاقاً ولا مجاملة.

فما الأسباب الحقيقية والفعلية لانهيار الليرة التركية؟

حَتَّىٰ نفهم الحقيقة الأسباب يجب أن نتذكر ما سبق كله حرفاً حرفاً، ثُمَّ قبل الإجابة لننظر في خريطة تطور سعر صرف الليرة التركية، لأَنَّهَا ستساعدنا في متابعة فهم الحقيقة. وسنعرض خريطتين من مصدرين دوليين مختلفين، الأولى تعرض تطور سعر صرف الليرة التركية منذ عام 2011م، إلىٰ عام 2021م.

والخريطة الثانية تعرض تطور سعر صرف الليرة التركية منذ عام 2015م إلىٰ عام 2019م.

من الواضح تطابق الخريطتين. قبل عام 2015م وعلىٰ مدار عشرة أعوام، أي منذ مطلع عام 2005م عندما طرحت العملة الجديدة بعد حذف الأصفار السِّتَّة، حافظت الليرة التركية علىٰ استقرارها شبه التام. وبمصادفة عجيبة، بدأ تراجع قيمة الليرة الترَّكية بالتَّزامن مع جاهزية الانقلابيين للانقلاب علىٰ أردوغان في أواخر عام 2015م، وحدوث الانقلاب في 15 تموز 2016م. ومنذ ذٰلك الحين حَتَّىٰ أواخر عام 2018م بدأ تراجع قيمة الليرة علىٰ نحو غير ملحوظ وغير مؤثِّر عمليًّا، بما يشبه أن يكون السَّيرورة الاعتيادية لفقدان العملة من قيمتها. ومع ذٰلك فإنَّ التَّوقيت والظُّروف المحيطة يثير علامات الاستفهام. علا مات الاستفهام ظهرت فيما وكان من الصعب أن تظهر في حينها.

مصادفة عجيبة أن يبدأ تراجع قيمة الليرة التركيَّة بعد اليأس من إسقاط أردوغان بالانقلابات، وخاصة وأنَّ هناك أكثر من محاولة انقلابية سابقة لم تر النور. سألني أساتذةٌ بعد أيَّام من فشل الانقلاب عن توقعاتي بعد هٰذه المحاولة عما يحتمل أن يكون في المستقبل فقلت: طريقة فشل هٰذا الانقلاب ستجعل أعداء تركيا، أعداء أردوغان يفكرون بجنون لإسقاطه، وأظنُّهم سيلعبون بورقة الاقتصاد. أظنُّهم سيفرضون حظراً اقتصاديًّا غير معلن علىٰ تركيا للتَّضييق عليها وجعل النَّاس التي دافعت عن أردوغان هي التي تسقطه.

فماذا حدث إذن وكيف انهارت الليرة التركية؟!

لننظر في هٰذه المقاربات حَتَّىٰ نفهم أكثر ماذا حدث وكيف حدث.

الدينار الأردني يعادل دولاراً ونصف، وهٰذه القيمة ثابتة لم تتغير قيد أنملة منذ نحو ستين سنة إلىٰ الآن. الدولار يرتفع وينخفض والدينار الأردني لا يرتفع ولا ينخفض. علماً أن الأردن ليس فيها أي نشاط اقتصادي تصديري؛ لا زراعي ولا صناعي ولا تجاري. فكيف ويحافظ الدينار علىٰ استقراره نحو سبعين سنة؟! هل الاقتصاد الأردني أقوى من الاقتصاد التركي؟ هل لدى الأردن احتياطي عملات صعبة وذهب أكثر من تركيا؟ هل لدى الأردن أي سند منطقي أو علمي يسند الدينار ويجعله لا يتراجع علىٰ مدار نحو سبعين سنة؟!

حسناً، لنذهب إلىٰ سوريا اليوم. بعدما اندلعت الثَّورة السُّورية وتبين أن المشكلة خطيرة وكبيرة منذ أواخر عام 2011م بدأ هروب رأس المال والشركات والمصانع من سوريا، وتوقع الجميع انهيار هائلاً لليرة السُّوريَّة خلال شهور، ولٰكنَّهَا حافظت تقريباً ونسبيًّا علىٰ قيمتها لمدَّة سنتين بعد ذٰلك. كلُّ المعطيات تقول بيقين وجوب انهيار الليرة السُّوريَّة ولٰكنَّهَا لم تتغير قيمتها تغيراً عجيباً أو لا فتاً للنَّظر. في حين أنَّ تركيا لم يحدث فيها أي شيء مربك أو مخيف، والاستثمارات تأتي إليها… ومع ذٰلك انهارت الليرة انهياراً مفاجئاً واستمر الانهيار علىٰ مدار ثلاث سنوات. فكيف يمكن تفسير ذٰلك؟!

لننظر الآن في الشَّاهدين التَّاليين:

في عام 1982م اجتاحت إسرائيل لبنان، وبمجرد سيطرة إسرائيل علىٰ بيروت بدأ انهيار الليرة اللبنانية علىٰ نحو سريع ومتصاعد. كان انهياراً كبيراً وليس صغيراً. لم يكن الاحتلال هو السَّبب. السَّبب كان خروج أموال منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان واضمحلال العملات الصعبة.

في عام 1984م وعلىٰ نحو مفاجئ انهارت قيمة الليرة السُّوريَّة. كان الدولار يساوي ثلاث ليرات ونصف، وثب وثبات سريعة وخلال شهور صار سعر الدولار أربعين ليرة. لم يعرف أحد السَّبب، نُسب إلىٰ الحصار الاقتصادي الأمريكي، وكان كذبة كبرى، تبين أنَّ السَّبب هو أنَّ رفعت الأسد أخذ كلَّ العملة الصَّعبة من البنوك السورية ناهيك عما أخذه من عملة سورية، ولم ويبق في سوريا قرشاً واحداً تدفعه سوريا ثمن أي سلعة تستوردها، فتوقف الاستيراد كليًّا… كليًّا مع استثناءات ليس هٰذا مكانها.

الآن صار جزء من الصُّورة واضحاً، وليست الصُّورة كاملة. إثر إخفاق الانقلاب بدأ تهريب الأموال اتي كان يملكها الانقلابيون. الأتراك يعرفون مدى ما كان يملكه فتح الله غولن وأنصاره في تركيا من أموال واستثمارات. والذين تابعوا ليلة الانقلاب يستطيعون استنتاج مدى ما كانوا يملكون. لم يكن من الممكن لهم الخروج الشَّامل والسريع فكان علىٰ خطوات، وعلىٰ مدار هٰذه الخطوات كان تراجع قيمة صرف الليرة التركية.

الضَّربة الكبرى كانت أواخر عام 2018م علىٰ يد الإمارات العربية المتَّحدة عندما اشترت البنك التركي «دينيز بن». ومنذ ذٰلك الحين والانهيار يسير بوتائر مجنونة. الضَّربة الأولى، والأكبر، والأشهر كانت مؤامرة، كانت حرباً علىٰ الليرة التركية. لم يكن في هٰذه الحقيقة شك، ولم تعد بالمجهولة.

والمصادفة العجيبة التي يؤكِّد أنَّ هٰذا الانهيار واستمراره إلىٰ الآن هو مؤامرة مستمرة أَنَّهُ بعد ست شهور تقريباً من هٰذه الضَّربة الإماراتيَّة احتفل أعداء أردوغان جميعاً بفوز أكرم أوغلو برئاسة بلدية استنبول علىٰ حساب حزب أردوغان وارتفع صرف الليرة التركية احتفالاً بهذا الانتصار. كان الارتفاع مؤقتاً. ولٰكنَّهُ كان إشارة ورسالة: إذا سقط أردوغان سيتحسن وضع الليرة التركيَّة.

وما لم يكن مصادفة من رجل مثل دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في حينه أَنَّهُ يؤازر حملة الحرب علىٰ الليرة التركية بفرض حزمة عقوبات علنية تحارب الليرة التركية والاقتصاد التركي بالتزامن مع الضربة الإماراتية لليرة التركية. وبعد تمام العام، ومع وضوح الانهيار في الليرة التركية، في 8/ 10/ 2019م أعلن ترامب بتصريح عبر وسائل الإعلام وصفحته الشخصية في التويتر أَنَّهُ سيدمر الاقتصاد التركي والليرة التركية…

وبعد كل هٰذا الوضوح في التَّصريحات والسِّياسات يأتيك من يقول إن انهيار الليرة التركية بسبب أخطاء أردوغان وليس بسبب حرب اقتصادية ومؤامرة من أعداء تركيا وأعداء أردوغان. أعداء أردوغان لا يمكن أن يكونوا محبين لتركيا بحال من الأحوال. قلت وكررت عندما كانت السلطات التركية قبل العدالة والتنمية تحارب الإسلام لم يكن الغرب يحب تركيا ولا يثق فيها قيد أنملة. وفي ذٰلك حديث طويل سبق الكلام فيه.

ولٰكنَّ السؤال الذي يفرض ذاته بقوة بعد ذٰلك كله هو: إذا كان الاقتصاد التركي بهذه القوة، ولديها الرصيد الاحتياطي الكافي وزيادة من الذهب والعملات الصعبة فكيف تتأثر قيمة الليرة التركية وتنهار علىٰ هٰذا النحو؟!

المسألة مرتبطة بالنِّظام النَّقدي العالمي من جهة طبيعته، وارتباط قيمة العملات بالبورصات النقدية العالمية أو الأسواق النقدية العالمية وعلىٰ رأسها بورصة نيويورك وبورصة نازداك أيضاً بنيويورك اللتان تتحكمان بأكثر من نصف أسهم النقد في العالم. المضاربات في هٰذه الأسواق وخاصة هذين السوقيين هي التي تحدد أسعار العملات كلها نسبة إلىٰ الدولار الذي لا يتغير.

لن أقول إنَّ هناك من يتلاعب إلكترونيًّا بمعطيات هٰذه البورصات، ولٰكنَّ لن يكون من الصَّعب علىٰ فريقٍ قويٍّ ماليًّا أن يضارب بأسهم الليرة التركيَّة ويتلاعب بها. لا شك في أَنَّهُ سيخسر الكثير من أجل تحقيق هٰذا الغرض. ولٰكنَّ الذي دفع أكثر من عشرين مليار لمحاربة الإسلام في إفريقيا وحدها لن يجد يبال إذا دفع مثل أو أكثر لتدمير الاقتصاد التركي، وتحريض الشَّعب الترُّكي علىٰ أردوغان وإسقاطه بيد شعبه بعد أن عجز عن إسقاطه بوسائل أُخْرَىٰ متنوعة. 

وإلىٰ جانب ذٰلك هناك حيل كثيرة، ومداخل كثيرة لمحاربة العملة في أي بلد. منها الحرب النَّفسيَّة، ومنها الشَّائعات التَّضليليَّة، ومنها المحاصرة الاقتصاديَّة لتقليل التَّصدير، ومنها إخراج العملات الصَّعبة كما مر من قبل، ومنها إثارة الفتن والقلاقل ضمن البلد، ومنها عدم التداول بعلمة هٰذا البلد في الخارج وفي تعاملاته الاقتصادية… وغير ذٰلك كثير.

إنَّ تراجع قيمة العملة في أي بلد، ما عدا الدولار جريمة العصر، هو أمر عادي. ولٰكنَّهُ تراجع لا انهيار. الليرة التركية لم تتراجع تراجعاً منطقيًّا وإنَّمَا انهارت انهيارات متتالية لا يمكن تفسيرها بأي أخطاء من السُّلطة التركيَّة، ولا بأيِّ تقصيرٍ اقتصاديٍّ في تركيا. المؤامرة التي أفصحت عن ذاتها هي التي وقفت وراء هٰذا الانهيار باعتراف الفاعلين أنفسهم لا باستنتاجاتنا. واستمرار هٰذه الحرب المكلفة جدًّا جدًّا لمن يقودونها ينم عن مدى الحقد علىٰ تركيا وأردوغان.

من المؤسف أن تجد المعارضة التركية وأتراكا ليسوا محسوبين علىٰ المعارضة يساهمون في حملة تدمير الاقتصاد التركي علىٰ أساس أَنَّهُم لا يريدون أن ينجح أردوغان في الانتخابات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تداعيات إرهاق الليرة التركية

الأغيد السيد علي كاتب سوري -ما هي الأسباب الرئيسية المتعلقة في انهيار العملة …