أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الخروج من قصور آيات الله 28

الخروج من قصور آيات الله 28

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب

محطات استراحة قصيرة

1 .
كما قلت في فصل سابق، فقد أهدى لي الرئيس الشهيد صدام حسين، بعد أسري بعدة شهور سيارة من نوع ميتسو بيشي موديل 82، لدوري في إعداد كتاب عن حركة عدم الانحياز، لمناسبة تحضيرات العراق لانعقاد قمة الحركة في بغداد.
وفي عام 1985 وعندما نُقلتْ خدماتي إلى مكتب شؤون المنظمات الشعبية في مجلس قيادة الثورة، ومن ثم إلى ديوان رئاسة الجمهورية، مُنحتْ لي سيارةٌ من نوع تويوتا سوبر صالون موديل 1985، ولدى تسلم زوجتي لها فاجأتها إدارة أموال القاصرين العامة، التي مُنحتْ سلطة التحكم بأمور بعض الأسرى العراقيين في إيران، وأبلغتها بوجوب تسليمها السيارة، تحت لافتة حماية ممتلكات الأسرى من سوء التصرف، فوضعت يدها على هذه السيارة وباعتها بسعر بخس، واستولت على الثمن وأودعته في حساب لديها باسمي، وكان ثمن السيارة 19 ألف دينار، في حين أن سعرها في السوق أكثر من ذلك بكثير، بسبب خضوع عملية البيع لإجراءات حكومية، وهو ما أغرى إدارة أموال القاصرين في السطو عليه باسم القانون، وقررت أيضا الاستيلاء على سيارتي القديمة، ولا أعرف ما الذي حرك الإدارة الفجائي، لتعرف أنها يجب أن تشرف على إدارة أموالي وممتلكاتي، بعد أكثر من ثلاث سنوات على أسري.
كادت مساعي هذه الإدارة أن تنجح لولا استعانة زوجتي بصديقي المرحوم جعفر الجعفري، الذي تحرك بما يمتلك من علاقات واسعة، من أجل وضع حد لهذا الاستهتار والعبث، وكأن إدارة أموال القاصرين، أكثر حرصا من أبي وأمي وزوجتي على حقوقي وما املك، ومن أجل استكمال المسرحية قام فريق من تلك الإدارة، بزيارة تفتيشية نفذها فريق من سيدات، مع رجل يبدو أنه الموظف المسؤول عنهن، للتأكد من سلامة التصرف بالبيت والممتلكات الموجودة فيه، فاصدروا شهادة بحسن التدبير والإدارة.
بعد عودتي راجعت أموال القاصرين لمعرفة مصير قيمة السيارة الذي كان حين إيداعه يزيد على 60 ألف دولار أمريكي، فماذا رأيت؟ وجدت الستين ألف دولار وهي القيمة التي ساوت مبلغ البيع، وقد ارتفعت قيمتها الرقمية مع الفوائد التي تدفعها تلك الإدارة، بحيث وصلت إلى 55 ألف دينار عراقي، أي أقل من خمسين دولارا فقط، أي بما يؤّمن لي عشرين طبقة بيض فقط كما يحلو للعراقيين تقريب صورة القيمة الشرائية لما يمتلكون من أموال، أليست هذه من المفارقات المحزنة أن سيارة تويوتا سوبر صالون موديل 1985، لا أستطيع بسعرها أن اشتري إلا 600 بيضة فقط.
هكذا كانت قيادة الدولة تُكرم منتسبيها، وخاصة الأسرى الثابتين على مبادئهم في معسكرات الأسر الإيرانية، ثم تأتي بعض دوائر الدولة الثانوية الأهمية، لتصادر تلك المكاسب بجرة قلم جائرة، من الطبيعي ان أترك المبلغ في صندوق أموال القاصرين وحتى اليوم، انتظارا لعودة جزئية لقيمته الحقيقية، أو إعادة معادلة المبلغ بسلعة تقويمية صالحة لمثل هذا الغرض مثل الذهب.
2 .
كنت قبل أسري، قد تعاقدت مع وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، على استئجار قطعة أرض زراعية، مساحتها خمسة دوانم (الدونم العراقي تبلغ مساحته 2500 متر مربع)، لغرض اقامة بستان فيها، مع اشتراط الوزارة غراس نوعيات محددة من اشجار الفاكهة، وتقع الأرض على الطريق الرابط بين مدينة الصويرة في محافظة واسط، ومدينة المحمودية (مرسلات الإذاعة) في محافظة بغداد، وقمت بكل الإجراءات القانونية اللازمة، ووقعت العقد مع المديرية العامة للزراعة في محافظة واسط، ثم حصلت على قرض من المصرف الزراعي في الصويرة، لغرض تهيئة الأرض وتسييجها والتعاقد على شراء المغروسات التي حددتها لنا مديرية الزراعة، ولكن التحاقي بألوية المهمات الخاصة ومن ثم جبهة القتال وبعد ذلك وقوعي في الأسر، كل هذه الأحداث أدت إلى تركي العمل في هذا المشروع، الذي أردته لمرحلة ما بعد التقاعد، كي استعيد أيام طفولتي في قرية طويبة، وقبل التوجه للجبهة أودعت ملف المعاملة لدى زوجتي، وأوصيتها بمتابعته في حال تأخري في الجبهة، ولكن مراجعاتها ذهبت أدراج الرياح، وكذلك فقد تدخل صديقي السيد محمود العزاوي “أبو مهند” في متابعة القضية ولكن من دون جدوى.
عندما عدت من الأسر حاولت استكشاف ما حل بالالتزامات المترتبة عليّ بموجب العقد، فراجعت مديرية الزراعة في الصويرة بعد أن أخذت لهم الوثائق التي بحوزتي، ولكنهم ذكروا لي بأن المنطقة المحددة بالعقود كافة، قد آلت ملكيتها إلى الجيش، الذي أقام فيها قاعدة للدفاع الجوي، وصارت من المناطق المحرمة.
عندما طرحت الموضوع على اخواني، كانوا على بينة من أن الأرض صودرت لأغراض النفع العام من دون تعويض، لا سيما وأنها كانت أرضا جرداء ولم تُغرس فيها شجرة واحدة، قال لي بعض الأصدقاء إنني أستطيع المطالبة بتعويضي بأرض بديلة ضمن المحافظة أو محافظة أخرى، شرط أن أقدم طلبا مشفوعا بكل ما لدي من وثائق تثبت مصادرة الأرض التي كانت مخصصة لي، سافرت من بغداد إلى الكوت مركز محافظة واسط مع أخي محمد وراجعنا مدير عام الدائرة الزراعية في المحافظة، وأدرج طلبي مع طلبات كثيرة ومؤجلة قدمها أشخاص حصلوا على أراضٍ مماثلة، ثم حلت غيمة الاحتلال السوداء في سماء بلدي، فضاعت الحقوق المؤكدة، قبل الحقوق الملتبسة.
3 .
كما علمت بأنني شُملت بتخصيص قطعة أرض سكنية، ضمن اراضٍ تم تخصيصها للمدراء العامين في الدولة العراقية، وبمساحة 300 متر مربع، في حي الضباط بمنطقة السيدية غربي بغداد، وما عليّ إلا مراجعة أمانة بغداد، كانت زوجتي تملك رقما فقط تسلمته في ثمانينيات القرن الماضي، من مدير إدارة قسم شؤون المنظمات الشعبية، ولكنها لم تتمكن من إنجاز المعاملة وفقا للأصول المعتمدة في الدوائر الرسمية، عندما راجعت أمانة بغداد لم أجد صعوبة في استخراج ملف الأوليات، وتم انجاز المعاملة في غضون ساعات، ثم سجلتها باسمي في دائرة التسجيل العقاري في الكرخ.
4 .
ومما حصل معي فقد اتصل بي الرائد الركن منذر السلماني، وهو أسير سابق كنا معا في (معسكر قُمصر كاشان)، منذ عام 1991، وهو من أسرى عمليات المحمرة على ما أظن عام 1982، وعدّنا في دفعة واحدة عام 2002، وطلب مني زيارته في بيته في منطقة الهبنة في الكاظمية لأمر مهم، زرته ووجدت عنده مجموعة من الرجال ممن لم ألتق بهم سابقا، وعرض عليّ قضية تتعلق بعائلة العقيد الركن ناريمان بكر سامي آمر اللواء 96 الذي كنا نتجحفل معه يوم اسرنا في نفس اليوم، وكان العقيد معنا في معسكر قمصر كاشان بين 1991 وحتى 2002، عندما عدت أنا وبقيَ هو في الأسر، كانت عائلته متهمة بمحاولة الهرب إلى إيران، بحجة نيتها الالتحاق بالعقيد ناريمان في طهران، بذريعة أن موقفه في الأسر كان ضعيفا، بل اتُهمَ بأنه متعاون مع الجانب الإيراني، وهي تهمة ساقطة أصلا وباطلة وظالمة ولا قيمة لها، في تاريخ العقيد ناريمان، فأبو زينب (وهذه كنيته) كان مثالا للتصدي في مواجهة الضغوط الإيرانية على الأسرى عموما وعلى العسكريين الأكراد بشكل خاص، في محاولة من الجانب الإيراني استغلال هذا الانتماء، للتأثير على موقفهم الوطني، ويطرح عليهم ضباطُ الاستخبارات الإيرانية، أن صدام حسين اضطهد أكراد العراق على نحو غير مسبوق، كان يَرد عليهم بكلمات قليلة، ويقول لهم أنا ضابط كبير في الجيش العراقي وشغلت مواقع حساسة، وهناك غيري مئات الضباط الأكراد في الجيش العراقي، ولو كنا مضطهدين ما أصبحت آمر لواء في الجيش العراقي، ثم إنكم متى ما عدلتم معاملتكم مع أكراد إيران، ومنحتموهم ولو جزءً يسيرا مما حصلوا عليه في العراق، فسيكون حديثكم عن أكراد المنطقة مقبولا، وأخيرا أنا أسير عراقي ومتى اختلفت مع قيادة العراق فسوف أختلف معها داخل العراق، وليس في معسكرات الأسرى المخفية في إيران.
هذه التهمة الكيدية، تؤشر ضعف المعلومات التي كانت بحوزة الاستخبارات العسكرية العراقية عن الأسرى العراقيين.
لقد كان الأسرى العراقيون الأكراد مثالا للشجاعة والرجولة، في مواجهة الآسرين الإيرانيين، فعلى سبيل المثال كان العقيد الركن سردار بهاء الدين آمر اللواء الأول، في الخط الأول من الثبات على روح المواطنة الصالحة، على الرغم من كل ما لاقاه من ضغوط وتعذيب، ولم يهادن طيلة العشرين سنة التي أمضاها في الأسر، وكان هو وبقية الأسرى في المعسكرات المعاقبة يتدفقون وطنية بحب العراق والتفاني من أجله، كنت قد نُقلت من معسكر سنك بست إلى معسكر مازدوان بعد نهاية الحرب عام 1988، وبعد مدة وجيزة نُقلت أنا وعشرات من رفاقي، إلى قلعة جديدة اسمها “قُمصر كاشان”، والتقيت فيها بالعقيدين ناريمان بكر سامي وسردار بهاء الدين وعشرات الضباط الكبار، وعشت مع هذه الكوكبة أيام عصيبة، وطالما دخلنا في حوارات سياسية وعسكرية وتعلمت هناك الكثير.
5 .
وبعد عودتي زارني الصديق عدنان رشيد الجبوري (أبو أحمد) رحمه الله، والذي عملنا معا في أكثر من دائرة إعلامية، وفي إحدى المرات أبلغني بأن هناك مكافأة مالية تدفع شهريا للكتاب والصحفيين والفنانين، وترتبط بالسيد لطيف الدليمي عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهي على ثلاث درجات ألف وباء وجيم، وأن قرارا قد اتخذ بإضافتي إلى القائمة ومن الصنف ألف ومبلغها هو 150 ألف دينار، ولكنني لم استلم المبلغ إلا مرة واحدة إذ وقع العدوان الأمريكي على العراق ثم تم حل ديوان رئاسة الجمهورية ووزارة الثقافة والإعلام، وبقية الكيانات التي حلها الحاكم الأمريكي بول بريمر في الأيام الأولى للاحتلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 2/2

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم الحرية …