أخبار عاجلة

الوحي وابستمولوجيا المنطق الاحتجاجي اليوناني وانعكاسها على الصراع العالمي

د. محمد القطاونة

أستاذ العقيدة والفلسفة
عرض مقالات الكاتب

في خضم الجدل العالمي في شتى المجالات الديني والفلسفي والاجتماعي والاقتصادي، تولدت أهمية مناهج الجدل والأسس التي تقوم عليها، وذلك للوصول للحقائق اليقينية في شتى المجالات، وتقليل الهوة بين المختصمين، وما الصراع العالمي اليوم في شتى المجالات إلا بسبب اتخاذ الأيدولوجيات والأفكار والسياسات وتمركزها حول مناهج لا تراعي الأبعاد الكلية للعقل الإنساني، من هنا جاءت الحاجة للرجوع لمنهج الوحي وقواعده وأسسه في الجدل لما يملك من مؤهلات شمولية على مستوى المنهج والمادة العلمية لحل الإشكاليات العالقة والملحة، كذلك لا يمكن اغفال محاولات المناهج الفلسفية العالمية في المحاولة لوضوع قواعد للجدل الإنساني، والوصول الى عمق الحقائق ويقينيتها، فراحت السفسطائية مثلا ومن خلال البيئة التي نشأت بها الى ممارسة الجدل الاجتماعي والقضائي والسياسي وحتى الديني احياننا، لإظهار القدرة على محاجة الخصم ودحض أدلته، وكذلك فعلت الديالكتيك في تفسير الجدل في الواقع وانعكاسه على الأفكار فبنت منهجاً قائما على ديمومة الصراع الجدلي للوصول الى الحقيقة اليقينية، ويا ليتها فعلت فأصبحت الحقيقة بعد ذلك شكاً، وهذا ما نلمسه بعد ذلك من انتشار المناهج الحداثية الشكية المعاصرة بثوب جديد متستر باسم التفكيك والهرمنطيقيا، وغيرها من المناهج التي راحت بدعوى المعاصرة بزرع الشك المطلق في النص المقروء مطلقا، حتى أصبح عالم الثقافة والعلم ساحة شكية من ساحات البلاط اليوناني القديم، وضاعت الحقيقة اليقينية بدعوى البحث عنها. وكذلك ما ذهبت اليه الديالكتيك في زرع الصراع المطلق في الفكر والواقع حتى بات الصراع الديالكتيك ينعكس على الواقع السياسي في اضرام الحروب اللامتناهية في الفكر والواقع. لذلك تأتي الحاجة للجدل والاحتجاج الصادر عن الوحي، لإنقاذ البشرية من الصراعات الفكرية والسياسية والدينية على أرضية يقينيه يقودها ويؤسس لها الوحي الإلهي. ان الحديث حول الجدل في التراث اليوناني لا تكتمل صورته بدون الحديث حول الجدل السفسطائي فهو بمثابة الأساس الذي قام عليه البناء الجدلي في اليونان، فبعد ان استقرت أثينا وتعاظم شأنها بعد انتصارها على الفرس نبغ العلماء والشعراء والفنانون والمؤرخون والأطباء والصّناع وقوية الديمقراطية، وتعاظم التنافس والتنازع بين الافراد امام المحاكم والمجالس، وشاع الجدل القضائي والسياسي فنشأت من هاتين الناحيتين الحاجة الى تعلم الجدل ووسائله فنشأت السفسطائية[1].

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي الأسس الفلسفية والغايات التي قام عليها الجدل السفسطائي؟ نستطيع القول بأن ابرز ملامح هذا الجدل قيامه علي مبدأ الشك[2] والاسطورة، فشكك الجدل السفسطائي في حقائق الأشياء والقيم وامتد عبثه الي المبادئ الخلقية والاجتماعية، ومن أبرز الآراء التي اعتمدوا عليها في مذهبهم مقولة “بروتاغوراس” في كتابه ( عن الحقيقة) : أن الإنسان مقياس كل شيء، فهو مقياس وجود الموجود منها ومقياس لا وجود غير الموجد منها ” وقد شرحها افلاطون في محاوراته ان مؤداها ان الأشياء هي بالنسبة لي هي ما تبدو لي، وهي بالنسبة إليك هي ما تبدوا اليك وانت انسان وانا انسان، فالمقصود بالإنسان هنا الفرد من حيث هو كذلك ، لا الحقيقة الموضوعية، ولما كان الأفراد يختلفون سنا وتكوينا وشعورا وكانت الأشياء تختلف وتتغير، كانت الإحساسات متعددة بالضرورة ومتعارضة، اليس هواءً بعينه يرتعش منه الواحد ولا يرتعش منه الآخر، ويكون خفيفا على الواحد عنيفاً على الآخر، إذاً فلا يوجد هو واحد في ذاته وبذاته، ولا يوجد شيء يمكن ان يسمى او ان يوصف بالضبط لأن كل شيء في تحول مستمر”[3] فهذا هو البعد الفلسفي الذي ينطلق منه الجدل عند السفسطائيين والعقل اليوناني في تلك المرحلة. اما على مستوى الشكل، فالجدل عند السفسطائيين يقوم علي أساس التلاعب اللغوي بمدلول الألفاظ، ولم يكن غاية السفسطائيين البحث عن الحقيقة لذاتها وانما كانوا يتوسلون النجاح والمنفعة في حياتهم العملية، فاستعملوا الخطابة كوسيلة للإقناع والتأثير على السامعين على اعتبار ان الخطابة تعتمد على زخرفة القول والألفاظ البراقة اكثر من اعتمادها على العقل وحججه المنطقية [4] .

 ويصف افلاطون منهج السفسطائية القائم على الزخرفة والاستعراض البلاغي والبياني وانه غاية عند السفسطائيين ويضيف استخدامهم للأسطورة لجذب التلاميذ يقول ” ونلاحظ وجود تنافس بين السفسطائيين الثلاثة على جذب الأنظار إليهم، يعني تلاميذ جدداً وحظاً أوفر من الأجر، وهم من أجل هذا يستخدمون كل ألوان الدعاية الممكنة، ويشبهون بالفعل”  وهكذا يصورهم افلاطون “أنهم كالتجار الذين يعرفون كيف يعرضون سلعهم في الأسواق، ويبرزون عضلاتهم ليجتمع من حولهم المشاهدون، وعضلات السفسطائيين من كلمات، واذرعتهم من الألسن وساحاتهم هي ساحات النقاش، وأسلحتهم البرهنة والخطبة والأسطورة كذلك”[5]. وذهبت المدرسة السفسطائية بمفهوم الجدل أكبر من ذلك لمناقشة المغالطات السفسطائية، كأغلوطة ” الكذب” التي تنسب إلى” أربليس” ومفادها ان الانسان إذا كذب وقالاني كاذب فهو صادق ام كاذب، وإذا كان الجواب إنه صادق فكيف كذب إذا؟ واذا كان الجواب إنه كاذب فماذا عن اعترافه بالكذب، وكيف يمكن ان يكون بالتالي صادقا وكاذباً في آنٍ معا، وغيرها من الأغاليط السفسطائية التي انتشرت في المنهج الجدلي[6]. إذن فنحن على مستوى جدل لغاية الجدل ذاته، فالبعد الفلسفي للجدل عند السفسطائيين هو عدم وجود الحقيقة الواحدة وان الحقيقة نسبية وتختلف بين شخص وآخر، ولعلنا نتساءل هنا ما الفائدة للجدل بهذا المعنى السفسطائي الذي مارسته المدرسة اليونانية.

الجدل القرآني في ضوء الجدل السفسطائي: التصور الغربي بملامحه السابقة يجعلنا نسلط الضوء ومن خلال نفس المنطلقات المرتبطه بالديالكتيك والسفسطائية للنظر في مفهوم الجدل القرآني في ضوء الواقع والفكر وانعكاس كل منهما على الآخر في الفهم القرآني. فعلى الصعيد النظري كانت الغاية من الجدل القرآني الوصول للحقيقة اليقينية الثابتة، وأولى هذه الحقائق اثبات وجود الله سبحانه وتعالى وصولاً لأثبات التوحيد، لذلك مارس الجدل القرآني البراهين والأدلة وطرق الاستدلال الصحيح التي ساقها للمخالفين في الرأي، فالبعد النظري للجدل القرآني هو اثبات الحقائق اليقينية لا تداول الجدل للوصول الى جدل آخر للوصول الى الكمال كما ترى الديالكتيك، أو لغايات الاستعراض اللغوي والأساليب في اثبات الاحتجاج فقط كما ترى السفسطائية، لذلك استخدم القرآن الكريم من خلال الجدل سياق الأدلة والبراهين لأنها لا تقبل الظن قال تعالى: (….قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة :111

وقال تعالى (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) النجم :28

فالقران الكريم بمنهجه العلمي استخدم الجدل للوصول للحقائق من خلال البرهان والدليل الحسي والعقلي ولا يقبل الجدل القائم على الدور والتسلسل اللامتناهي نظريا وواقعياً، فالغاية في الجدل القرآني هي الوصول لليقين، لذلك سلك القرآن كل ما يتصوره العقل من الطرق والبراهين والوسائل والبيانات لإثبات الحق[7].

كذلك فالجدل القرآني انما هو لإقامة الحجة عند ظهور المعارضة والشبهة لكي يلزم المجادل ويُفهم المعاند، فهو منهج عَارض يُستخدم حين الحاجة وليس دائم ومستمر كما تراه الديالكتيك. كذلك ارتبط الجدل القرآني بالدليل المستلزم سلامة الفطرة خلافاً للسفسطائية والديالكتيك التي اهملت هذا الجانب تماما: فإن هذا الارتباط ليس بالطريقة السببية الفلسفية التي يُبني على العلية أو الضرورة العقلية، فضلا عن كون المعرفة نفسها ليس طريق تحصيلها الدليل العقلي وحده، وهذا لا يعني إبطال عمل العقل، وإنما يعني ضرورة دخول الفطرة السليمة وتوجه الإنسان نحو طلب الحق مع صدق النية، حتى يجد المعرفة في نفسه بالأدلة والبراهين، هذا بالإضافة إلى الاستعداد للتوجه إلى الخير واستيعاب منطق الفطرة، واستبصار أجهزة الاستقبال الفطرية بالطاعات والبعد عن المعاصي، والدعاء لله تعالى أن يخلق العلم في النفس بعد النظر والتأمل، فقد ينصب الدليل ولا تحصل المعرفة، قال تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) الأنعام:109.

أما على صعيد المقارنة مع السفسطائية، فإن الجدل القرآني قائم على العقل ومنطق الحجة والبلاغة والبيان في آن واحد وهو استدلال يقوم على مقدمات وعرض ونتائج، بل أن القرآن تجاوز حتى منهج المنطق الأرسطي اللاحق للسفسطائيين القائم على الدليل العقلي في منهجيته الجدلية، فلم تكن طرق تحصيل اليقين في القرآن محصورة في الاشكال المنطقية اليونانية التي عرضها ارسطو فقط، فالمنطق الارسطي يزن الاستدلال ولا ينُشئ الدليل فهو يقيس مادة الدليل ومنهجية قياس الدليل فقط.  وفي الحقيقة ان اليقين في مادة الدليل لا في شكلها. وبذلك يكون القرآن الكريم قد خالف السفسطائيين في هذا المنهج، وتفوق على المنطق الارسطي كذلك في تعدد صور الاستدلال، وكذلك في انشاء المادة العلمية التي تتناسب مع الدليل[8].


[1] كرم، يوسف، دط، دت، تاريخ الفلسفة اليونانية، بيروت، دار القلم، ص: 33.

[2] الشك هو التردد بين نقيضين لا يرجح العقل أحدهما على الآخر، وذلك لوجود أمارات متساوية في الحكمين، أو لعدم وجود أية أمارة فيهما، ويرجع تردد العقل بين الحكمين إلى عجزه عن معاناة التحليل أو إلى قناعته بالجهل. ولكن الشك الذي نعنيه هنا مختلف فهو الشك في حقائق الأشياء مطلقاً ويسميه ديكارت الشك المفرط أي الشك المنهجي الشامل الذي يمتد الى كل شيء.   أنظر: صليبا، جميل، )1982م (، المعجم الفلسفي، الجزء الأول، لبنان، دار الكتب اللبنانية، ص: 705،

[3] انظر: أفلاطون،) 2000م (، محاورة ثياتيتوس لأفلاطون أو عن العلم، ترجمة أمير حلمي، القاهرة، دار غريب للنشر، ص: 39،

[4] انظر: مهدي، فضل الله، مدخل الى علم المنطق (علم المنطق التقليدي)، الطبعة الثالثة، بيروت، دار الطليعة، ص: 15.

[5] أفلاطون،) 2001م)، في السفسطائيين والتربية (محاورة بروتاجوراس)، ترجمة عزت قرني، القاهرة، دار قباء للنشر، ص: 24.

[6] انظر: المصدر السابق، ص: 35، للاستزادة انظر كذلك: لعساكر، يوسف،) 2000م(،  الجدل في القرآن خصائصه ودلالاته “جدال بعض الأنبياء” نموذجا دراسة لغوية دلالية، رسالة ماجستير وزارة التعKليم العلالي والبحث العلمي جامعة الجزائر،ص: 73.

[7]  الألمعي، (دت، دط) مناهج الجدل في القرآن الكريم، الرياض، مطابع الفرزدق، ص: 2.

[8] انظر: لعساكر، يوسف، الجدل في القرآن خصائصه ودلالاته “جدال بعض الأنبياء” نموذجا دراسة لغوية دلالية، ص: 73.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بعد خسارتهم وتهديدهم.. النظام يوافق على تصدير الثوم؟

فريق التحرير | هدد مزارعو “الثوم والبصل” بالتوقف عن العمل، متهمين حكومة اﻷسد، ووزارة الزراعة، …