ثقافة وأدب

الشعر بين الوثيقة التاريخية والوسيلة الدعائية،ابن القيسراني يخلد انتصار عماد الدين في بارين..

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

قال عنه الذهبي في سيره: «سيد الشعراء ، أبو عبد الله ، محمد بن نصر بن صغير بن خالد القيسراني ولد بعكا ، ونشأ بقيسارية ، وسكن دمشق ، وامتدح الملوك ، وقرأ الأدب ، وأتقن علم الهيئة والهندسة». قال عنه السمعاني: «هو أشعر من رأيته بالشام ، ولد سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمئة ، وتوفي سنة ثمان وأربعين ، وخمسمئة»(الذهبي، سير أعلام النبلاء (20/226).

 ويعتبر القيسراني من أشهر شعراء العهد الزنكي ، وقد خلَّد انتصارات عماد الدين في بلاد الشام ، وشهد بأم عينيه البطولة الإسلامية وهي تحقق الانتصارات الرائعة على الصليبيين. وقد قال هذا الشاعر قصيدة مدح فيها عماد الدين زنكي وخلد انتصاره على الفرنجة في معركة بارين أمنع حصونهم سنة 534 ه)الركابي، الأدب العربي من الانحدار إلى الازدهار،ص25):

حــــذارِ منَّـــــا وأن!ى ينفـع الحَـذَرُ   –  وهــي الصـوارم لا تبقـــي ولا تَــــذَرُ

وأين ينجـو ملـوك الشّــِرك مـن مَلـكٍ – مَـــــنْ خيلُــهُ النصـــر لا بـل جُنـــْدُهُ القَــدَرُ

سلُّــوا سيوفاً كأغمـاد السُّيـوفِ بهــا  – صالـوا فمـا غَمَــدُوا نَصْـلاً ولا شهروا

حتى إذا ما عمـاد الدين أرهَقَهـُـم –   في مـأزق مِـنْ سَاه يَبــْرُقُ البَصَـرُ

وَلَـوْا تضيــقُ بهـم ذَرْعـاً مسالكهـم  -والمـــــــوتُ لا ملجـأٌ منـه ولا وَزَرُ

وفي المســافـة من دون النَّجــــاة بهـم   -طُـولٌ وإن كــان في أقطارهــا قِصـرُ

وأصبـح الدِّين لا عيناً ولاأثـراً  -يخــاف والكُفــرُ لا عيـن ولا أثـرُ

فلا تخــف بعدهـا الإفرنج قاطبـة – فالقـوم إن نفروا أَلْـوى بهم نَفَـرُ

إن قاتلـوا قُتلوا أو حاربوا حُرِبـوا-  أو طاردوا طـرِدوا أو حاصــروا حُصِـروا

وطالمـا استفحل الخطـبُ البهيــمُ بهـم – حتـى أتى مَلِـكٌ اراؤه غُــرَرُ

والسيف مُفْترِعٌ أبكـارَ أنفسهــم   -ومـن هنالـــك قيــل الصـارم الذَّكــرُ

لا فارَقَـتْ ظِــلَّ محيي العــدْل لامعة -كالصُّبــْح تطوي مـن الأعـداء ما نَشَـروا

ولا انثـنـى النَّصـرُ عـن أنصـار دَوْلته – بحيث كان وإن كـانــوا به نُصِـروا

حتى تعــود ثُغـورُ الشـام ضاحكة – كأنّـما حَــلَّ فــــي أكنافهـا عمـر

(أبو شامة،كتاب الروضتين في أخبار الدولتين (1/132).

 ويعتبر عماد الدين زنكي أول من مدحه ابن القيسراني من الزنكيين. وكان جمال الدين الأصفهاني وزير عماد الدين السبيل الذي أوصله إليه ، فنظم في جمال الدين القصائد ومدحه بمدائح كانت ـ كما يقول العماد ـ أجود ما سمع من منظومة في الأفاضل(موسى، الأدب العربي في بلاد الشام في عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك ص 177.). ومما قاله في مدح جمال الدين الأصفهاني:

وإذا الوفـود إلى الملوك تبادرت  -فعلى جمال الديــن وفـد محامدي

يـا حبــذا هم إليـــك أصـارني  – وعزيمـة تقفــو رياضة قائد

أنـا روضـةٌ تُزهـى بكل غريبة-  أفرائدي مـن لـم يَـفُـزْ بفرائـدي

إن ساقني طلبُ الغـنى أو شاقني – حــبُّ العـُلا فلقد وَردتُ مـواردي

ومتى عــَدَّدْت إلى نـداك وسائلي  -أعْــدَدْتُ قصــدي مــن أجــلِّ مقاصـدي

حتى أعـود مـن امتداحـك حالياً -وكأننـي قُلـتُ بعــض قلائـدي

 ومما قال فيه أيضاً:

ومـروَّع سَكَنَتْ خوافقُ أمنه  – لـولا جمــال الدين عزَّ أماـه

أمحمـد بـن عليٍّ اعتنـق الأسى  – فكـري فضـــاق بفـارس مَيدانُهُ

ما بال حادي المجد مغبر المدى – وأخـو الهُوَينى روضــةٌ أعطانُـهُ

وأنا الذي لا عيـب فيـه لقـائل -ما لم يقـلْ هذا الزمان زمانه

فهل المحامد ضامناتٌ عنـكَ لي -معنـىً على هذا البيـانِ بيانُه؟

وهـي القوافي ما تناظر بالندى –  إلا وقـام بفضلهـا برهانـهُ

ما كان بيـتُ فضيلـةٍ في فـارس- إلا ومن عربيتي سلمانُهُ

وقد أورد الذين ترجموا لابن القيسراني طائفة مختارة من شعره ولا سيما العماد الكاتب في خريدته ، وياقوت في إرشاده، وقد درس مجموعة من الناقدين شعره ، ومن أشهرهم من المعاصرين الدكتور عمر موسى باشا ، وقد أشار إلى أن شعره تميز باتجاهات عامة ثلاثة: تصور الأحداث الكبرى في بلاد الشام ، والاتجاه التقليدي في المدح ، والتجديد في معاني الغزل والنسيب ، ونحن ندعو شعراء اليوم للقيام بواجبهم في بث روح الجدِّ ، والعمل ، والجهاد في الأمة من خلال ملكة الشعر التي وهبها الله لهم. (موسى، الأدب العربي في بلاد الشام في عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك ص 178.).

صور الشاعر الأحداث الكبرى في عصره خير تصوير ، ووصف من خلال المدح الأبطال المسلمين وحروبهم ورسمها بدقة ، فكانت لنا صورة حقيقية عن الملاحم المشتجرة بين المسلمين والفرنجة. ونستطيع القول: إن المدح التقليدي المعروف خرج عن طوقه الاسر ، وتطرق إلى وصف هذه الأحداث خلال فترة مديدة من الزمن ، ولم يبق الشاعر كما كان كثيرٌ من سابقيه أسير المعاني التقليدية المعروفة: جودٌ ، وبأسٌ ، وحلمٌ ، بل وجد نفسه أمام صراع مرير تسترخص فيه المهج ، ويبذل له الأرواح في سبيل العقيدة ، وصون الأوطان ، وحماية الأعراض ، وطرد المغتصب ، فقد أدى الشاعر مهمته خير أداء ، فصور هذه الأحداث الجسام ونظمها في شعره ، وخلدها على توالي الأيام وتعاقب الدهور، شأنه في ذلك كأي مؤرخ ، وقد تفاعل مع الأحداث ، ومما قاله في عماد الدين زنكي وجهاده:

فقــل لملوك الكفـر تُسلـم بعدها -ممالكهـا إنَّ البلاد بلاده

كـذا عـــن طريـق الصُّبــح فلينتـه الدجــى – فيــا طالمــا غــال الظـلام امتـداده

وللـه عزمٌ مـاءُ سيحـان وردهُ -وروضـة قسطنطينـة مسترداه

(أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين (1/37 ، 38).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى