أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / انتخابات العراق المبكرة القشة التي قصمت ظهر إيران 5

انتخابات العراق المبكرة القشة التي قصمت ظهر إيران 5

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

الجزء الخامس

  • قراءة في المشهد السياسي العراقي قبل الانتخابات، وبعدها.
  • والتحالفات الممكنة.
  • والسيناريوهات المتوقعة.
  • وإلى أين ستؤول الأحداث.
  • ومن سيتولى رئاسة الوزراء..

      في الانتخابات التي جرت في العام 2010م فاز علاوي بـ 91 مقعدا، والمالكي بـ 89 مقعدا، وكان من الطبيعي أن يكلف علاوي بتشكيل  الحكومة بحسب الأعراف الديمقراطية المتبعة في العالم كله، ومنها العراق نفسه، والاقتداء بمن سبق عالميا، وعراقيا أيضا، ولكن الذي حصل غير ذلك، وعكس ذلك تماما.

     الذي حصل أن غرفة العمليات المشتركة للمخابرات العالمية والعربية التي كان مقرها بيروت أيام السبعينات والثمانينات، وأشرفت على كل ما حصل من أحداث في لبنان والعالم العربي، لاسيما الحرب الأهلية اللبنانية، وجر الفلسطينيين إليها، ومن بعدها ولادة حركة أمل وحزب الله، ودخول الجيش السوري؛ (قوات الردع) وإخراج الفلسطينيين من لبنان، إلى قتل الحريري، ثم انتقلت إلى عمان الأردن، ولها مقر آخر في عمان السلطنة، بزعامة الموساد الإسرائيلي ممثلا عن المخابرات العالمية، والموساد العربي ممثلا بالمخابرات السعودية التي انتقلت إليها الزعامة بعد أن كانت بيد المخابرات المصرية.

      لكن براعة المخابرات السعودية، ونشاطها الكبير بعد صناعة القاعدة على يد أسامة بن لادن نقل الزعامة إليها، وأعطاها الملك فهد؛ الذي كان مديرا للمخابرات السعودية قبل ولاية العهد، ثم ملكا، أعطاها قيمة ومكانة كبيرة ومن بعده الأمير بندر بن سلطان؛ لاسيما بعد أن نجحا في نصب وإحكام فخ الكويت لصدام حسين الذي أخرج إيران من التاريخ بحرب الثماني سنوات؛ التي ورطاهما فيها أيضا، وبدأ بعد انتصاره فيها وهزيمة إيران؛ بدأ عراق صدام حسين القومي البعثي العربي السني، بدأ يخطط لتحرير فلسطين من اليهود الصهاينة المحتلين، وتحرير سورية من الصهاينة النصيريين، فاصطاده السعوديون بذكاء ودهاء وخبث من الملك فهد كبير، ومن بعده بندر، فحق للمخابرات السعودية أن تتزعم الموساد العربي بامتياز.

    كان معها مخابرات أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، ويستعينون بمخابرات الدول الأخرى بحسب الحاجة..  كانت غرفة العمليات هذه قد أعدت خطة محكمة لإجهاض الربيع العربي؛ الذي بدأ ينتشر في الوطن العربي كالنار في الهشيم، والعمل على المحافظة على نظام بشار الأسد الذي قامت ضده في سورية ثورة عارمة؛ ليست كباقي الثورات، وبات عرشه مهددا يتهاوى، وسقوطه متوقعا بين عشية وضحاها، كما هوى وسقط عدد من الحكام العرب سريعا قبله.

      لكن الوضع في سورية شيء، وباقي البلدان العربية شيء آخر، فسقوط بشار، ووصول الثوار في سورية إلى سدة الحكم؛ سيغير وجه المنطقة، وسيكون وبالا على العراق وباقي أنظمة الوطن العربي المتهالكة، لاسيما النظام الأردني الهش، ومن بعده النظام السعودي، وأنظمة الخليج المهترئة الساقطة أصلا.

      وكانت الخطة تقضي بإشعال فتيل الحرب الطائفية في العراق وسورية، بزعامة القاعدة اللادنية الوهابية السعودية من جهة، والقاعدة الرافضية الإيرانية السليمانية من جهة أخرى، وهي العلاج الوحيد الناجع الناجح لتمزيق المنطقة، والقضاء على الكتلة العربية السنية الصلبة في العراق وسورية،  وتفتيتها، وإنهاء الربيع العربي، وإخماد الثورة في سورية، وإنقاذ بشار والكيان الصهيوني وأنظمة الاستبداد العربية التي أرعبها ما حصل ويحصل في سورية، وأرض العرب كلها من ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر، ومن ثم تمكين الشيعة المتطرفين الروافض ذيول إيران في العراق وسورية، وإنشاء الكيان الكردي في شمال سورية؛ على غرار ما هو حاصل في شمال العراق..

     لكن فوز علاوي ذي التوجه الوطني بجذور قومية بعثية، وعودته إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق، وتسنمه مقاليدها مرة أخرى، أربك المشهد، وأنه إن استلم سيفسد مخططهم، ويحول دون تنفيذه، ولن يوافق عليه، وسيرفضه ويقف بوجهه.. وبذلك يكون سقوط بشار حتميا، وستكر المسبحة من بعده، وتحل الكارثة على الجميع، بما في ذلك العراق نفسه، وقد يعود صدام آخر بثوب عروبي إسلامي، وتحل الكارثة..

     لابد من إبعاد علاوي، وتكليف المالكي، وإيجاد المخرج القانوني والدستوري الذي يؤمن ذلك ويحققه.

     هنا جاء دور المحكمة الدستورية الاتحادية العليا، وبدأ دور جهابذة القانون، طارق حرب وأمثاله، ومن ثم فرصة الكتل البرلمانية الأخرى لابتزاز المرشح، وتحقيق مكاسب المحاصصة والنفعية والصفقات المشبوهة.

     تقاطرت الوفود، إلى شمال العراق، إلى مسعود وجلال، وإلى الأنبار حيث المطلق والعيساوي والكربولي، وإلى صلاح الدين حيث الجبوري وغيره، أي إلى الأكراد والعرب السنة؛ الكتلتين المهمتين الرئيستين مع الكتلة الشيعية، بحكم المحاصصة والتركيبة الطائفية والعرقية التي بنيت عليها العملية السياسية أصلا، في هذا البلد العربي السني بعد احتلاله، وتمكين القوى المتضررة من بقائه عربيا سنيا موحدا، ومصلحتها في تمزيقه وتقسيمه وتفتيته انسجاما مع هوى القوى المعادية، وغرفة العمليات المشتركة التي تحدثنا عنها سابقا..

     هاتان الكتلتان (السنية، والكردية) بيدهما مفاتيح الحل، والمخرج القانوني والدستوري الجديد الذي قضت به المحكمة الاتحادية الدستورية العليا، استجابة للضغوط التي مورست عليها من قبل المالكي وجماعة إيران، وانسجاما مع الرغبة التي ذكرنا للأطراف التي هيأت لدخول القاعدة التي تحولت لاحقا إلى داعش والنصرة؛ حيث ذهبت داعش وذابت وانتهت بعد انتهاء مهمتها في تدمير الكتلة الصلبة من العرب السنة في العراق وسورية، وبقيت النصرة لتكمل مهمتها في إدلب والشمال الغربي المحرر السوري..  

     كانت النتيجة أن وصل المالكي إلى السلطة، ونفذ مخطط الحرب الطائفية بامتياز، وقام بتدمير المناطق السنية في العراق، ووقف إلى جانب بشار بكل قوة، وسخر كل إمكانات العراق لمساعدة بشار في تدمير سورية، وقد نجحا في ذلك، بغطاء إيراني روسي، وبتوجيه من غرفة العمليات المخابراتية التي أشرنا إليها..

    كان بإمكان الكتلة الكردية ومعها السنية أن تبعد المالكي، وتنصر علاوي، وتنقذ العراق ومن بعده سورية من كل ما حصل، وتبعد شبح الحرب الطائفية،  والتدمير الذي حصل للبلدين، وتنقذ الأمة والعالم من كل التداعيات التي حصلت، والأحداث الدامية التي جرت، وتنقذ آلاف وربما ملايين البشر من الهلاك، وسورية والعراق من الخراب، ولكنهما استجابا للوعود الكاذبة، وللضغوط الدولية التي لا تستطيع الأقليات رفضها والوقوف بوجهها؛ لأن تركيبة دويلات وحكم الأقليات التي صنعتها الدول الكبرى، تقتضي وتفرض على هذه الأقليات الاستجابة لأوامر ولاة أمرها، وتنفيذها بالحرف؛ لأن هذه الدول التي صنعتها وتكفلت برعايتها وحمايتها قادرة على إنهائها بمجرد رفع الغطاء عنها، وسحب يدها منها، وإيقاف دعمها، لاسيما بعد أن أصبحت بحاجة إلى تواجد عسكري على أراضيها، وقواعد عسكرية دائمة للدفاع عنها كما هو حاصل في شمال العراق، وشمال سورية وإسرائيل نفسها ومحميات الخليج كلها بما فيها السعودية أيضا.

      طلب الأكراد من المالكي كركوك، فوعدهم بالموصل زيادة عليها، وكل ما يريدون من أرض العراق، وما يطلبون من امتيازات ومكاسب مادية، فأعطوه موافقتهم، وطلب السنة الإقليم السني، فوافقهم، ووعدهم إضافة إلى كل طلباتهم الأخرى.

     بعد أن تمكن المالكي مما أراد ووصل إلى السلطة، وحكم ولايتين متتابعتين، نكل بالسنة في العراق، ووضع العلواني في السجن، وهرب العيساوي والهاشمي خارج العراق، وسحق المدن السنية بأهلها، وأنهى الكيان السني.. ثم غدر هو ومن تبعه بالأكراد، واستعادوا  منهم كركوك وما حول الموصل، وما كان يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وأفسدوا انتخابات تقرير المصير، وكاد الحشد أن يدخل أربيل، وينهي الوجود الكردي – كما فعل في السنة – لولا التدخل الأمريكي القوي، وذهبت أحلام الأكراد بولادة دولة كردية ذات سيادة أدراج الرياح، وبقوا كما السنة تحت رحمة وسيف وتسلط ذيول إيران في بغداد المركز..  

     اليوم يعود المالكي إلى الواجهة من جديد كمنقذ لذيول إيران من الحساب والعذاب الشديد الذي ينتظرهم على يد شيعة العراق العرب الذين ثاروا عليهم، والذي يشكل الصدر اليوم واجهتهم ورأس الحربة في الصراع معه؛ بحكم العداء المحكم بينه وبين المالكي والحكيم والعامري..

     هل يتعظ الأكراد والسنة، ويستفيدوا من الدروس السابقة التي تعلموها، ويتخذوا الموقف الوطني الحر الشريف مع القوى الوطنية الأخرى، بعيدا عن الضغوط والوعود والمكاسب والمساومات، ويقفون الموقف الشجاع مع الصدر؟..

     أم يكررون الخطأ التاريخي نفسه، ويقعون بنفس الفخ الذي نصبه لهم المالكي يوما، وأسقطهم فيه، وضاعوا وضيعوا، ويعيدون الكرة ويقفون مع المالكي؟..

    أم يقفون على الحياد ريثما يتبين الخيط الأسود من الخيط الأحمر، ويصفي الشيعة حساباتهم بينهم، ثم يقول السنة والأكراد كلمتهم؟..

    هذا ما ستنبئنا به الأيام القادمة، وهذا هو الصراع المتجدد في كل انتخابات عراقية برلمانية، وهذا هو الثمن الباهض الذي يدفعه العراق جراء عملية سياسية فاشلة، ومحاصصة طائفية وعرقية مقيتة، فرضها عليهم المحتل، والقوى الإقليمية الحاقدة التي تعبث بالعراق وبشعبه ومصيره على هواها، وترفض للعراق العربي المسلم أن يتعافى مما ابتلوه فيه من طبقة سياسية فاسدة مفسدة لا خلاص له ولأمة العرب كلها منها إلا بمعجزة ربانية، ولسنا في عصر المعجزات.. يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ألم يأن وقت اختيار القائد؟

د. موفق السباعي كاتب ومحلل سياسي منصب المفتي! لم يكن في يوم من …