أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الاستراتيجي والتكتيكي في الموقف الأمريكي من الثورة السورية!

الاستراتيجي والتكتيكي في الموقف الأمريكي من الثورة السورية!

د. ياسين الحمد

أكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب


مقدمة :

علينا أن نعي ونعلم أن الدول العظمى وخاصة  الولايات المتحدة الامريكية  لا تتخذ مواقفها انطلاقا من عواطف أو نزوات أو شهوات أو ردود فعل كيدية أو مبادىء أخلاقية وقيم إنسانية وإنما هي محكومة بقواعد سياسية مبنية على عوامل استراتيجية مهمة وأخرى تكتيكية  في خزائن سياستها مرتبطة بشبكة من المصالح وخارطة من التحالفات وعندما ننجح في تحقيق  إضافة إلى العوامل الاستراتيجية أو التكتيكية داعمة لقضايانا إلى خزائن السياسة عندهم فإننا نحصل على مكتسبات حقيقية أكبر وايضا إذا تمكنا من حذف عوامل ضارة فإننا نزيل من طريقنا عوائق وعقبات يمكن أن تضرنا .
وهنا  ما يزال يطرح علينا  تساؤلات حتى اليوم عن حقيقة الموقف الأميركي من الثورة السورية ، هل هو موقف اللامبالاة، أم يعبر عن عجز أم تواطؤ، أم خليط من كل ذلك أو بعضه، أم تدير ازمات المنطقة  وفق مصالحها الاستراتيجية ، أم سواه؟
للإجابة على مجمل هذه التساؤلات 
وبالطبع من المهم جدًا فهم ماهية وطبيعة الموقف والدور الأميركيين، فالأمر هنا يتعلق بالقوة السياسية والاقتصادية والعلمية والصناعية والإستراتيجية الأولى في العالم، وليس بقوة ثانوية أو هامشية التأثير.
فما هي علاقة أميركا بكل ما يحدث في سورية وحقيقة موقفها ، وأين هو موقعها بين المؤامرة والهزيمة والخديعة والنأي بالنفس، وإمساك خيوط اللعبة أو الابتعاد عنها ؟
المحور الأول : المقصود بالعوامل التكتيكية والعوامل الاستراتيجية. 
●- المقصود بالعوامل التكتيكية.
  هي عبارة عن الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأعداد والكميات والفرص والحاجات والكوارث وتبنى عليها مواقف تكتيكية مثل التحالفات المؤقتة والمناورات والمعارك والهجمات المحدودة والصفقات الضيقة والخطط قصيرة الأمد أو المتوسطة الأمد .
●- المقصود بالعوامل الاستراتيجية. 
وهي تتمثل بالمصالح الكبرى والأخطار الجسيمة والعلاقات التاريخية  والسلع الحيوية ومصادر الطاقة والأسلحة الفتاكة وتبنى عليها مواقف استراتيجية مثل  التحالفات الاستراتيجية والحروب المدمرة والخطط طويلة الأمد .
إن أمريكا ليست حالة استثنائيه  من هذه القواعد بل هي المثال الأوضح فيما ذكرت , لأنها الدولة الأكثر تنظيما و مؤسساتية  وعلمية في اتخاذ القرارات. 
المحور الثاني :  حقيقة الموقف الأمريكي  من  الثورة السورية :
 حدثت  الثورة  السورية في سياق الربيع العربي ، حكمتها عوامل استراتيجية وأخرى تكتيكية تحكم صانع القرار الأمريكي ينحاز إلى هذه الجهة أو تلك . ●- العوامل الاستراتيجية التي تحكم السياسة الأمريكية في منطقتنا كما يلي :
1) أمن إسرائيل الحليف الاستراتيجي لأمريكا( عامل استراتيجي ) لا يمكن التفريط به و وبعد أن تغيرت قواعد اللعبة من إصرار ايران على امتلاك السلاح النووي فإن أمريكا تخشى على أمن حليفها الاستراتيجي من أن تأخذه إيران رهينة لتحقق مكاسب حيوية يجعل أمريكا تستغني عن نظام الأسد. 
2) الخطر النووي الإيراني الذي تشكك أمريكا بسلامة نواياه وهذا ( عامل استراتيجي ) يدفع أمريكا إلى التخلي عن نظام الأسد إضعاف للموقف الإيراني .
( عامل استراتيجي ) يدفع أمريكا إلى التخلي عن نظام الأسد إضعاف للموقف الإيراني .
3) المطامع الإيرانية بالمنطقة العربية وهذا ( عامل استراتيجي ) يؤثر على السلع الحيوية لأمريكا في المنطقة كالبترول , ويؤثر على التحالفات الاستراتيجية لأمريكا كدول الخليج وهذا ما لا تسمح أمريكا به . 
4) حاجة إيران لتحقيق انتصار على إسرائيل يساعدها في كسب تأييد الشعوب العربية لتسويق مشروعها في المنطقة وهذا ( عامل استراتيجي ) يجعل أمريكا غير حريصة على بقاء الأسد حليف إيران . 
5) تعاظم خطر تنظيم القاعدة ، ثم تنظيم الدولة   والمنظمات  المتطرفة في المنطقة وهذا ( عامل استراتيجي ) يجعل أمريكا تتردد كثيرا في دعم المعارضة و تتريث أكثر في إسقاط النظام . 
6) الخوف على إسرائيل ومصالح أمريكا من ملامح خارطة جديدة لمحور إيراني عراقي سوري وهذا ( عامل استراتيجي)  يضر بمصالح الغرب ويجعل إيران على مشارف البحر المتوسط وملتصقة بإسرائيل وهذا ما لا تسمح  به أمريكا بأي حال من الأحوال ، وايضا  بقية الدول الفاعلة  عالميا . 
7) موقع سوريا الجيوسياسي الاستراتيجي المطل على ثلاث قارات والمجاور لاسرائيل والواقع في وسط حلفاء أمريكا أقصد تركيا ودول الخليج وهذا ( عامل استراتيجي ) يجعل أمريكا حريصة على عدم التخلي عن سوريا لصالح إيران فلا بد من إسقاط النظام . 
8) تزاحم القوى المناوئة للغرب واسرائيل على الاقتتال فيما بينها في سوريا مما يتيح مناخا يلائم أمريكا وهذا 
( عامل استراتيجي ) لا يجعل أمريكا في عجلة من أمرها في إسقاط النظام ما دامت لم تتلق من أي من الأطراف طمأنة على حليفها إسرائيل وعلى مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي.  
●-أما العوامل التكتيكية تتمثل بما يلي :
1) إرادة التغيير الجادة لدى الشعوب العربية التي ثارت على حكامها المستبدين في رغبة جارفة في التغيير , وهذا(عامل تكتيكي) تراعيه أمريكا 
2) انتهاء صلاحية الحكام الطغاة الذين قادوا الحقبة القومية واليسارية ، معظمهم خلفاء الاتحاد السوفيتي  المنهار ، والذين صارت مهمتهم تعبئة الشعوب بالشعور القومي واليساري  . وتعبئة الجيوب بالمال الشعبي  وهذا ( عامل تكتيكي ) مكمل للسابق يجعل أمريكا تتخلى عنهم لصالح مرحلة جديدة يقودها جيل جديد متنور متصالح مع الغرب. 
3) إتقان النظام لدوره في حماية أمن إسرائيل وهذا ( عامل تكتيكي ) يجعل أمريكا ميالة إلى الإبقاء على النظام تكتيكيا لأن البديل لم تبرز ملامحه.  
4) تورط النظام الأسدي بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وهذا
 ( عامل  تكتيكي ) يجعل من المستبعد لأمريكا أن تغطيه دوليا أو أن تعيد انتاجه بعد أن فقد كل شرعية . 
 المحور الثالث التغييرات الاستراتيجية الكبيرة للاستراتيجية  الأمريكية . 
1- يبدو هناك تغيرات  استراتيجية  عميقة واقرب للتحولات، بدأت ملامحها بالتشكل في منطقة  الشرق الأوسط وكذلك مناطق شرق  اسيا مع نوع من وضوح الاستراتيجية الأمريكية تجاه تلك المناطق. فمن الواضح  ان الادارة الامريكية لم يعد لديها ذات الاهتمام السابق بمناطق غرب آسيا لصالح أولوية شرق آسيا ومواجهة التنامي الصيني بما يحمله من مخاطر كبرى مباشرة على مكانة الولايات المتحدة عالميا. وهذه الاستراتيجية من المؤكد انها لا تخص إدارة بايدن وحدها انما قناعة راسخة لدى الدولة العميقة والمدارس الفكرية  في الولايات المتحدة أيا كان الحاكم في البيت الأبيض .
2- لكن بالتأكيد وليس من الذكاء  الاعتقاد أن الولايات المتحدة سوف تغادر منطقة الشرق الأوسط دون ترتيب وتنظيم البيئة السياسية، وإجراء تقييم شامل للجغرافيا السياسية وموازين القوى فيها، حيث تتمثل المصلحة الامريكية الأكثر اهمية في هذا السياق في أمن إسرائيل كالتزام ثابت، بينما تراجع وانخفض حجم أهمية المصالح الأخرى والسيطرة على منابع النفط كمثال.
3- وإذا كانت الإدارة قد غادرت أفغانستان بشكل سريع وحاسم ودون أي اكتراث لما ستؤول إليه الأوضاع هناك، فإن الوضع ليس كذلك في الشرق الأوسط حيث تتموضع قوى ايران وحلفائها الصاعدة  تمثل تحديا  وتسبب قلقا وجوديا لإسرائيل، لذلك تحاول الولايات المتحدة إبرام اتفاق مع إيران حول البرنامج النووي وقضايا شائكة أخرى بين الطرفين، يضمن تجميد التصعيد مع إيران لسنوات قادمة. 
4- بناء حلف عربي إسرائيلي يملك مزيج من القدرات العسكرية والمالية والإعلامية وغطاء ديني عبر فتاوى ومشايخ.. الخ ومن الواضح أيضا ان واشنطن ليس لديها ترف الانتظار لحل أزمات الشرق الأوسط المعقدة للتفرغ لما تعتبره أولوية قصوى في مواجهة الصين. لذلك يبدو أنها تتجه نحو إعطاء المنطقة ” حبة مسكن ” بدلا من الانخراط في عمليات جراحية لإيجاد حلول جذرية تأخذ سنوات ربما من الجهد والاستنزاف طويل الأجل.
المحور الرابع  : 
لكن ماذا بالنسبة لسورية في خضم هذه الاستراتيجية الجديدة ؟
1-  من المؤكد ان سورية تقع في صلب الحسابات الامريكية فيما يخص امن إسرائيل. ولا يمكن الاعتقاد هنا ان الإدارة الأمريكية تفكر بالانسحاب من سورية حاليا، على الرغم من انتفاء أي مصالح أمريكية صرفة حيوية ومباشرة في سورية. وعلى الرغم من رواج فكرة أن الإدارة الامريكية تسرق النفط السوري، وتتواجد شرق نهر الفرات حيث منابع النفط لهذه الغاية، الا ان هذه البلطجة الامريكية على موارد السوريين ليست للاستفادة الامريكية الذاتية، بقدر ما هي رغبة في حرمان دمشق من هذه الموارد كأحد وسائل الضغط على الرئيس السوري مع الخنق الاقتصادي لمنع عودة سورية الى ما قبل ٢٠١١، دون تلبية المطالب الامريكية. وهي مطالب تتلخص من جملة واحدة مكررة ” تغيير السلوك” وليس من الممكن ترجمة هذه الجملة خارج نطاق الدور السوري في المنطقة والموقف السوري الثابت من الكيان الصهيوني وإنهاء حالة  اي شكل للصراع ، بل التنازل والتطبيع  بدون أي مكاسب جدية ، سوى المحافظة  مؤقتا على النظام القائم   .
2- انطلاقا من ذلك منعت الولايات المتحدة إعادة ربط النظام الأسدي  في سورية بالنظام الدولي مجددا أو ما يطلق عليه وصف “إعادة تعويم النظام دوليا”.
 3- منعت عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار.
4-  منعت انطلاق عملية إعادة الإعمار، 5- منعت انفتاح العديد من الدول وبالأخص العربية على دمشق. والحد من اندفاع  بعضها ،  ورغم المحاولات الروسية الحثيثة  لكسر هذه الموانع إلا ان موسكو حتى اللحظة فشلت في ذلك.
تبدو الجغرافيا في سورية مهمة للأمريكيين أكثر من أي شيء آخر لجهة الالتزام بأمن إسرائيل. الوجود في الشرق السوري والتموضع في التنف على الحدود السورية العراقية يمنع الجسر البري لمحور   طهران  – دمشق  عبر العراق وسورية الى لبنان. ويبقى العين الأمريكية مفتوحة وقريبة من القاعدة العسكرية الاستراتيجية في الصراع مع إسرائيل التابعة للمحور الشيعي  في مثلث القائم البو كمال شرقا.
المحور الخامس:  هل يمكن ان تنسحب القوات الامريكية من الشرق السوري؟
الإجابة المباشرة لا، للأسباب التي ذكرناها انفا. ومن المرجح ان الإدارة الأمريكية قررت تجميد الوضع في سورية إلى أجل غير مسمى.. بالتزامن مع تخفيف الحصار الاقتصادي او احداث نوع من الانفراجة الاقتصادية المحدودة، أي تخفيف اقتصادي محسوب يجعل الدولة السورية دون الانهيار وليست بمستوى الانتعاش والعودة الى ما قبل 2011. يترافق ذلك مع فتح بعض السفارات وعودة سورية للجامعة العربية وإجراءات أخرى تحسن الواقع السوري.
 الرغبة الامريكية في تسكين الملف السوري وليس إنجاز حل سياسي او ترك سورية تتعافى بشكل طبيعي يمكن كسرها في حال احسنت دمشق وحلفاؤها التقاط اللحظة التاريخية واخذ قرار التصعيد وأحداث صداع مزمن للأمريكيين في شرق سورية، في الوقت الذي تتجه فيه الإدارة الامريكية الى تخفيف الأعباء والالتزامات والتهدئة وتجميد الازمات في المنطقة للتفرغ للصين في مناطق شرق آسيا.
جراء هذا التصعيد قد يفكر الامريكيون بالتفاوض على الخروج. ليس مع دمشق وحدها فيما يخص سورية، بل مع حزب الله في لبنان أيضا. وهذا ممكن وقد يكون خيارا متاحا وقريبا.
المحور السادس : الموقف الصين في سورية هل هو تكتيك أم قرار استراتيجي؟
اهتمام  ومحاولة  النظام السوري الآن منصب على زيادة الانخراط الصيني في سورية عبر البوابة الاقتصادية، يمكن النظام  التعويل على هذا، خاصة أن زيارة وزير الخارجية الصيني لدمشق اعطت انطباعا بجدية بكين تجاه سورية. لكن يجب الانتباه لقضية  ان لا يكون زيادة النشاط الصيني في الشرق الأوسط لا يقتصر على  سوريا وحدها، وانما  تسعى وتهدف  الصين الى لفت انتباه الولايات المتحدة للمنطقة، وثنيها عن المغادرة والتوجه إلى المحيط الحيوي القريب للصين. أي تحركات تكتيكية لمنع واشطن من نقل ثقلها العسكري شرق آسيا والبقاء في المنطقة لمنع تشكل نفوذ صيني على مساحات فراغ يتركها الانسحاب الأمريكي. قد يكون قرار الصين تكتيك في إطار درء مخاطر الحشد الأمريكي في مناطق حيوية للصين. وإذا كانت الصين جادة فعلا في تأكيد ذلك يتبدى في قدرتها على قلب الواقع الصعب اقتصاديا ومعيشيا في سورية خلال شهور، ولكن تعي الصين لم يعد لها  أمل في أي مكاسب حقيقية  من خلال خطواتها بعد سيطرة  روسيا وإيران على كل مفاصل الدولة السورية  السياسية  والعسكرية والامنية  والاقتصادية والاستثمارية ،قيدت روسيا وايران النظام السوري  بمجموعة  مركبة من الاتفاقيات طويلة الأمد ، في كافة قطاعات الاقتصاد الوطني ،ولذلك  هذه العوامل تضعف  أي دور جدي للصين في إنقاذ النظام . 
أ. د ياسين الحمد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

دروس وعبر، دعوة للتأمل في أسوب المفاوضات النبوي الرصين

د. علي محمّد الصلابيّ بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطَّائف …