أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الولايات المتّحدة والصّين بعد أوكوس… خارطة تحالفات جديدة…

الولايات المتّحدة والصّين بعد أوكوس… خارطة تحالفات جديدة…

سفيان الحسن

باحث في السياسة والتاريخ
عرض مقالات الكاتب

نبذة تاريخيّة سريعة، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثّانية أوزارها في عام 1945م، أُحدث ما يسمى النّظام العالمي الجّديد ليتناسب مع مصالح الولايات المتّحدة الأمريكية السّياسيّة والاقتصاديّة، وتمّ استحداث مؤسّسات ماليّة عالميّة ومنظومات أمنيّة وتحالفات عسكريّة ومعايير سياسيّة ليبراليّة، كان الهدف الأساسيّ منها تكريس الهيمنة الأمريكيّة وحلفائها على هذا النّظام الجّديد، وبالتالي اعتمدت شرعية النّظام على الدّول التي تؤمن بأنّ المشاركة فيه يفيدها بشكل مباشر، ولقد خاضت الولايات المتّحدة الأمريكية ضد الاتّحاد السوفييتي ما اصطلح عليه حرباً باردة، اعتبارا من مطلع عقد الخمسينيّات حتى سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيّات من القرن العشرين، ومرَّ هذا الصّراع بعدة أطوار كان أخطرها بلا شك أزمة الصّواريخ النووية السوفياتية في كوبا1962م، وأخذت الحرب الباردة أشكالاً ومظاهر متعددّة وأصبحت نتائجها مدعاةً للقلق، مما شجع دولاً عدّة على الابتعاد عن المعسكرين (حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة وحلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفييتي )، وتم تشكيل حركة عدم الانحياز(باندونغ 1955م)،نتج عنها لاحقا  منظمة مؤتمر دول عدم الانحياز في مؤتمر بلغراد1961م، وبالعودة لتلك الفترة من الصّراع فقد كشفت إحدى الوثائق الرئيسيّة الخاصّة بالأمن القومي الأمريكي في أوج الحرب الباردة(وجاءت هذه الوثيقة في دراسة لمؤسسّة راند الأمريكيّة)، أنهُّ يجب على واشنطن أن تظل ملتزمة بهدفها نحو منتظم دولي أكثر نظاماً من أجل مواجهة التّحدي السوفييتي، كما تستفيد الولايات المتّحدة من الظهور التدريجي للقواعد والمعايير والأعراف الدّولية الّتي تعمل على استقرار السّياسات العالميّة ، ومن ثم حماية المصالح الأمريكيّة، كما تبرهن الوثيقة على أنّه في حالة عدم وجود الاتّحاد السوفييتي من الأساس فإنّ الولايات المتّحدة ستظلّ تواجه الحقيقة التي تقتضي أنّ غياب النّظام بين الدّول في عالم آخذ في التّضاؤل. أمر غير مقبول.

ما الذي يحدث ؟ من الواضح أن شكل الصّراع الأمريكي الصّيني يختلف تماما عن حقبة الحرب الباردة في القرن الماضي، فبصعود الصّين بدأت عرى النظام العالمي الجديد تنقض الواحدة تلو الأخرى، وبدا وكأنّها مستعدّة لتقديم بدائل حقيقيّة لمرتكزات هذا النظام، ومن ذلك نذكر( بعد مطالبات لبعض الدّول الصاعدة بإجراء اصلاحات لحوكمة صندوق النّقد الدّولي، عارض الكونغرس الأمريكي التصّديق على إجراء إصلاحات فيما يتعلق بالتصويت في صندوق النقد الدّولي التي يمكن أن تنهي الفيتو الأمريكي فعلياً. يعتقد البعض أنّ التأخّر الطويل في إصلاح حوكمة صندوق النّقد الدّولي قد قوّض شرعيّة المنظّمة لدى البلدان النّامية وأسهم في إنشاء البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحتيّة، ويمكن النظر لهذه المبادرة التي تقودها الصين على أنها خطوة صغيرة نحو بناء نظام بديل )، لتتلاحق بعدها تطورات دراماتيكيّة في صعود الصّين بدأت بعودة هونغ كونغ لها ومن ثمّ تطوّرات ملف تايوان والنّمو الاقتصادي المتسارع بدخول أسواق جميع القارات، وعشرات الحوادث والصّدامات مع الولايات المتحدة من إكتشاف شبكات تجسس بين الطرفين إلى سرقة براءات اختراع وابتكارات وأزّمة شركة هواوي، وليس آخرها ملف صفقة الغواصات النّوويّة، وكلمة السرّ فيه (ما ذكرته النيويّورك تايمز والواشنطن بوست على لسان خبراء عسكرييّن أمريكييّن تفيد بوجود ثغرة في منظومة الدّفاع الصينيّة متمثلة في عدم امتلاكها لصواريخ قادرة على تدمير هذه الغواصات، ومما زاد من تخوف الصّين هو إمكانيّة بيع هذا النوع من الغواصات لليابان أو تايوان أو غيرها…)، ليزيد احتمال دخول دول جديدة على الخط من تعقيد المشهد، ثم تأتي الأنّباء من الصّين عن اكتشافها لتدريب القوات الأمريكيّة لنظيرتها التّايوانيّة العام الماضي، ورويداً رويداً تتكشّف نوايا واشنطن  بمحاصرة الصّين عن طريق أسترالية وغيرها من الدّول في المحيط الهنّدي والهادي وحتّى بحر الصّين الجنوبي، وعدم السّماح لها بفرض هيمنتها على الملاحة الدّولية في تلّك المناطق…

قراءة واقعيّة ومستقبليّة:

– من الواضح أن الصّين لاتريد وراثة قطّبية ودور الاتّحاد السّوفييتي سابقاً ( كون روسيا اليوم لم تعد تشكّل قطّباً وازناً للولايات المتّحدة )، بل إزاحة الولايات المتّحدة عن دفّة قيادة العالم وأخذ دورها.

– يبدو أن الولايات المتّحدة باتت تخشى بالإضافة لروسيا والصّين حليفتها أوروبا وترى فيها منافساً مستقبلياً لمصالحها، فلا يخفى على أحد أنها كانت من أشدّ المناصرين لخروج بريطانيا من الاتحّاد الأوروبيّ وقد تمّ ذلك، وها هيّ اليوم تشركها في حلف ثلاثيّ مع أسترالية بعيداً عن حاضنتها الأوروبية التقليديّة (الناتو)، وبناءاً على هذه الخطّوة على أوروبا أنّ تعيد حساباتها الدفاعيّة وأمنها القومي بشكل جديّ، ولا أستبعد أن تقيم تحالفاً أو على الأقل تفاهماً مع روسيا تضمن به أمنها ومصالحها الاقتصادية، وهذا خطأ استراتيجي ترتكبه الولايات المتّحدة بحق أقوى تحالف عالمي بوجه روسيا والصّين.

– من الضروري أنّ تبحث دول العالم الثالث عن تقاطع مصالحها مع الغرب لأنّ خطر الروس والصّين تحديداً أكبر بعشرات المرات من خطر الغرب عليها بالعموم، ويمكن التّقاطع مع الغربّ في المصالح والقيم معاً، وهذا لن يتوفّر في العلاقة مع الصّين ذات البعد الشّموليّ التّوليتاريّ الخطير الّذي سوف يكرّس التّطور التّقنيّ والتّكنلوجيّ في تضييق وضرب مساحات الحريّة وحقوق الإنسان، فضلاً عن دعم الدّكتاتوريّات المتوحّشة.

–  بات جلياً أنّ خارطة التّحالفات العالميّة الحاليّة مُقبلة على تغيّيرات واصطفافات جذريّة على المديّين القريب والمتوسط، فأمن أوروبا وحمايتها من الخطر الروسيّ ضمن منظومة النّاتو أو غيرها لم يعد أولويّة أمريكيّة بل تراجع في سلّم الترتيبات الإستراتيجيّة الكبرى، لمواجهة صعود الصّين المتّسارع في كافة المجالات، ففرنسا لم تعد تخفي رغبتها بضرورة أن تكون لأوروبا قوّة عسكرية مستقلّة بقيادتها، وبريطانيا أدارت ظهرها لأوروبا اقتصاديّاً وعسكريّاً لحد ما بعد صفقة الغواصات النوويّة، وتركيا تحاول مسك العصا من المنّتصف بعلاقتها مع روسيا والنّاتو، ولا أستبعد من أنّ تُقحم الولايات المتّحدة الهند في صراعها مع الصّين خاصّة بعد التّوتر الأخير بينهما ولإحداث نوع من التّوازن الاستراتيجي ضدها.

– في الغالب إنّ أيّ معركة ستخوضها الصّين ضد الولايات المتّحدة على الصّعيدين الاجتماعي والثقافي في طريق سعيها لفرض هيمنتها على العالم ستخسرها حتماً (حتّى لو تفوقت اقتصاديّاً وعسكريّاً)، فمجموعة القيم والمفاهيم المتمثّلة بنمط الحياة الغربيّة بكلّ ما يحتويه، من تقديس الحرية الشخصّية والدّيمقراطيّة وحرية الصّحافة والإعلام وثقافة الإنسان الغربي بشكل عام والتي تمّ فرضها والترويج لها عالمياً لعشرات السّنوات على أنّها النّموذج الأمثل للحياة العصرية، بات من شبه المستحيل تغييّرها وفرض نموذج بديل عنها وخاصّة في الغرب.

– لاحقاً أيّ تسوية صينيّة أمريكية سترتكز حتّماً على تقاطع المصالح بينهما، وإذا قبلت الصّين الآن في هذا الوقت من الجلوس والتّفاهم مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة على (قيادة  ثنائيّة للعالم)، فهو من مصلحة الولايات المتّحدة قولاً واحداً وإلا فالوقت في مصلحة الصّين، وإنّ عدم اتفاقهما سينّعكس سلباً على العالم أجمع وسيدخلنا مجددّاً في أتّون حروب باردة وصراعات واستقطابات ستكون فاتورتها باهظة ونتائجها كارثيّة …

2 تعليقان

  1. فعلا استاذ سفيان ، قراءة واقعية ممتازة، برأي لن تقبل الصين بقيادة ثنائية للعالم و خصوصا مع امريكا..حتى لو قبلت ستعمل على ان تكون الاولى بشتى الطرق و هذا بعيد حاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ألم يأن وقت اختيار القائد؟

د. موفق السباعي كاتب ومحلل سياسي منصب المفتي! لم يكن في يوم من …