أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / أبعاد المؤامرة المجوسيَّة-النُّصيريَّة لتدمير الشَّام 4 من 7

أبعاد المؤامرة المجوسيَّة-النُّصيريَّة لتدمير الشَّام 4 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نشأة العلويين

ينتقل هاشم عثمان في كتابه القيِّم العلويُّون بين الأسطورة والحقيقة (1985م) إلى الحديث عن نشأة الطَّائفة العلويَّة في العالم العربي، وحقيقة انتمائهم إلى العرب، ومدى التقارب بين عقيدة العلويين وصحيح الإسلام، في ضوء العدد الثَّامن لمجلَّة (النَّهضة)، وهي مجلَّة أدبيَّة أسَّسها الدُّكتور وجيه محيي الدِّين في مدينة طرطوس السُّوريَّة في ثلاثينات القرن الماضي، الصَّادر في يوليو من عام 1938م. تكوَّن ذلك العدد من 13 مقالًا، دافعت عن العلويين وعقيدتهم دفاعًا مستميتًا، واعتبرتهم عربًا يدينون بصحيح الإسلام، وبلورت انتمائهم إلى الفكر الشِّيعي الذي يقدِّم الإمام عليِّ بن أبي طالب على سائر أئمَّة المسلمين ويمنح ذريَّته الأولويَّة في إمامة النَّاس. يعتبر محيي الدِّين أنَّ نشأة العلويين، أو ما أطلق عليه “الحزب العلوي”، ترجع إلى عام 11 هجريًّا، زمن بيعة أبي بكر الصِّدِّيق (رضي الله عنه وأرضاه) في سقيفة بني ساعدة، على غير رغبة الموالين لآل البيت؛ ممَّا يعني أنَّ بداية الفكر العلوي “ابتدأ بفكرة تفضيل هاشم على أميَّة، وانتهى بعقيدة يُستمات في سبيلها، هي أفضليَّة آل البيت، وعلى رأسهم عليِّ عليه السَّلام على بقيَّة الأصحاب والمقرَّبين” نقلًا عن عثمان (ص232).

وعن عروبة العلويين، يقول عليُّ حمدان الزَّاوي، قاضي العلويين في طرطوس، في مقاله “عروبة العلويين وإسلاميَّتهم”، الصَّادر في العدد ذاته لمجلَّة (النَّهضة)، أنَّ العلويين ينحدرون من أعرق بطون العرب؛ أمَّا عن سبب تسميتهم بهذا الاسم، فيقول أنَّه “تمسُّكهم بولاية عليِّ بن أبي طالب عليه السَّلام”، هذا إلى جانب إيمانهم بأفضليَّة ذريَّة الإمام عليِّ على سائر أئمَّة المسلمين، وأخذهم العلم عن الإمام جعفر الصَّادق، حفيد الإمام عليِّ والإمام السَّادس في تسلسُل الأئمَّة الاثني عشر، نقلًا عن عثمان (ص232). يتضمَّن العدد ذاته مقالًا للباحث أحمد سلمان إبراهيم عنوانه “العلويُّون بين الإسلام والمسلمين”، يتأسَّف فيه إبراهيم على ما تعرَّض له العلويُّون من هجوم بلغ حدَّ التكفير والإخراج من الملَّة الصَّحيحة للإسلام، معتبرًا أنَّ سبب الهجوم ليس لكفر بالله تعالى، أو لسبِّهم الأئمَّة على المنابر، أو لتعطيلهم الشَّريعة؛ إنَّما فقط لاعتقادهم أنَّ “عليَّ بن أبي طالب هو صاحب الحقِّ الأوَّل في زعامة المسلمين الدِّينيَّة والزَّمنية بعد النَّبي (ﷺ)”، وأنَّ “عليًّا هو الأحقُّ بالخلافة من سواه، وأنَّه وصيَّ النبيِّ ووزيره…ليعلم الذين لا يريدون أن يعلموا: أنَّ العلويين هم من صميم الإسلام، وأنَّ نزاعهم وإخوانهم المسلمين، لا يعني نزاعهم والإسلام؛ لأنَّ المسلمين أمَّة، والإسلام دين، ولا غرابة في أن يكون بين أتباع الدِّين الواحد تباين في النَّظر، لا يخرجهم عن كونهم أبناء أمَّة واحدة باعتبارهم أتباع دين واحد”، نقلًا عن عثمان (ص233-234).

ويعترف الدَّاعية العلوي محمَّد ياسين في مقال “العلويُّون شيعيُّون” بتخلُّف العلويين عن سائر المسلمين في أمرين، هما بناء المساجد وحجّ البيت، زاعمًا محافظة طائفته على كافَّة الشَّعائر الأخرى. يبرِّر ياسين ذلك بأنَّه يرجع إلى فقر العلويين، وعدم استطاعتهم ترْك أعمالهم للتوجُّه إلى الصَّلاة أو تدبير نفقات الحجِّ، وإن لم ينفِ وجوب بناء المساجد والصَّلاة فيها بانتظام وأداء فريضة الحجّ لمن استطاع. لا شكَّ في أنَّ هذا التَّصريح من الدَّاعية العلوي يبرز استخدام طائفته التَّقيَّة لإظهار لزوم جماعة المسلمين، مع إبطان احتقار شعائرهم، بهدف تحقيق مآرب شخصيَّة يكفلها لزوم المسلمين، من بينها اختراق صفوفهم وتدبير المكائد لخلخلة بنيان دولتهم. سبقت الإشارة إلى أنَّ بين عقائد النُّصيريَّة رفْض الصَّلاة في المساجد ومحاربة تشييدها، فأراد الدَّاعية النُّصيري نفي ذلك بادِّعاء أنَّ الفقر هو الحائل دون المواظبة على أداء الصَّلاة في المساجد، وإن كان السبب الحقيقي هو مخالَفة العلويين سائر المسلمين في أداء الصَّلاة، خاصَّة مع امتناعهم عن السُّجود.

نشأة الهويَّة العلويَّة في سوريا

في عام 2007م، أتمَّ الباحث تورشتين شيوتز وورن دراسة عنوانها Fear and Resistance: The Construction of Alawi Identity in Syriaالخوف والمقاومة: بناء الهويَّة العلويَّة في سوريا، حصل بها على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة أوسلو النُّرويجيَّة، تناوَل فيها دور الطَّائفيَّة في تكوين هويَّة الشَّعب السُّوري، وتأثير الانتماء الطَّائفي لنظام حزب البعث العربي الاشتراكي السُّوري، الحزب قومي التوجُّه والفكر الذي يحكم سوريا منذ ستِّينات القرن الماضي إلى اليوم، إلى العلويَّة على مساره السياسي. وقد نشَر مركز حرمون للدِّراسات المعاصرة في أكتوبر 2018م ملخَّصًا بالعربيَّة لأهم محتويات الكتاب، الذي يخترق خصوصيَّة الطَّائفة العلويَّة ويبيِّن علاقتها بالطَّوائف الأخرى، وكيفيَّة تعامُل نظام الأسد العلوي مع الطَّوائف الأقليَّاتيَّة، مع طرْح سؤال هام، هو “هل نظام الأسد علويُّ؟” (ص3). عني الباحث بالوقوف على كيفيَّة تصوُّر العلويين أنفسهم باعتبارهم طائفة وتكوينهم هويَّتهم الخاصَّة، في خضمِّ الهجوم السُّنِّي على طائفتهم وإخراجها من الملَّة الصَّحيحة، متأمِّلًا جذور الأزمة التي أفضت إلى الصِّراع المسلَّح الدَّائر منذ عام 2011م. لمس وورن خلال زيارته لسوريا أنَّ التعامل مع العلويين هناك يقترن بشيء من “التحامل والتحيُّز”، مشيرًا إلى شعوره بضرورة مواجهة السُّوريين أنفسهم بأنَّ التَّظاهر بالتَّسامح مع أبناء الطَّوائف الأخرى دون ترجمة ذلك إلى أفعال له دورٌ كبير في الصِّراع الدَّامي، وداعيًّا إيَّاهم إلى تحمُّل المسؤوليَّة عمَّا يحدث في بلادهم من جرَّاء “التحامل والحُكم المسبق” (ص5).

بداية تمكين الأقليات في سوريا

بعد تقسيم الشَّام بين بريطانيا وفرنسا بمقتضى اتفاقيَّة سايكس-بيكو (1916م)، وخضوع الشَّام للانتداب الفرنسي، عمل الفرنسيُّون على تمكين الأقليَّات غير السُّنيَّة في سوريا، بعد أن عانت تلك الأقليَّات من التَّهميش ومن “اضطهاد منتظم” في ظلِّ حُكم الدَّولة العثمانيَّة، التي لم تكن تعترف بتلك الأقليَّات بوصفها ملل تستحقُّ الاحترام والتَّسامح الدِّيني (ص9). كان العلويُّون، إلى جانب المسيحيين والدُّروز، من بين الأقليَّات التي حظيت بالاهتمام الاستعمار الفرنسي، الذي أسند لأبنائها مواقع متميِّزة في القوَّات المسلَّحة، وزكَّى مفهوم القوميَّة العربيَّة “التي وعدت بالمساواة والاندماج على أساس وحدة الُّلغة والعلمانيَّة” (ص9). ومن بين الضُّبَّاط العلويين الذين ترقُّوا في المناصب وارتقوا إلى أعلى مراتب الحُكم وصُنع القرار، حافظ علي سليمان الأسد، المولود عام 1930م، أي في العام العاشر للانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. ترقَّى الأسد، المقدِّم في القوَّات الجويَّة السُّوريَّة وعضو حزب البعث الاشتراكي، إلى رتبة لواء دفعة واحدة، ليصير قائدًا للدِّفاع الجوِّي السُّوري عام 1964م، ثمَّ وزيرًا للدِّفاع في فبراير 1966م، وفق ما تذكره موسوعة ويكيبيديا الرَّقميَّة:

وفي عام 1970م، نجح الأسد في الانقلاب على الرَّئيس نور الدِّين الأتاسي، المنتمي إلى حزب البعث الاشتراكي ذاته، وأصبح الرَّئيس الرَّسمي في 22 فبراير 1971م، وقد حرِص منذ بداية حُكمه على أن تكون الدَّائرة المقرَّبة منه في الحُكم من أبناء الطَّائفة العلويَّة، وكان لذلك تأثيره على نظرة الشَّعب السُّوري للنظام خلال العقود اللاحقة. يحاول الباحث إثارة بعض التَّعاطف تجاه العلويين، بالإشارة إلى تعرُّضهم للاضطهاد باعتبارهم “مرتدِّين ومسلمين هراطقة”، وكذلك “متوحِّشين يهدِّدون استقرار حياة السُّهول الزِّراعيَّة”، وقد شجَّعت أوضاعهم المتدنية الدَّولة العثمانيَّة على تأجيرهم “بالسُّخرة” (ص10). وكأنَّما جاء الاستعمار الفرنسي لرفع المعاناة عن الأقليَّات، وليس لنزع الهويَّة الإسلاميَّة عن البلاد والتحكُّم في خيراتها وإيقاف تنميتها لضمان تبعيتها الاقتصاديَّة له. أتاح الانتداب الفرنسي للعلويين الانضمام إلى الجيش، الذي كان مجالًا لترقِّيهم في المراتب الاجتماعيَّة، بينما كانت المجالات الأخرى مؤصدة أمامهم بسبب فقرهم. كان من السَّهل انضمام العلويين إلى “الأحزاب القوميَّة العربيَّة الرَّاديكاليَّة” كونهم “علمانيين متشدِّدين”، الأمر الذي لعب دورًا هامًّا في موقف الشَّعب السُّوري منهم (ص10).

كما سبقت الإشارة، فالعقيدة النُّصيريَّة التي يتَّبعها العلويون تخالف صحيح معتَقد أهل السُّنَّة، وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بكفرهم، بقوله “هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيريَّة، هم وسائر الأصناف الباطنيَّة، أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفَّار المحاربين مثل التَّتار والفرنج وغيرهم”، موضحًا أنَّ سبب ذلك هو أنَّهم “دائمًا مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إنَّ التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم”. بمعرفة عامَّة المسلمين هذه الحقيقة التي أثبتتها التَّجارب التَّاريخيَّة، أصبح من الصَّعب على أشبال النُّصيريَّة في السُّلطة الارتقاء إلى هرمها في ظلِّ نظام إسلامي؛ فكان لا بدَّ من نشْر العلمانيَّة والفكر القومي وإبعاد الدِّين الإسلامي عن دائرة الحُكم، لكي يصعد حزب البعث الاشتراكي، الذي أسَّسه المسيحي ميشيل عفلق. ويلفت وورن إلى أنَّ العلويين وقت إعلان الانتداب الفرنسي على سوريا رفضوا الانضمام إلى دولة سوريا المسلمة، وجاء في نصِّ رسالتهم إلى فرنسا لتحريضها ضدَّ أهل السُّنَّة وتبرير وجودها في سوريا تحت زعْم حماية الأقليَّات، كما ينشرها الباحث “فالدين الرَّسمي للدَّولة هو الإسلام ووفقًا للإسلام فإنَّ العلويين كفَّار. والدِّين الإسلامي رعى دومًا روح الكراهية والتعصب الراسخة في قلوب العرب المسلمين ضد كل ما هو غير مسلم. ما من أمل في أن يتغير الوضع بتاتًا. لذلك فإنَّ إلغاء الانتداب سيعرِّض الأقليَّات في سورية لمخاطر الموت والفناء. وسيبيد حريَّة الفكر والمعتقد” (ص10).

شجَّع الانتداب الفرنسي العلويين على تمييز ديانتهم عن سائر المعتقدات الأخرى، بما فيها المذهب الشِّيعي، واعتبارها مستقلَّة عن الإسلام، لكنَّ العلويين آثروا إعلان بانتمائهم إلى الإسلام على المذهب الجعفري؛ ويرجع ذلك، كما يشير وورن، إلى هيمنة أهل السُّنَّة على سوريا في ثلاثينات القرن الماضي، ولا شكَّ أنَّ في خروج العلويين من دائرة الإسلام، ولو على مذهب مخالف للسُّنَّة، كان سيحرمهم من الارتقاء في المناصب في بلد يشكِّل فيه أهل السُّنَّة الأغلبيَّة. نفذ حافظ الأسد من تلك الثَّغرة للوصول إلى سُدَّة الحُكم، في ظلِّ دستور ينصُّ على أنَّ الإسلام يجب أن يكون دين رئيس الدَّولة؛ وبالتَّالي كان لزامًا أن يتستَّر العلويون برداء الإسلام، ولو من خلال شراء الاعتراف الشِّيعي بإسلاميتهم، كما فعل الأسد عام 1973م، عندما أغرى الزَّعيم والمرجع الدِّيني الشِّيعي موسى الصَّدر بصداقته له بالاعتراف بشيعيَّة العلويين.

حافظ الأسد والمعمم موسى الصَّدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التقرير الإستراتيجي السوري (92)

شؤون أمنية التطبيع الاستخباراتي: هل يحل “لوقا” بديلاً عن “مملوك”؟ أكد تقرير أمني (16 نوفمبر …