أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / جولة في مقبرة معرض الكتاب

جولة في مقبرة معرض الكتاب

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

يحكى أن أحد أثرياء دمشق التقى صديقا له، وكان بينهما ما يكون بين الفتيان من التحاسد أيام الصبا، ومضت الأيام ليصير أحدهما مليونيرا ويصير الآخر مثقفا وكاتبا..
وكان أن زار الثري صديقه الأديب، فوجد في بيته مكتبة عريقة، وراح الأديب يزهو على الثري بما يمتلكه من معرفة وثقافة، فاغتاظ الثري، ودعاه لزيارة قصره بعد أسبوع، ولما عاد الى بيته أخذ يفكر كيف يزهو عليه، فقرر إنشاء مكتبة تجمع صنوف الكتب وروائع الأدب ما لا يكون لأحد مثلها عادة، فذهب وزوجته إلى السوق ودخلا إحدى المكتبات، فاحتار صاحب المكتبة في مرادهما، كانت تقول لزوجها انظر ذاك الكتاب” تجليده فاخر” ، وهو يقول لها هذا “ألوانه زاهية”، وذاك يبدوا أنه رائع ” أصفر مع بني” يتناسب مع الفرش .
وصاحب المكتبة ينظر مندهشا ، فما اعتقد أن يأتي يوم يرى فيه أناسا يشترون الكتب كما يشترون الخضار والألبسة والأثاث ( قصة واقعية ) .

وكعادتي كل عام أترقب عن كثب معرض الكتاب الذي يقام مرة في السنة لسببين ،
الأول: أن بيني وبين الكتاب صلة وشيجة، وصحبة قديمة، وذكريات كثيرة، أجد فيه ما لا أجده في غيره، أبحث فيه عن المعرفة وكل جديد .
والثاني : أني أجد فيه دور نشر مشاركة لا أجدها عادة في غير المعرض، تأتي من مختلف البلاد لتعرض بضاعتها وتسوق متاعها وهي فرصة سائغة للحصول على ما أريد .
سرحت وأنا أتأمل الحال التي وصلنا اليه .
هنا أسواق الكتب لا تختلف كثيرا عن غيرها من الأسواق، فيها الغالي والنفيس، وفيها المتوسط الذي يناسب كل الشرائح، وفيها المختص الذي يناسب أصحابه، وفيها المبتذل الرديء وفيها الساقط المتهافت .
حيث تجتمع النقائض والاضداد .

هنا تجد السم الزعاف ، والترياق المجرب والدواء الشافي، والبلاء العظيم، هنا المحاسن والأضداد، والكفر والايمان، والحسن والقبح، والحب والبغض، هنا المعارضة والموالاة ، التاريخ بقضه وقضيضه، واقع الحال بتناقضاته واشكالياته .
هنا تجد عقولا أفرغت على صفحات الكتب، وأفئدة نزفت مع حبر الأقلام، هنا تجد تجارب السنين وأخبار الناس وأحلامهم وأحوالهم .
هنا تشهد مصارع الأمم والحكام، هنا الماضي ماثلا للمستقبل .

هنا تشاهد باعة الكتب وتجار المعرفة
منهم من يحسن انتقاء البضاعة ويتفنن في خدمتها وتزيينها، فيختار أجود المواضيع، وأنفع المواد، وأهم الكتّاب، وأصدق الشعراء، وأروع المفكرين .
ومنهم من يهملها ويختار ما يلفت الأنظار ويسلب العقول، ويستجر المال ، لا يعنيه ما يبيع بل كم يبيع، فيختار الأسماء المشهورة، والصور اللامعة والعناوين البراقة الخاوية من المضمون، والكتب الصفراء، وكل مايهم الفارغين من الناس . وللأسف هي أكثر الكتب مبيعا لأنها رخيصة ليست رخيصة ماديا بل فكريا، رخيصة كالفول والطعمية، بيد أن هذه تنفع، وتلك إثمها أكبر من نفعها .

والكتّاب أنواع :
منهم الراقي الذي يسيل عذوبة ، ويشع رقة ، يتعامل مع كتابته تعامله مع الكنوز، يحسن صياغتها، يحسن سبكها، يحسن عرضها،يحسن سردها وحبكها ونسجها، تشعر من كلماته بأنك تتعامل مع بائع الذهب والألماس أو بائع أفخر أنواع المنسوجات العصرية . كأنك تتعامل مع ماركة مسجلة أو أميرا في أحد القصور .

ومنهم المفن المبدع أو المدني المتحضر، الذي يهيم بخياله ويصادق بين الأحلام والكلمات، ويبتكر صورا فنية رائعة رائقة، ويحسن استخدام الألفاظ في التعبير على المعاني، تقرأ فتشعر أن الألفاظ كأنها لم تخلق إلا لتلك المعاني، يعجبك نفيه وإثباته ، ويبهجك شكه ووثوقه، كأنك وأنت تنظره، تقف أمام لوحة فنية قدت من سجف الكمال ، دقيقة التفاصيل حسنة الصورة، إبداعية لا تتكر ولو حاول كثيرون نسج مثلها . ولك في (مصطفى الرافعي) مثلا .
ومنهم المهندس، لا مهندس البنيان بل مهندس الأفكار، تجده يسلسل الأفكار وفق نظام محكم وحسابات دقيقة، ويركب المعاني الواحدة تلو الأخرى، ويحسن قياس الأبعاد ومحاكاة الجمال الكامل، ويتقن روعة التفاصيل ودقة الداخل والخارح ليخرج لك تحفة فنية متكاملة المعنى والمبنى خالدة ثابتة .. ولك في (عباس العقاد) مثال لهذا .

ومنهم القروي ولو كان من سكان قصور المدينة، قليل الرقي، قاسي التراكيب، جبلي البلاغة، رث الاستعمالات، عشوائي الكلمات ، فوضوي التعابير، بدائي التشبيه، يلقي الكلام دون نظر في المآلات، تشعر وأنت تقرأ له أنك في القرية بل في اقصى المناطق النائية، دون أن يصرح لك بذلك، تشعر انك تركب مع سائق معرفة أو تجالس بائعا في سوق الدجاج العلمي، والتشبيه لتقريب الفكرة، فقد يكون في ابسط الناس وابعدهم رقيا وأقلهم خبرة من يحمل في نفسه رقيا آخر لا تجده في من تظنهم أعاظم الناس، تجد ذلك في أمثلته وتشبيهاته، في ألفاظه واسخداماته، قرأت لأحدهم ( حمولة أعلاف يسيرها الله تعالى مئات الكيلو مترات من أجل بهيمة، ثم تخاف أنت على رزقك ) .
المثال صحيح، والتطبيق واقعي، والمعنى مطروق، والمطابقة متحصلة ، والدلالة متحققة، ولكن ما هكذا تورد الإبل ولا هكذا تعرض الأشياء يا عزيزي . ولك في كثيرين أمثلة لا تحصى .

ومنهم الكوميديان، يضحكك متى شاء ويبكيك متى شاء، تتمتع بظرافة ولطافة وخفة وجمال، يحسن التقاط المشهد،والعبث بالألفاظ،وتركيب النكت، وتحريك هرمون السعادة .
لا تملك وأنت تقرأ للجاحظ والمازني والماغوط وعامر جلال، إلا أن تبتسم.
ومنهم الصادق الأمين، والناصح الحكيم، والخبير العارف، والفاهم المبصر، الذي تقرأه فتكون بعد قراءته غيرك قبلها .
ينقلك من عالم الى آخر، ويرفعك من طبقة الى أخرى يأطرك على المعرفة والحسن أطرا .
ومنهم المنافق المخادع، والقن الأجير، والكاذب الأشر، بائع الأوهام، وعبد الحكام، ورسول إبليس، تقرأه فتصاب بلعنة كلعنة الفراعنة، لا تزول قذاته عنك مدى الحياة يأزك على الجهل والشر أزا .
ومنهم المتطفل، عبد الشهرة، الدعي الأفاق، الوصولي الذي يرتجي أن يذكر اسمه في الكتاب، أو يعرف بين الأدباء أو سوقة المثقفين ، فيزاحم التجار، ولكن لا مكان له بين أهل الفن والإبداع ودكاكين العراقة والأصالة، فتخذ لنفسه بسطة في أقصى البازار ويعرض فيها ما يشاء، ويجد ( مع الأسف ) من يقرأ له ويعجب به، وقد قيل قديما (لكل حبة نخرها السوس كيال أعور ) هو لا يعنيه أين يوجد بل أن يوجد ولو في آخر القائمة، ولو في الأسطر المهملة لا يتمني إلا أن يقال كاتب، فيؤلف ليشتهر أو ليأكل أو ليؤلف، أو لينثر الجهل بين الناس . ملتزما بمبدأ (خالف تعرف ).

كل هذا تجده في معرض الكتاب..، دخلت وتنقلت بين المتاجر ولفت نظري بعض الأمور شعرت من خلالها بحزن وأسى .

نظرت في الزائرين فوجدت أحدهم يتفرج ليس إلا، والآخر يشتري الكتاب أو الكتابين، كرفع العتب عن الانسانية، والآخر يزهو ببضاعة مزجاة، والسمة العامة التي تطغى على المكان هي (الموت) .

موت الكتاب الورقي، فبعد قيام ثورة الاتصالات، والأجهزة اللوحية، والكتب الالكترونية، التي يمكن أن تكون بديلا قيما وفرصة عظيمة، لكن لا ينبغي أن تكون بديلا حقيقيا، الكتاب الورقي هو الأصل .
وقبل أن تقول وما الفرق من أراد القراءة قرأ سواء في الرائي أو الحاسوب أو في أي وسيلة أخرى، تطور كل شيء وأنتم لا تزالون تتمسكون بالكتاب الورقي .
أقول : اسأل كل القراء وقد توفرت لهم المعلومة مجانا هل ازدادت نسبة القراءة عندهم أم نضبت ؟ أجزم أن الجميع مجمع على أن البديل الالكتروني كسر عمود القراءة وأزرى بأهلها .
الناس لم تعد تقرأ، والشباب لم يعد مهتما إلا بالمعلومة السريعة المحتزأة، ولم يعد مهتما ولا يدرك قيمة الكتب ولا بقراءتها .
هل تصدقون أن بعض روايات نجيب محفوظ الروائي الكبير صاحب جائزة نوبل لم يطبع منها إلا طبعة واحدة ! وان بعض أهم الكتاب في العالم العربي والإسلامي لم يطبع لهم كتب بعد نفاذ الطبعة الأولى .
اسأل أصحاب المكاتب يخبروك عن واقع أليم ؟ واسأل الناس كم تقرأ في السنة ؟
الغاية طبعا ليست باقتناء الكتب والتزين بها بل قراءتها والعكوف عليها .
حدثني الدكتور شوقي أبو خليل -رحمه الله- المؤرخ والكاتب المبدع، وكان أن زرته في بيته، أنه قرأ مقدمة ابن خلدون وتاريخه أربع مرات، وأن كثيرا من الكتب قرأها عدة مرات منها ما يزيد على عشرة آلاف صفحة .
كنت تجلس إليه فتتمالكك صنوف الدهشة وكأنك تجلس الى مكتبة تمشي على الأرض. مع تواضع جم، وأدب رفيع .
حدثني الدكتور وهبة الزحيلي -رحمه الله- الفقيه المفسر الأصولي البحاثة، وكان أن زرته وقد جاوز الثمانين، فقال لي لا أعرف أني أمضيت زمنا ( في الغالب) حتى لا أكون مبالغا، إلا بالمطالعة والتأليف واليوم وقبل وصولك قرأت أكثر من ست ساعات وكتبت بيدي ما يزيد عن ثلاثين ألف صفحة . وكتبت بفضل الله وكرمه كل ما تمنيت أن أكتبه وحققت كل ما رغبت في تحقيقه ، يقصد في المجال العلمي ..
قلت : أين طلاب العلم من هذا ؟ في زمن صار فيه طالب العلم المنوط به حمل الرسالة يعجز أن يتم مقرارته الملزم باتمامها .
لفت نظري تهافت بعض الزائرين كالذباب على يوتيوبرز مشهور يحمل علم بعوضة ، لا ينفع للسيف ولا للضيف ولا لغدرات الزمن، وفي الناحية الأخرى يمشي عالم متمكن ودكتور في الشريعة الإسلامية، محقق مدقق وثبت متمكن قل نظيره، لا يعرفه جل الحضور ولم يسمع به أكثرهم .

خطر سمعي جدال وتعال للأصوات لدرجة رافقها بعض الشتم واللعن والطعن، فاقتربت لأجد شابين أحدهما إخواني والآخر سلفي يتجادلان في مسألة أكل الزمان عليها وشرب، ومن حولهم أناس لا يعرفون فيما يختصمان .
لفتت نظري وأنا أتجول صور المؤلفين في إعلانات الكتب، كثير منهم ويا لحسرة الأيام يقبع الآن في سجون الأكشاك العربية، أو يرزأ تحت سطوة المنفى بعيدا، شريدا، طريدا، أو يعمل بأبعد ما يكون عن مجاله ليؤمن الخبز لعياله، أو تم إعدامه بتهمة الرأي وإيقاظ الناس، في بلاد تحارب كل من يفكر أن يوقظ الأمة أو يحرك الخير، أو يعيد للإسلام دولته وصولته .
سيد قطب، الكشك، المودودي، سفر الحوالي، سلمان العودة، موسى القرني، علي الخضير، الطريفي، العلوان، المديفر … وقائمة تطول .
لفت نظري أن كثيرا من الكتب موجودة على اختلاف توجهاته فهذه ليست سوريا ولا العالم العربي ، ليس ثمة هنا منع للرأي الآخر ولا الحرية، ولا مصادرة العناوين .
هنا لا يوجد ضابط بعثي سمع أن السلفيين من اتباع ابن تيمية، فدق الجرس وأمر جنوده بالقبض فورا على ابن تيمية وابن القيم وإحضارهما إلى الفرع .

وأنا في معرض الكتاب لم أشعر سوى أنني في مشرحة، الكتاب فيها مسجى على الرفوف، و تليها صالة مجالس العزاء تليها أماكن الصلاة ومراسم الدفن، والناس تتنقل بينهما وكأنهم في مقبرة يشاهدونها ويعبرون .

رحم الله (الكتاب الورقي) وأحسن عزاءنا فيه فهذه (مقالة نعي) ولا أدري هل ستتغير الأيام بعدها أم لا، ليست نظرة إسراف بل واقع مرير، فأنا لم أتمنى أن أكون مخطئا في التوصيف في حياتي كما تمنيت الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 2/2

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم الحرية …