أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سفير الإجرام روبرت فورد يبق البحصة ولادة دولة “روجوفا” بحماية أمريكا !

سفير الإجرام روبرت فورد يبق البحصة ولادة دولة “روجوفا” بحماية أمريكا !

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

أخيرا بق السفير الأمريكي في دمشق(سابقا) روبرت فورد ، في مقالته المنشورة في الشرق الأوسط الخميس 7 اوكتوبر 2021)، “البحصة” مبشرا بأنه “في ظل هذا المأزق، ستتطور الإدارة الذاتية( في شرق الفرات) لتصبح دويلة صغيرة بحكم الأمر الواقع تحت مظلة عسكرية أميركية”[1].

فورد، شأنه شأن أقرانه من الساسة الأمريكان، عمل ببراعة على تبرير مسلسل نوائب(جمع نائبة أي مصيبة) السياسة الأمريكية في سوريا. وهذا هو المتوقع منه، ومن أمثاله، اي “تهوين سكرات الموت” الموت الذي تجسد أمام أنظار العالم بالصوت والصورة عبر عقد من سياسات الإجرام لبشار الأسد الذي لم يدع وسيلة شيطانية جهنمية إلا واستعملها في تحقيقه لتهديد ابن عمته رامي مخلوف(في مقابلته مع نيويورك تايمز في 9-5-2011) “الأسد أو نحرق البلد”.

ورغم أن الجرائم التي لا تحصى لنظام الأسد وثقتها الاف الفيديوهات وكثير منها بالبث المباشر، بخلاف مجزرة أبيه وعمه رفعت في حماة 1982 التي ارتكبت في وقت لم تتوافر فيه وسائط النقل عبر الانترنت، إلا أن إدارة أوباما قررت التحفظ  على ال 55 ألف صورة التي سربها “قيصر” لجثث ضحايا الأسد في الدرج، حتى جاء عهد ترامب فتم تشريع “قانون قيصر” في ديسمبر 2019.

وكان على أوباما أن يبلع تهديده لنظام الأسد بعدم تجاوز الخط الأحمر باستخدام السلاح الكيماوي في قمعه للشعب الثائر على طغيانه. وبعد وقوع الهجوم الكيماوي في الغوطة في أغسطس 2013 عمل أوباما بنصيحة مستشاره دينيس ماكدونو في إيجاد “تخريجة” تنقذ ما تبقى من ماء الوجه، وذلك بالاتفاق مع روسيا للترويج لكذبة تعهد النظام بالتخلي عن السلاح الكيماوي، هذه الكذبة التي روجها اوباما بأنها إنجاز للسياسة الأمريكية. وهذا ما فسر تهرب أوباما من مواجهة حقائق صور “قيصر” الدامغة.

نعم كانت، وما تزال، الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعلم يقينا وبالتفصيل الممل لما ارتكبه نظام الأسد من جرائم يندى لها الجبين ويسربل تمثال الحرية المنصوب في نيويورك بالخزي والعار، لو كان لهم ضمير.

ولكن واقع الدول أنها ترسم سياساتها بمنطق بارد، أي بلغة المصالح وحسابات الربح والخسارة وليس بمنطق الضمير الإنساني المتباكي على الضحايا الذي هو ملاذ الضعفاء. وهكذا نجد أن جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي  الخاص بسوريا، صرح مرارا وتكرارا بأن “السياسة الأمريكية في سوريا ناجحة على المدى  البعيد”. فجيفري، وفورد وأضرابهم من مبعوثي الإجرام الأمريكي، لا يعنيهم سقوط مئات الآلاف من ضحايا نظام بشار ومعاناة عشرات الألاف في السجون الوحشية، وإنما يعنيهم تحقيق المصلحة الأمريكية التي لا يوجد في قاموسها مفردات المعاناة الإنسانية الهائلة لضحاياها من فيتنام الى أفغانستان إلى سوريا والعراق ومصر وفلسطين وغيرها(كما في أمريكا اللاتينية، بل وفي العالم كله حيثما حلت أجهزة المخابرات الأمريكية وادواتها من الحكام المحليين).

فها فورد، الذي غالبا ما روّج لنفسه بأنه مناصر لمطالب الشعي السوري المحقة، وأنه “ناصح أمين”، يجهد في تبرير ما ترسمه أمريكا في سوريا، خاصة لجهة تكريس الكيان اللقيط لروجوفا في شرق الفرات ، والعمل على مدّه بأسباب البقاء والحياة عبر فرض حماية أمريكا له، بالشراكة مع روسيا، بل وأوروبا. ف “المأزق” الذي أشار إليه فورد هو حجته الساقطة لتبرير ولادة الدويلة الصغيرة بحكم الأمر الواقع تحت مظلة عسكرية أميركية”. وهو يشير هنا إلى ضرورة حماية “روجوفا” من بطش نظام دمشق (المتهالك والذي لا يستطيع الوقوف على قدميه لولا الدعم الأمريكي له بتسخير  عصابات ايران و روسيا لحمايته)، مع أن الخطر الحقيقي على روجوفا لا يأتي من ذيل أمريكا في دمشق، بل يكمن في غليان الغضب في أنقرة مما تَحذر منه من ولادة كيان كردي ترى فيه تهديداً وجودياً لأمنها القومي.

وفي هذا السياق جاءت دعوة فيلسوف الإجرام الصهيوني هنري برنارد ليفي السافرة[2] إلى ضرورة تحقيق العدالة بمنح الأكراد دولتهم التي حُرموا منها،بزعم هذا الأفّاك، الذي ترفض حكومته الفرنسية أي تلميح للاعتراف بماضي فرنسا(بلد الأنوار الممكذوبة) الإجرامي في الجزائر أو غيرها من ضحاياها.

وعلى إثر الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان دارت شكوك قادة قسد فيما كانت واشنطن تفكر بالانسحاب من سوريا أيضا تاركة إياهم فريسة سائغة أمام الغضب التركي، فقد سبق لترامب أن اعطى الضوء الأخضر لتركيا لشن عملية “نبع السلام”. ولكن ترامب ،الذي أراد باستمرار سحب القوات من سوريا وأصدر اوامره ، في ثلاث مرات، بذلك مما أحدث ضجة عارمة من سخط القادة العسكريين ومن الساسة الأمريكان، ومن ذلك استقالة بريت ماكجورك وكذلك استقالة جيمس ماتيس وزير الدفاع…ومع ذلك،كما صرح جيمس جيفري، فقد راوغ الساسة ورفضوا تنفيذ قرارات ترامب، تارة بحجة مكافحة داعش،الشماعة المفضلة لتبرير التواجد العسكري في سوريا، وما يفضح كذبهم هو أن أمريكا انسحبت من أفغانستان برغم التهديد المستمر(كما يزعمون) من تنظيم الدولي-فرع خراسان والذي يعد أخطر فرع لتنظيم الدولة الاسلامية، وتارة بحجة حماية حقول النفط في وجه مطامع نظام دمشق وغير ذلك من الحجج السخيفة التي لا تنطلي على أي قصير النظر في السياسة. ولكن ما يهم القادة الامريكان هو تقديم الحجج حتى ولو لم تكن مقنعة،فأمريكا، في الأخير، لا تحتاج لإقناع أحد بأكاذيبها[3]. وقد أقر فورد، في مقالته في الشرق الأوسط،ب”أن أحداً لا يعتقد حقاً أن بضع عشرات من مقاتلي «داعش» بإمكانهم الاستيلاء على حقول النفط والسيطرة عليها لأكثر من يوم أو يومين”.

 وبرغم ذلك مضت أمريكا في ضخ المزيد من العتاد العسكري بكافة أصنافه لصالح قسد شرق الفرات، وكنت في مقالة سابقة[4] حذرت مما تحضره أمريكا، وجاء فيها:” لعل أمريكا هي التي تحضّر الأرضية اللازمة لتفجير صراع دامٍ قد لا يبقي ولا يذر؟ وهناك الكثير من عوامل التفجير الجاهزة لذلك! ولعل أخطرها أن يشكل كيان مايسمى بـ” روجوفا “الكردي شرق الفرات رأس حربة تطال شظاياها العمق التركي الذي يحتضن 16 مليونًا من الأكراد.”

والمأزق الذي أشار إليه روبرت فورد في مقالته  برره بقوله”المؤكد أن الإدارة(المستقلة لشرق الفرات) لن تقدم تنازلات بخصوص الحكم الذاتي، بجانب أن الأميركيين لن يتمكنوا من إجبار الأسد على تقديم تنازلات. وفي ظل هذا المأزق، ستتطور الإدارة الذاتية لتصبح دويلة صغيرة بحكم الأمر الواقع تحت مظلة عسكرية أميركية”.

إذن يريدنا سفير الإجرام فورد أن نصدق دجله وكذبه بأن واشنطن “عاجزة” عن إجبار الأسد على تقديم تنازلات للوصول إلى حل سياسي عادل منصف الشعب السوري المنكوب وفق القرارات الأممية الشهيرة وعبر عشرات الجولات من مبعوثي الإجرام الأمريكي من…إلى غير بيدرسون، وصولات وجولات من فيينا إلى جنيف الى آستانا…ساهم في ترويج هذا الخداع والتضليل والكذب من زعموا أنهم ممثلو الثورة في سوريا!! وطبعا لا ننسى دور “الضامن” التركي الذي تأكد من استمرار قضم النظام للمناطق المحررة في طول البلاد و عرضها، تحت عنوان “خفض تصعيد العنف” ،يعني هناك تصعيد للعنف (أي عنف؟؟ وماذا يعني) ولكن يعمل الضامن على “تخفيفه”!

أما نكتة “عجز” واشنطن فيفضحها تصريح فورد نفسه عشية ترقب قيام أوباما_الكيماوي، بتنفيذ ضربته الصاروخية وفاء بعهده بأن السلاح الكيماوي يُعد خطاً أحمراً، سيكلف النظام غالياً…وقد غادر وزير الخارجية يومها جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل البيت الأبيض إلى بيوتهم مترقبين سماع نبأ الهجوم الذي تم إقراره في اجتماع الادارة، لولا أن دينيس ماكدونو تمكن من إقناع اوباما بأن هذه الضربة ستعني نهاية النظام،وهو ربيب واشنطن. فصرح فورد بأن كبار ضباط النظام ضبوا شنطهم واستعدوا للفرار بجلودهم من سفينة النظام الغارقة فيما لو وقعت الضربة، فاتصلوا به طالبين منه المشورة في خطوتهم التالية،قبل أن ينقذ ماكدونو رقبة النظام من المقصلة[5].

فواشنطن كانت ولا تزال تعمل على إنضاج الظروف الميدانية لتتمكن من فرض حلها المسموم في سوريا والمنطقة..وفي هذا السياق تم استقبال وفد “مسد” برئاسة إلهام أحمد في جولة ظافرة في أمريكا تم عقد سلسلة من اللقاءات  مع أعضاء في الكونغرس الأميركي وناقش معهم الميزانية الخاصة بدعم قوات سوريا الديمقراطية (ضمن ميزانية وزارة الدفاع الأميركية للعام ٢٠٢٢)  وخصصت وزارة الدفاع الأميركية حوالي 170 مليون دولار لتطوير قدرات “قسد” الأمنية والدفاعية وتأمين الحاجات المدنية الكفيلة بإرساء استقرار طويل الأمد في المنطقة.

بينما قال ديفيد بولوك، الباحث في معهد واشنطن إنه أجرى اتصالات مع عدد من مسؤولي إدارة جو بايدن، ولمس منهم رغبة أميركية في تمكين “قسد” من إرساء الاستقرار في المنطقة تحضيراً لمرحلة مستقبلية.وأضاف، في اتصال هاتفي لنورث برس، إن الولايات المتحدة في المرحلة المستقبلية تلك لن تكون متواجدة في المنطقة، “رغم أن المرحلة الانتقالية لها لن تبدأ قبل سنة أو ستة أشهر على الأقل”.

أما وفد المعارضة السورية فكان يتيماً إذ واجه استقبالا باردا، وحتى برت ماكجورك المكلف بالملف السوري تهرب من اللقاء بهم، رغم أنه احتفى بوفد مسد  في لقائه بهم.

ومن المعروف أن مجلس سوريا الديمقراطية(مسد)  أرسل وفدا عالي المستوى برئاسة إلهام أحمد لحشد الدعم السياسي من عواصم القرار في موسكو وباريس وواشنطن، وكانت لغة الخطاب دوما هي التركيز على المطالب المحقة المشروعة لقسد، وتغليب لغة الحوار و التفاوض السياسي على لغة الحرب والقتال، مع الإصرار التام على مطلب اللامركزية السياسية، وهو شعار مخفف للحكم الذاتي، وقد صرحت إاهام أحمد حيثما حلت في لقاءاتها بأن قسد:”نريد أن يتحول نموذج مجلس سوريا الديمقراطية إلى نموذج لسوريا المستقبل ضمن إطار سوريا لامركزية.”

وكان لافتا تصريحها لقناة روسيا اليوم، بعد زيارتها لفرنسا،  بأن” هناك من يشير أن الأمريكان يمنعوننا من التواصل والحوار وهذا بعيد عن الحقيقة، فالتعاون الأمريكي الروسي هو الأساس في البحث عن الحل المنشود”.

كل هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة توازت مع تعاظم الحشودات العسكرية التي قدمتها أمريكا لصالح قسد شرق الفرات.


[1]    https://aawsat.com/home/article/3230656/روبرت-فورد/الجنود-باقون-لكن-لا-حل-أميركياً-لسوريا

[2]  انظر تغريدته على التويتر في 8 اوكتوبر 2021 https://twitter.com/BHL/status/1446404430748868612 إذ يقول:” لقد قدم الأكراد تضحيات جسام لتحقيق حلمهم بإقامة دولة كردستان الحرة المستقلة. آن الآوان لتحقيق العدالة للأكراد. في كتابي (الارادة لتحقيق الحلم) استعرض المجهودات الجبارة للمقاتلات الكريدات في سبيل إقامة روجوفا”. وقد قام ليفي بتقديم نسخة من كتابه للجنرال مظلوم عبدي قائد قوات قسد.انظر https://nedaa-post.com/article/Art6501w7rgujtI

[3]  لم ولن ننسى اكذوبة أسلحة الدمار الشامل: Weapons of Mass Destruction والتي ثبت للعالم أجمع أنها أسلحة الخداع الشامل Weapons of Mass Deception ومع ذلك فكل ما احتاج جورج بوش لتبرير إجرامه هو القول أنه تلقى تقارير مخابرات خاطئة عن أسلحة صدام حسين، وكأن هذا الكذب المهين يصلح بلسما لجراح عشرات الألاف من ضحايا الإجرام الأمريكي في العراق، ومعاناة الشعب الأمريكي المستمرة حتى اللحظة.

[4]  يرجى مراجعة مقالتنا “أهداف السياسة الأمريكية في شرق الفرات” على موقع الرسالة بوست: https://resalapost.com/2021/03/26/%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AA/

[5] علي القاريء الكريم أن يدرك أن قيام ادارة ترامب في 7 نيسان 2017 بقصف مطار الشعيرات كان مجرد حركة بهلوانية لم تغير شيئا ولا كان المراد لها ان تغير شيئا، وواقع النظام في آب 2013 كان يختلف جذريا عن واقعه في نيسان 2017 بعد استعادته مدينة حلب وبعد أن نزلت روسيا بثقلها  العسكري الى جانبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

انتخابات العراق المبكرة القشة التي قصمت ظهر إيران 5

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري الجزء الخامس قراءة في …