أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كيف يمكن أن تكون نهاية الإنترنت هي نهاية العالم؟

كيف يمكن أن تكون نهاية الإنترنت هي نهاية العالم؟

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

للتَّذكير بداية، نحن نتساءل: ماذا لو انتهى الإنترنت؟! أي انتهى كليًّا. ولا ننظر في التَّعطُّل أو التَّوقف لساعةٍ أو ساعات أو أكثر، ولا في التَّوقُّف الجزئي لهٰذا الموقع أو ذاك مهما بلغ من الأهميَّة… وإن كنَّا سنمرُّ بذلك عرضاً للضرورة في أثناء الكلام.

دعوني أخبركم في البداية أمراً قلَّ من يعرفه في أرجاء العالم.

كيف عرفته أنا إذن؟ سؤالٌ طريف بالتَّأكيد. قلت قلَّ من يعرفه ولم أقل لا يعرفه أحد. وقد علمته من عالم مختص في ذٰلك ذٰلك الحيز. وأبدأ بتمهيدٍ له من معلومات قد تكون عامَّة.

الأمر الذي يعرفه الجميع تقريباً هو أنَّ شبكة الإنترنت ليست بالجديدة أي المرتبط عمرها بعمر انتشارها كما يحسب الكثيرون، وإنَّمَا هٰذه الشبكة أقدم بكثير من ذٰلك. هي في الأصل قاعدة بيانات المخابرات الأمريكيَّة منذ الستينيات، ولذٰلك فإنَّ المسيطر الوحيد علىٰ الإنترنت في العالم هو المخابرات الأمريكيَّة كما يعلم  الجميع، وقل: الولايات المتحدة الأمريكيَّة فلا فرق في النَّتيجة بَيْنَ الدَّولة ومخابراتها.

عندما تمَّ تعميم الإنترنت ووضعها تحت تصرُّف الجميع بدأت الولايات المتَّحدة تفقد السَّيطرة علىٰ المعلومة المنشورة وانحسرت قدرتها علىٰ تقييد فهم المتلقي أو القارئ بما تريده من تحديد للمفاهيم: أفكاراً ومفاهيم واصطلاحات وأشخاصاً، وصار يتمُّ تصحيح البيانات من قبل أصحابها أو أتباعها أو حياديين، وصرت تجد نفسك أمام عشرات التَّعريفات للمفهوم أو الاصطلاح أو الفكرة أو الشَّخص… وكثير منها يخالف القناعات الأمريكيَّة وبنية العقلية الغربيَّة، وهٰذا ما بات يشكِّل خطراً علىٰ العقليَّة الغربيَّة وقناعاتها ومفاهيمها وتعريفاتها بطريقة أو بأُخْرَىٰ.

هٰذا الأمر دعا الأمريكان تحديداً إلىٰ التَّفكير جِديًّا بإعادة تأسيس شبكة جديدة وإلغاء الشَّبكة القديمة. من أجل إعادة وضع الأمور تحت  السَّيطرة من جديد، وإعادة التحكم بالمضمون علىٰ النَّحو الذي ينسجم مع التَّصورات الغربيَّة عامَّة والأمريكيَّة خاصَّة. فتعريف الإسلام مثلاً يجب أن يبقى هو فقط التعريف الغربي للإسلام وليس ما يراه ولا يريده المسلمون، وليس كما هو الإسلام حقيقة. هٰذا مثال وتابع علىٰ هٰذا المنوال. ولا أبالغ إذا قلت إن أكثر من تسعين بالمئة من المفاهيم المغلوطة التي لا يريد الغرب تصويبها تتعلق بالإسلام تحديداً… والبقية هوامش قابلة للأخذ والرد.

إلغاء الشَّبكة القديمة لا يحتاج شيئاً سوَىٰ تغيير المفتاح؛ أي بدل أن يكون (www) يكون أيَّ حرفٍ آخر، أو حَتَّىٰ تغيير حرفٍ واحد من بَيْنَ الحروف الثلاث السَّابقة المكرَّرة. الأمر ليس معضلة. وهٰذا يعني أنَّ إلغاء شبكة الإنترنت لا يحتاج عناءً يذكر فيما لو أرادوا ذٰلك. وهٰذا أمر يعرفه المختصون والمتابعون. فمجرد تغيير رقم واحد في (الآي بي) يحول بَيْنَك وبَيْنَ دخولك إلىٰ الموقع، وبالمثل يمكن التَّعميم. ولأُبسِّط لك الأمر أكثر: (الآي بي) يشبه رقم الهاتف في المبدأ، ولٰكنَّهُ سلسلة رقميَّة وحرفيَّة أطول بكثير كي يستوعب عدداً أكبر من المستخدمين أي الذين يمثل هٰذا (الآي بي) هويتهم الرقمية. فإذا غيرت رقماً واحداً من أرقام الهاتف الذي تطلبه فسيردُّ عليك بالضرورة شخصٌ آخر غير الذي طلبته أو لا يرد أحد فيما لو كان الرَّقم غير مخصص. وهٰذا هو (الآي بي)، فتغيير رقمٍ واحدٍ منه إمَّا أن يدخلك إلىٰ موقع آخر مختلف، أو يعطيك أنَّ الموقع غير موجود.

وقد تمت التَّجارب ونجحت وتمَّ بالفعل نقل البيانات إلىٰ المعرِّفات الجديدة استعداداً للانقلاب علىٰ الشَّبكة القديمة… ومن باب الاحتياط أيضاً.

ولٰكن حدث ما لم يكن في  الحسبان، علىٰ نحو لم يكن مفاجئاً ولٰكنَّ التَّسارعات المذهلة في تطوراته هي التي كانت مفاجئة. إنَّهَا التَّطورات التي حدثت بسبب مواقع التواصل الاجتماعي علىٰ نحو الخصوص، ويوجد غيرها بالتأكيد، هٰذه التي حولَّت الإنترنت إلىٰ نشاط اقتصادي مريع استحكم بمفاصل النَّشاط العالمي الاقتصادي والتّجاري وغيره كثير. وأدت إلىٰ أن تفرض هٰذه المواقع بقاء الشَّبكة القديمة كما هي وغضَّ النَّظر عن الاستبدال، وهٰذا ما فرض التَّفكير في إيقاعات جديدة وإيجاد تطبيقات جديدة تجعلهم يتمكنون من تعويض فكرة الاستبدال بالقدرة علىٰ التَّحكم به بطريقة أو بأُخْرَىٰ وهٰذا موضوع آخر كان لنا فيه كلام.

والسؤال الآن: ماذا توقف الإنترنت كليًّا؟ 

عشرات بل ربَّمَا مئات المواقع والتطبيقات تتعطل يوميًّا أو تقف لدقائق أو ساعات أو تنتهي كليًّا ولا أحد يدري بها إلا من كانوا علىٰ صلة بها، بعضهم يتأثر، وبعض يربح، وبعضهم يخسر… وتنتهي الأمور والآثار سريعاً من دون أن تتحدث علىٰ ذٰلك أي وسيلة إعلامية… ومن دون أن يدري بذلك إلا العشرات أو المئات أو ربَّمَا الآلاف الذي لا يدري أحد بهم ولا بالمواقع ا لتي تعطلت وهم يعرفون أَنَّهَا تعطلت.

نحن هنا أمام المثل الشائع: أمران لا يدري بهما أحد: «موت الفقير وفاحشة الأمير». لأنَّ هٰذه المواقع والتطبيقات ليس مركزية، وليست عالمية، وجمهورها صغير أو قليل فإنَّ أحداً لا يدري بها، ولا يهتم بها. ولٰكن إذا توقف أو تعطل موقع مركزي مثل الفيس بوك أو التويتر أو أضرابهما لمدَّة خمس دقائق فإنَّ الكرة الأرضية تدخل في حالة هستيرية، وتتضرَّر المصالح، وتضيع المليارات من الدولارات… وتندلع حملات التحليل والتأويل والتفسير، وينشغل العالم في البحث عن الحلول، وكيفية تلافي هٰذا الخطأ وتجنب التقصير…

هٰذا ليس تخميناً ولا تقديراً. هٰذا ما وقع مرات عدة. المواقع المركزية هٰذه، في حقيقة الأمر تعرضت لأكثر من توقف أو تعطل في بداياتها، ولم ندر عنه شيئاً وإن درينا ما بالينا. ولٰكنَّهَا منذ تضخَّمت وتحولت إلىٰ ما يشبه الأوكسجين للناس وأدمت الناس عليها صار أي تعطل لأيٍّ منها لمدة دقائق يثير زوبعة من التوتر والقلق في أرجاء العالم. ربَّمَا كانت أول ظاهرة من هٰذا النوع هي عندما تعطل الفيس بوك بضعة ساعات في أواسط عام 2015م.

ومنذ ذٰلك الحين ظهر السؤال: إذن ماذا لو انتهى الإنترنت أو لم يعد يعمل؟!

وكلما حدث مثل ذٰلك التوقف في هٰذا الموقع أو أحد أضرابه ظهر السؤال ذاته من جديد.

الطريف في الأمر، والذي يدل علىٰ قصر النظر، وفقدان القيم، هو أنَّ هٰذا السؤال مع طرحه بهذا الشكل وغيره من الأشكال، ظل مرتهناً بتعطل الفيس بوك أو الانستغرام أو اليوتيوب… ولم يرق إلىٰ جزء من دلالة السؤال بحد ذاته. وكأن الإنترنت هو الفيس بوك أو التويتر…

إلا أنَّ نقطة انطلاق السؤال تظل سليمة  علىٰ أي حال. إذا كان توقف الواتس أب أو الفيس بوك أو التويتر أو اليوتيوب أكثر من ساعة يجعل العالم يقف علىٰ رؤوس أصابعه توتراً وهلعاً وضجراً وتبرماً… فماذا يمكن أن يحدث فيما لو توقف الإنترنت كله وزال من الوجود؟! ماذا يمكن أن يكون؟!

بناء علىٰ نتائج توقف أحد التطبيقات المركزية العالمية السَّابقة يمكن توقُّع بل يفترض بل يجب أن تكون نتائج كارثيَّة تفوق الخيال وتفوق القدرة علىٰ الاحتمال.

فما مدى صحة ذٰلك؟!

المهووسون بمواقع التواصل الاجتماعي، وهي التي هدمت التواصل الاجتماعي علىٰ عكس اسمها، سيكونون تشاؤميين بالضرورة، يتخيلون أن البشرية ستعود إلىٰ العصر الحجري أو ما هو بحكم العصر الحجري.

في المقابل هناك، وهم أيضاً من المهووسين بالإنترنت عموماً، وبعضهم من الخبراء، يقولون باستحالة انتهاء وزواله الإنترنت تماماً. إن كان الفريق الأول لا ينكرون أَنَّهُم يتخيلون ما سيحدث تخيلاً لا يقينا، فإن أصحاب الفريق الثاني يتسمون بوثوقية وقد تكون عمياء.

الفريقان كلاهما واهم. لا يوجد أبداً ما يمنع أن يتوقف الإنترنت كله توقفاً كليًّا تامًّا. ليس بقرار أمريكي بالضرورة، قد يكون بأسباب أُخْرَىٰ ليست قليلة. المعطيات البرمجية والمنهجية والعلمية تقول بشبه استحالة توقف الإنترنت وزواله، تقول بشبه استحال ذٰلك ولا يمكن أن تقول باستحالة ذٰلك.

وأما أن تعود البشرية إلىٰ العصر الحجري أو ما في حكمه، إذا توقف الإنترنت كليًّا وزال من الوجود، فهٰذا وَهْمٌ أيضاً لا أساس له من الصحة. 

كل ما سيكون أَنَّهُ ستحدث اضطرابات وفوضى علىٰ المستوى العالمي في أشياء كثيرة وعلىٰ مختلف المستويات، تبدأ من المستويات الشخصيَّة الفردية، فالجمعية، مرمراً بالمجتمعية، وصولاً إلىٰ حركة الاقتصاد والمال والإجرءات الإدارية والحكومية. وهٰذه الفوضى، وهٰذه الاضطرابات،كلها سيتم تجاوزها وتتم السيطرة عليها تدريجيًّا. ولن تعود الحياة إلىٰ ما قبل تعميم الإنترنت واستحكامه في مفاصل العلاقات الدولية الداخلية والخارجية… بل ستعود إلىٰ ما هو أفضل من ذٰلك وبما يليه بسنوات، لا يمكن هدر المكتسبات التي تمت عبر هٰذه السَّنوات العشرين تقريباً. 

هٰذا ما سيكون ولن يكون أسوأ من ذٰلك بأيِّ حال من الأحوال. بل الحقيقة المتوقعة والمرجعة والمتمناة هي أنَّ الأمور ستكون أفضل بألف ألف مرَّة مما هي عليه الآن علىٰ الصعيد الشخصي والنفسي والاجتماعي والمجتمعي. الارتكاسات الفردية سيكون لها انعكاسات سلبية علىٰ الأفراد أنفسهم وعلىٰ محيطهم القريب ولن تتعدى إلىٰ بيئتهم الأوسع من محيطهم الشَّخصي. والارتكاسات الفردية هٰذه موجودة منذ تكونت المجتمعات البشرية. أعني أَنَّهَا في المبدأ لن يكون فيها من جديد، الجديد هو فقط سبب الارتكاس.

ولٰكن، هل هٰذا فقط ما سيحدث؟!

نعم هٰذا فقط ما سيحدث. ولٰكن عليك أن تضع في الاعتبار هٰذه الهوة من السنين وماذا حدث فيها. كل ما حدث في هٰذه الفجوة الزمنية المتمثلة بعشرين سنة علىٰ الأقل فإِنَّهُ سيزول أيضاً. فكر قليلاً فيما حدث بسبب الإنترنت عبر السنين العشرين المنصرمة ويمكن أن تصل إلىٰ التغيرات التي ستحدث. هي خسائر بالمجمل ليست كلها للبشرية فأكثرها لأشخاص، وقليل غير قليل الأهمية للبشرية بالعموم.

إذن إذا انتهى الإنترنت وزال سيؤدي إلىٰ نوعين من الخسائر. خسائر علىٰ مستوى الأشخاص وخسائر علىٰ مستوى الخدمات للبشرية. 

خسائر الأشخاص ستكون ماديَّة بالضَّرورة، ماليَّة بالضَّرورة. ومن ذٰلك علىٰ سبيل المثال أنَّ مواقع الإنترنت المركزية وأغلبها هي ما يسمَّىٰ مواقع  التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والواتس أب والانستغرام والتويتر واليوتيوب والجوجل وأشباهها فإنَّهَا ستخسر في اليوم الأول فقط مئات مليارات الدولارات من الأرباح سواء من الإعلانات والتصفح والعملاء. وفي اليوم التالي لن تكون هناك خسائر جديدة، لأنَّ العداد قد توقَّف في الأمس… فيما لو كانوا يعلمون أن تلك كانت النهاية، أما لو انعدمت المعرفة في أنَّ هٰذه هي النهاية فكل يوم سيظنون أَنَّهُم يخسرون مئات المليارات هٰذه من الدولارات. ولٰكنَّهُم بطبيعة الحال لن يخسروا ما لديهم من مال. وبطبيعة الحالأيضاً فإنَّ الشَّركات المشغِّلة لهٰذه التَّطبيقات ستتوقف عن العمل وتزول من الوجود بصفتها وتخصيصها، وهٰذا لا يعني عدم تحولها إلىٰ شركات أعمال أُخْرَىٰ مختلفة.

أما خسائر البشرية فهي علىٰ مستويات مجتمعية. وهي خسائر خدمية وحسب وليست ربحية. فتوقف الإنترنت وزواله سيعني بالضرورة وليس بالحتمية توقف الأتمتة أي استخدام شبكة الإنترنت في الخدمات المصرفية والتحكم بإدارة الخدمات مثل الكهرباء، والماء، والصَّرف الصِّحِّي، وبعض الخدمات الحكومية للمواطنين في بعض الدول، وبعض وسائل النقل في عدد من الدول… وذلك كله مما كان يعمل ويدار قبل وجود شبكة الإنترنت، بما يعني أنَّ الأمر لن يكون معضلة، ولا يوجب هٰذا القلق والتوتر… قد تستغرق المعاناة يوماً أو أياماً ولٰكنَّهَا سرعان ما ستنتهي… ستنتهي بكل تأكيد.

بعض يتخوف من فساد المواد الغذائية في البرادات والثلاجات. إنَّهَا تعمل علىٰ الكهرباء حَتَّىٰ وإن كان التحكم بها عن طريق الإنترنت. وبعضهم يخاف علىٰ الإنتربول الدولي وكأن الإنتربول هو الذي يحفظ العالم من الفلتان الأمني… كل بضعة سنوات حَتَّىٰ نسمع أن الإنتربول فعل شيئاً ما لا يبالي به أحد.

لا شك في أَنَّهُ ستكون هناك خسائر أُخْرَىٰ متنوعة تندرج تحت أحد القسمين السابقين أو ربَّمَا خارجهما كليهما… ولن لن تكون أخطر ولا أكبر مما تم ذكره، من قبيل فقدان مئات الألوف أعمالهم وربَّمَا الملايين. وهٰذا أمر مؤكد، ولٰكنَّ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الإنترنت الذي شغل هٰذه الملايين أدى إلىٰ خروج عشرات أضعافهم من العمل، بما يعني أنَّ انتهاء الإنترنت وزواله سيعيد الملايين إلىٰ العمل بأعداد تفوق أعداد الذين سيتعطلون عن العمل، وهم أنفسهم يمكن أن يكونوا من الحاصلين علىٰ فرص عمل جديدة.

لا تهوِّلوا في آثار زوال الإنترنت إن حصل يوماً ما. قد يحصل وقد لا يحصل. لا يوجد ما يقطع بزواله كما لا يوجد ما يقطع باستحالة زواله. لا أحد يريد زواله ولٰكن لا أحد يستطيع منع زواله إن حصل. أسوأ ما يمكن أن يكون هو العودة عشرين سنة إلىٰ الوراء مع المحافظة علىٰ مكتسبات هٰذه العشرين سنة علىٰ مستويات مختلفة فيما خلا وجود الإنترنت فيها.

ولٰكنَّ السؤال الأكثر خطورة الآن هو: 

ماذا لو انتهى الإنترنت وزال بعدما يفسد ما يفسد مما لا يمكن إصلاحه، أو يتعذر إصلاحه… أو في أحسن الاحتمالات يحتاج إصلاحه إلىٰ سنين طويلة فعليًّا أو نسبيًّا؟!

قد تكون الصورة غير واضحة لبعض قليل أو كثير. لي كتاب صدر قبل نحو عشرين سنة اسمه: الثورة التقانية وتغير القيم، وعنوانه الأول: هو: آفاق التغير الاجتماعي والقيمي. وهو يتناول أثر الثورة التكنولوجية والأجهزة الذكية في تغير القيم الفردية والاجتماعية، ومن هٰذه الآثار كان أثر الأجهزة الذكية في تدمير العقل البشري والطاقات العقلية البشرية.

الكل يحسب أنَّ الكمبيوتر والهواتف الذكية تخدم الإنسان، وهٰذا صحيح في جانب، ولٰكنَّهَا تأكل عقل الإنسان ومهاراته وقدراته، وتحوله تدريجيًّا إلىٰ آلة ميكانيكية غبية لا ذكية. وتدريجيًّا سيتحول إلىٰ كتلة من البلاهة الاتكالية تنحط به إلىٰ ما دون عالم الحيوان. ولا مبالغة في ذٰلك بحال من الأحوال. وأصلاً وفصلاً كثيرون اليوم يرون بأم أعينهم مثل هٰذه التَّجسدات.

هٰذا وجه من أوجه الإفساد الذي يحتاج إصلاح إلىٰ عقود من الزمان لا إلىٰ محض سنوات قليلة. ضعه في ذاكرتك الآن ولننتقل إلىٰ وجه آخر.

معارف البشر المخطوطة محفوظة بطرق عدة ومحمية بشدة. ولٰكنَّهَا قديماً وحديثاً ليست في متناول أحد إلا بالمشقة والجهد المضني.

إذن لنذهب إلىٰ الكتب المطبوعة. توقف نشر الكتب بالطريقة التقليدية توقفاً كبيراً لا تاماً منذ نحو عشر سنوات، وتحول النشر من ورقي إلىٰ إلكتروني عبر دور النشر ذاتها. أي إن المعارف البشرية تحولت إلىٰ نسخ رقمية لا ورقية. وأيضاً هٰذه خطوة يمكن تجاوزها قليلاً أو نسبيًّا، فلنتركها جانباً ولنذهب إلىٰ الأخطر.

الأخطر مما سبق هو تحويل أو نقل المعارف البشرية من النسخ الورقية إلىٰ النسخ الرقمية. حسب الكثيرون أنَّ ذٰلك خدمة للبشرية، وكان كذٰلك إلىٰ حد كبير. ولٰكنَّ المصيبة التي رافقت ذٰلك تدريجيًّا وبدأت تظهر تجلياتها في السنوات القليلة الأخيرة هي ليس الاستغناء عن الكتب وحسب بل إتلاف الكتب الموجودة؛ ملايين الكتب الورقية يتم إتلافها شهريًّا في إرجاء العالم، ملايين الكتب المطبوعة صرت تلقى في حاويات القمامة؛ يموت الأب صاحب المكتبة، الورثة لا يجدون فيها ولا لها أي قيمة، وفق تصوراتهم، وتشكل عبئاً إضافيًّا في البيت، فلا أحد يرغب في الاحتفاظ بها، فتكون حاويات القمامة مكانها. يعرضونها للبيع أحياناً، ولٰكن لا أحد يشتري…

بعضهم يقول: أي المشكلة، طالما أَنَّهَا كلها صارت موجودة في الإنترنت، نسخاً رقميَّة؟!

نعم، هٰذا صحيح، وهٰذه هي مشكلتنا وموضع سؤالنا الأخطر: ماذا لو تلاشت الكتب الورقية وصارت كلها علىٰ الإنترنت، وتوقف الإنترنت نهائيًّا وزال؟!

أو ما يتبادر إلىٰ ذهني هو أنَّ الله تَعَالىٰ يرفع العلم من الدنيا علامة من علامات يوم القيامة. وما هٰذا بالمستبعد. ولٰكنَّ المهم من الناحية المنطقية هنا هو أنَّ توقف الإنترنت وزواله نهائيًّا بعد أن يفعل ما يفعل لن يعيد البشرية إلىٰ العصر الحجري. هٰذا مؤكَّد شبه يقيني. ولٰكنَّ المؤكَّد شبه اليقيني أيضاً هو أنَّ البشرية أكثرها ستتحول إلىٰ عبيد عند فئة قليلة لديها ما لديها من أدوات الاستعباد. ولا يفترق ذٰلك عن أهداف هٰذه الفئة القليلة في الاستغناء عن مليارات البشر والاقتصار علىٰ القليل الذي يكفي لخدمتهم، سواء من خلال التحكم البرمجي والشرائح الإلكترونية أو من خلال تغيير بالنية التفكيرية والقيم الشخصية والاجتماعية. في الحالية كليهما البشرية علىٰ مفترق طرق خطير بل أخطر من خطير. 

هٰذا في التصور النظري وتحليل البيانات والرغبات المعلن عنها من قبل تلك الفئات. أما ما سيكون بالفعل فأمره لله وحده: «‏وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 2/2

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم الحرية …