مقالات

تونس بين عودتين و رسائل إلى..

سفيان الحسن

باحث في السياسة والتاريخ
عرض مقالات الكاتب


تعيش تونس هذه الأيام معضلةً ومأزقاً سياسيّا واقتصاديّا مركّباً، وذلك مع إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد عن إجراءاته الاستثنائية الأخيرة في الخامس والعشرين من يوليو تموز الماضي، شملت تعليق عمل المجلس النيابي وحلّ الحكومة وجمع السّلطتين التّشريعية والتّنفيذية بيده لاحقا في تطور دراماتيكي وسط ذهول العديد من المراقبين والمحلّلين، فيما أنصار الربيع العربي في حالة ترقّب وتخوّف إلى ما ستؤول إليه الأمور في أول وأنجح تجربة ديمقراطيّة عربيّة، إن أخطر ما يجري الآن هو انقسام المجّتمع التونسي عمودياً، وبالتّالي فرز الناس بين مؤيّد ومعارض ومع مرور الوقت ستكون تكلفة تصحيح ومعالجة تبعات هذا الانقسام مكلفة ونتائجه سلبيّة على النسيج المجتمعي، إن محاولة الهروب للأمام بخطوات ارتجاليّة لفرض أمر واقع ليس آخرها تعيين السّيدة نجلاء بودن وهي من خارج مركز ألم ووجع التونسيين(الاقتصاد)، هذا وبعد أن راهن المراقبون بأنّه سيوكلها للتّكنوقراط، ورغم توصيات صندوق النّقد الدّولي والبنك الدّولي بضرورة إسناد هذا المنّصب لشخصية ذات مرجعية اقتصادية كمدير البنك المركزيّ التّونسيّ أو أي اقتصاديّ آخر، قادرعلى العمل والتّنسيق معهما وبالتالي محاولة إخراج البلاد من ضائقتها المالية واصلاح وضعها الاقتصادي، فهذه قناة الجزيرة تنقل عن صحيفة الايكونيمست قولها: إن الرئيس قيس سعيّد يكرر أخطاء من سبقوه، ويُدير البلاد بمراسيم جمهورية ولم يقدّم أي حلول اقتصادية، (وبالعودة لقرار تعيين امرأة في منصب رئاسة الحكومة لأول بتاريخ تونس فمن إحدى أهدافها دعم المرأة وإيجاد نوع من توازن الجندرة وهذا قد يكون مفهوما، لكن غير المفهوم تعليق عمل ثلاثة وخمسين امرأة هذا فقط في البرلمان ناهيك عن زميلاتهنّ في الحكومة)، ثم إن استخدام لغة الوعيد والتهديد والتّخوين وهذه الأجّواء المشّحونة المتشنّجة المرافقة لخطاباته، لا تخدم مصلحة البلاد ولا مسارها الدّيمقراطي، ولا وتؤسّس لمرحلة بناء وطنيّ حقيقيّ، بل سوف تأخذ البلاد إلى مكان لا تحمد عقباه، ثم كيف يتمُّ الإعلان بأنّ هذه الاجراءات الاستثنائية هي لحماية الثورة ومكتسباتها الممثّلة بمؤسساتها الدستورية، ويأتي بعدها أستاذ القانون الدّستوري بالإطاحة بكل هذه المؤسسات وتعطيلها باستخدام اجراءات غير دستوريّة وغير قانونيّة، وبمشهد تناقضي فاضح فالدّستور الذي أقسم عليه وأوصله لسدّة الحكم باطل، والحكومات التي عملت تحت رئاسته فاسدة (حكومتي الفخفاخ والمشّيشيّ)، ومع كل هذا وذاك لازالت أمام الرئيس قيس سعيّد فرصة تاريخية للتراجع عن هذه الاجراءات الاستثنائيّة، وإعادة الأمور إلى نصابها واستكمال المسار الدّستوري وذلك بإطلاق حوار وطني هادئ وشامل، لا يُقصى فيه أحد ولا يُستثنى أي مكوّن من مكوّناته، تُطرح فيه كافة القضايا على طاولة البحث بكل شفافيّة ومسؤوليّة وأوّلها الفساد، وعدم المراهنة على صبر الشّعب التوّنسي الذي قد ينتفض في أي لحظة ويقلب الطاولة على الجميع بثورة تفرز طبقة سياسيّة جديدة تقود البلاد، وتحاسب سابقتها على ما آلت اليه الأوضاع في تونس.
إلى الأحزاب التونسية: ثمّة جزئيّة يجب الانتباه إليها وهي أداء الطّبقة السّياسيّة الحاليّة، فهي في حالة تخبّط وضياع بوصلة واضح، وهذا قد يكون مفهوما، فما عاشته تونس في العشريّة الأخيرة من تخبّط سياسيّ ومناكفات حزبيّة وصراعات إيديولوجيّة، هو نتيجة طبيعية للتجربة الديمقراطيّة الوليدة، فالبلاد ترزأ تحت حكم الفرد الاستبداديّ منذ استقلالها في خمسينيّات القرن الماضي(1956م )،والتّصحر السّياسيّ لم يثمر ويزهر حتى جاء العام 2011م، وبدأت الأحزاب تمارس طفولتها السّياسيّة وتستعد للانتقال لمرحلة الرشد السّياسيّ وإذ بها تصطدّم بقرارات الرئيس الأخيرة لتجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: هو أنّها باتت أمام فرصة تاريخية تُفضي إلى إزاحة حركة النّهضة من المشهد السّياسيّ التّونسيّ (ومعها الإسّلام السّياسيّ برمته )، على يد الرئيس قيس سعيّد ومن معه، وخلو السّاحة بالتالي لها لكي تمارس عملها السياسي بدون منغّصات عند كلّ استحقاق دستوريّ، والتخلص من شبح خسارة الأغلبيّة الذي اعتادت عليه بوجود النّهضة في الغالب، لكن عليها عندئذ أن تضع أمام عينيها أن وجودها كأحزاب سياسيّة فاعلة في المشهد السّياسي التّونسي مستقبلاً، هو محض خيال لأنّها غالبا ستكون الهدف التالي بعد النّهضة، كما عليها أن تنسى العمل السّياسي وتعيش على ذكريات العشريّة الأخيرة، في ظل استمرار عملية التجريف السّياسي، وهي التي باتت نواياها واضحة في إعادة البلاد إلى المربع الأول، وعهد حكم الفرد الاستبدادي بدعم خارجيّ بات معروفا للقاصي والداني.
الخيار الثاني: وهو التّعامل بمسؤوليّة تاريخيّة ووعي سياسيّ استثنائيّ والتّعالي عن الخلافات السّياسيّة والحزبيّة ووضع مصلحة البلاد العليا ومكتسبات ثورة 2011م فوق كل اعتبار، وتشكيل جبهة سياسيّة موحّدة من كل الأحزاب والنقابات والاتّحادات وعلى رأسها (الاتّحاد العام التّونسي للشّغل)، والابتعاد عن التّحالفات الثّنائية أو الرّباعية، فنحن لسنا في صدد تشكيل حكومة وأغلبيّة برلمانيّة، والتّواصل مع المنظّمات والهيئات الدّولية ومؤسّسات المجّتمع المدنيّ، في الدّاخل والخارج والاتّفاق على برنامج عمل سياسي واضح، وخطوات تصعيدية مدروسة فالكلُّ معنيٌّ بهذا الاستحقاق الوطنيّ، فهي معركة إرادات وخيارات إستراتيجيّة كبرى، فتونس اليوم على مفترق طرق خطير، وشعبها مطالب بعدم السماح لأي جهة داخليّة أو خارجيّة بمصادرة قراره، وسرقة حُلمه في العيش بوطن حُرّ، سيد ، مستقل، مزدهر يليق بتضحياته وتاريخه.
إلى حركة النهضة: أنتم أمام فرصة تاريخيّة لتصحيح المسار وتقويم الأداء، فالاعتراف بالخطأ وحده لايكفي ولوكان فضيلة وجرأة محمودة، فلقد بات من الواضح بعد التّطورات الأخيرة أن المطلوب هو إمّا إقصاؤكم نهائياً عن المشهد السّياسي التّونسي أي؛ (رأسكم)، لكن بعد تغيّر موازين القوى في أفغانستان بتاريخ:15/ 8/ 2021م تمّ الانتقال للخيار الثاني أو الخطة (ب) وهو تحجيم دوركم على الأقل مؤقّتا، (وهذا ما سأبينه لاحقا في مقالاتي القادمة بإذن الله)، والمطلوب الآن هو الآتي: ترتيب البيت الدّاخلي للحركة وذلك بعقد مؤتمر عام بعد دعوة جميع (الأعضاء المستقيلين مؤخّراً)، ومن ثمّ إجراء انتخابات شاملة تفرز دماء جديدة وقيادات شابة فمن غير المقبول ديمقراطيا إذا جاز التعبير، أن يبقى الصّف الأوّل للحركة في رأس الهرم منذ عام 1972م،عندما تأسّست سراً وقتها باسم الجماعة الاسلاميّة أو حركة الاتّجاه الاسلاميّ مرورا بإعلانها رسميّاً بتاريخ 1981م، وتبقى نفس الأسماء تتكرر وتتناوب على قيادة الحركة، آخذين بعين الاعتبار تضحيات ونضال الجّيل المؤسّس وكل ما قدّموه للحركة ولتونس على المستويين الإنسانيّ والسّياسيّ، فقد يكون الإقدام على هكذا خطوة عامل تحفيز وتشجيع لبقية الطّبقة السّياسيّة التّونسية لتعيد هي أيضا هيكلة بيوتها الداخليّة وتقيّيم أدائها أولاً والتّواصل مع القيادات الجّديدة للحركة ثانياً، وبالتّالي تحريك المياه الرّاكدة في المشهد السّياسي التونسي برمّته، فاستحداث مكتب حكماء وخبراء للحركة تكون مهمته التوجيه والنصح عند الملمّات الكبرى التي تواجه الحركة، يديره الغنوشي وعبدالفتاح مورو وبقية القيادات التاريخية للحركة قد تمثل مخرجاً مقبولاً لإعادة هيكلة الحركة تنظيميّاً، وبالتّالي إفساح المجال للجيل الثّاني والثّالث لتّولي مسؤولية اكمال المسيرة، أمّا التّنظير والتّفاخر بقولكم إنّنا سبقنا الكثير من الأحزاب الاسلاميّة أو ذات المرجعيّة الاسلاميّة نحو المدنيّة والحداثة، أو مقارنة أنفسكم بالنّموذج الماليزيّ أو التركيّ والقول بأنّهما النموذجان الأقرب لكم، ثم إذا ما نظرنا للنتائج والإنجازات على الأرض وجدناها خجولة وخاصة الاقتصاديّة منها، صحيح أنّ تسلّمكم السّلطة لم تكن كمثيلاتها الماليزية والتّركية من حيث الفترة الزمنيّة، لكنّكم منذ عشر سنوات وأنتم إمّا على رأس الحكومة أو شركاء فيها، وهنا يبرز السّؤال المنطقي: لماذا لم يتحرّك الشّارع التّونسيّ لأجلكم ولأجل شركائكم السّياسيّين؟ لأنّه ببساطة سئم من أدائكم جميعاً وصار في حيرة من أمره، هل يراهن على إجراءات الرّئيس الأخيرة وبالتّالي التضحية بمكتسبات ثورته وفاعليّة مؤسّساته الدّستورية لحساب الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ، أم يمضي وراء وعودكم وبقية الأحزاب بتحسين واقعه ومستقبله، وللتّذكير فإن الشعب التّركي لم يلقي بنفسه تحت جنازير دبابات العسّكر، ويواجه بصدور عارية رصاصهم إلا ليحافظ على مكتسباته السّياسيّة وتجربته الاقتصادية النّاجحة، خاصة بعد أن عاش التّغيير الخدميّ والصّحيّ والمعاشيّ واقعاً ملموساً، ورصد التّحسن والتّطور في حياته التي انقلبت رأساً على عقب بعد مجيء العدالة والتّنمية إلى سدّة الحكم، وواكب القفزة العملاقة التي حققها الحزب على سلّم ترتيب دول العالم اقتصادياً ودخول نادي العشرين الكبار، فالشّعب التّونسي اليوم يتطّلع لإنجازات ملموسة تنعكس على واقعه المعيشيّ والخدميّ، لا شعارات وبرامج ووعود طال انتظارها، ولكم في تجربة جيرانكم في المغرب (العدالة والتنمية) دروس وعبر…
إلى الطّبقة السّياسيّة كاملة: إنّ جوهر القضية باختصار (الاقتصاد ثم الاقتصاد ثم الاقتصاد)، فلا أبالغ إذا قلت: بأن المواطن التونسي اليوم قد سبق همُّه المعيشي همَّه السّياسيّ بأشواط، وقد سئم من كل الطّبقة السّياسيّة الحالية، وبات يتطّلع لمن يخلصه من وضعه المالي المُزري، فعُملتُه الوطنيّة فقدت أكثر من نصف قيمتها والتّضخم في ازدياد، وقطّاعه السياحيّ الّذي يعمل به قرابة ال 700 ألف عامل بحسب منظمة العمل الدّوليّة بات شبه مشلول، نتيجة الجائحة العالمية التي أحدثها فيروس كورونا، ومعدّلات البطالة بازدياد خاصّة في فئة الشباب، أما الهجرة وتبعاتها فحدث ولاحرج، إنّ ما تحتاجه تونس بعد خروجها من هذا المعترك السّياسي والدّستوري، والعودة لما قبل 25 .2021.7م واستكمال المسار الديمقراطي وعودة المؤسّسات الدّستورية لممارسة مهامها على أكمل وجه، أقول إن ما تحتاجه هو برنامج عمل سياسيّ واقتصاديّ متكامل مؤطّر زمنياّ وواضح الأهداف ومضمون النّتائج تتفق عليه كل القوى السّياسيّة وتقوده حكومة إنقاذ وطنيّ تتشكل من كل الطّيف السّياسي الحالي إن أمكن أو من التّكنوقراط بعد تكليف شخصيّة وطنيّة مستقلّة مُجمعٌ عليها (يفضل خبير اقتصادي)، يكون برنامجها الوحيد وملفها الاساسي الوضع الاقتصاديّ لتونس وكيفيّة النّهوض به، بعد التّواصل مع المؤسّسات المالية العالمية (صندوق النقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ)، وأصدقاء تونس والمانحين الدّوليين المعتمدين ومؤسسّات الاتحاد الأوروبي وشركاء تونس، وعندما يتم وضع البلاد على السّكة الصحيحة وتتعافى من محنتها، تعود الطبقة السّياسيّة بمراجعة شاملة للدستور وتعديل أو اضافة مواد أو حتى الاتّفاق على دستور جديد يطرح على الشّعب ليصوّت عليه، أو كما يقال قواعد لعبة جديدة، كما على الشّعب التّونسي اليوم عدم السّماح لأيّ جهة كانت داخليّة أو خارجيّة بمصادرة قراره أو سرقة حلمه في العيش بوطن .حر. كريم .سيد. مستقل ينعم فيه أبنائه بمستقبل زاهر…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كلام صحيح
    أما ما يتعلق بالرئيس فهو بتصرفاته ” وهو أستاذ القانون ” يتصرف كأي جنرال ديكتاتور ، فقد تعودنا أن الانقلابات العسكرية تبدأ باسم الشعب وأنها جاءت للإصلاح والقضاء على الفساد ثم يقوم الانقلابيون بتعطيل الدستور وإعلان الأحكام العرفية وإقالة الوزارة ومجلس النواب وبشكل طبيعي يكون القضاء على القضاء بإعلان الأحكام العرفية .
    لكن كل الانقلابات العسكرية التي جرّت البلاد إلى الدمار ، كان أبطالها يحاولون الحديث مع الشعب لطف فزاد عليهم أستاذ القانون بعد أن أقسم مثل الجنرالات على حماية الدستور ، زاد عليهم هذه اللهجة التي هي تهديدات في كل حرف ينطقه ، تهديدات ما سمعناها حتى من القذافي ؟
    أما النهضة ، فقد أنصفهم الكاتب وأحسن لهم النصح ، ولكن لست أدري إلى أي مدى سيستمعون للنصيحة ، فأنا ” وهذا رأي شخصي من خلال متابعة تصرفات الغنوشي ومورو” فإنهما بلغا درجة الإشباع في ظنهم أنهم وصلوا إلى الكمالولا يستمعون للنصيحة حتى في داخل تنظيمهم.
    وأصدق ما قاله الكاتب ” الاقتصاد ثم الاقتصاد ثم الاقتصاد ” لن تنالوا تأييد الشعب مالم تتحسن أحواله الاقتصادية ، ومثال تركيا خير مثال.
    أما أن يأتي أستاذ القانون بأستاذة جيولوجيا بأول تجربة سياسية لها ، فهذا واحد من إثنين:
    إما أنه يريدها واجهة يحكم من ورائها ، أو أنه يريد لها الفشل فيستأثر برئاسة الوزارة إيضاً
    أعان الله شعبنا في تونس وفرج عنه ورحم شهداءه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى