أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / فصل من كتابي: “من ذخائر المكتبة العربية” عن ((موسوعة المستشرقين)) للدكتور عبد الرحمن بدوي

فصل من كتابي: “من ذخائر المكتبة العربية” عن ((موسوعة المستشرقين)) للدكتور عبد الرحمن بدوي

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

د. عبد الرحمن بدوى أستاذ جامعى مصرى تخرج فى الثلاثينات من قسم الفلسفة بكلية الآداب (جامعة القاهرة) واشتغل بها بعد تخرجه، ثم هاجر إلى فرنسا، وهو الآن يعمل بإحدى جامعاتها، وإنتاج الدكتور عبد الرحمن بدوى غزير يُعَدّ بالعشرات، ومعظمه فى ميدان الفلسفة الأوربية (قديمة وحديثة) والإسلامية والتصوف الإسلامى، وبعضه فى الأدب ومنه المؤلف والمترجم والأغلب الأول.

وقد اتصل د.بدوى بالمستشرقين ودراساتهم منذ أن كان طالبًا فى كلية الآداب (جامعة القاهرة) يدرس على أيدى بعضهم، ولم تكن علاقته بهؤلاء مجرد علاقة تلميذ بأساتذته، بل كانت علاقة شخصية أيضًا، ومن المؤكد أن هذه العلاقة هى أحد العوامل التى دفعته إلى وضع كتابه عنهم، ذلك الكتاب الذى هو محور حديثنا فى هذا الفصل والذى سماه “موسوعة المستشرقين”.

وكذلك إلى ترجمة دراساتهم وأبحاثهم حول الشعر الجاهلى ومدى صحته أو الشك فيه. ويعرف د. بدوى عدة لغات أوروبية: منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وربما اللاتينية أيضًا. وأسلوبه العربى صحيح متين، وكان يهتم بأناقته قبلًا، ولكنه أصبح الآن يجنح إلى البساطة التى قد يخالطها شىء من الإهمال، ولا أظن هذا أمراً خاصًا به وحده فكل الكتّاب تقريبًا يخضعون لعامل الزمن وتقفد أساليبهم مع مرور الأيام شيئًا من حيويتها ونصاعتها سنة الله فى خلقه!

وتحتوى “موسوعة المستشرقين” على تراجم لمائتى مستشرق ونيف من جنسيات مختلفة: إنجليزية وألمانية وفرنسية وإيطالية وروسية وعربية… إلخ. فضلا عن بعض مواد أخرى : إحداها للجمعيات الاستشراقية الآسيوية. وثانيتها للقرآن فى أوربا وفهارسه وترجماته، وثالثتها لكلية فورت وليم فى كلكتا، ورابعتها لأولية المطبعة العربية فى أوروبا. والخامسة والسادسة للمعجم اللاتينى العربى (الأول والثانى).

والواقع أن عدد المستشرقين على مدار القرون التى انقضت منذ أن برزت إلى الوجود ظاهرة الاستشراق يبلغ أضعاف أضعاف ذلك العدد الذى ترجم له د. بدوى. ونظرة إلى فهارس أعلام المستشرقين الذين عرض لهم نجيب العقيقى فى كتابه عنهم (رغم أنه لم يترجم للمستشرقينجميعهم) ترينا أن هؤلاء الذين خصص لهم د. بدوى مواد فى موسوعته هم مجرد عينه، إذ يبلغ عددهم عند العقيقى تسعة أضعافهم عنده.ومن هنا فإننا نتساءل على أى أساس اختار د. بدوى هؤلاء المستشرقين دون غيرهم؟ بيد أننا لا نجد فى كتابه جوابا على هذا السؤال. بل إنه لم يمهّد بموسوعته بمقدمة كان يمكن أن يتطرق فيها إلى هذه النقطة أو نستشف نحن منها شيئا يعيننا فى هذا السبيل.ومع هذا، فإن ما كتبه د. بدوى أشد جاذبية من عمل العقيقى.

ذلك أنه قد مزج فى كثير من الحالات المعلومات التى يقدمها لنا عن المستشرقين بذكرياته معهم، فضلا عن اقتباساته الكثيرة مما كتبوه هم عن أنفسهم أو كتبه زملاؤهم من المستشرقين عنهم وهذا من شأنه أن يجعل تراجم د. بدوى لهم أدفأ وأكثر إمتاعا. ليس ذلك فحسب، فإنه لم يكن يتوانى، عندما يقتضى الأمر، عن إبداء رأيه فى شخصية المستشرق الذى يترجم له، وتقدير جهوده تقديرًا علميًا، والإشارة إلى ما كتبه هو عنه أو ترجمه له من أعمال، على عكس العقيقى، الذى يكتفى بتقديم المعلومات اللازمة التى لا نكران مع ذلك أنها قد تكون أوفر وأشد استقصاء.

ومن الملاحظات المنهجية على موسوعة الدكتور بدوى أن طول التراجم يختلف من مستشرق لآخر على غير أساس واضح، بل أحيانا ما يتناسب هذا الطول تناسبا عكسيا مع شهرة المستشرق وأهميته. خذ مثلا ترجمة بلاشير الفرنسى، وخوليان ربيرا الإسبانى، ومرجليوت البريطانى، الذين خصّص لكل منهم أقل من صفحة، على حين أن ترجمة كل من بروكلمان وجولدتسيهر ونلينو قد استغرقت عدة صفحات. مع أن شهرة هؤلاء وهؤلاء وأهميتهم واحدة. بل إن ترجمة المستشرق الهولندى إربينوس الذى عاش فى القرنين السادس عشر والسابع عشر وليست له شهرة أولئك ولا خطرهم، قد شغلت أكثر من خمس صفحات. هل يمكن القول إن المعلومات التى كانت متاحة للمؤلف هى السبب فى هذا التفاوت؟ لا أحسب ذلك، فليس من المعقول أن تكون المادة التى يمكن جمعها عن أولئك المشاهير أقل من تلك الخاصة بواحد كإربينوس قلما يعرفه أحد. فضلاً عن أنه كان يكتب باللاتينية، التى لا يستطيع القراءة بها فى العالم الإسلامى إلّا أقل القليل. هذا وإن أصغر مادة فى هذه الموسوعة لهى المادة المخصصة للمستشرق لزنيو (الإيطالى) والتى لم تصل إلى ثلاثة أسطر.

وقد رتب د. بدوى المستشرقين الذين ترجم لهم على أساس هجائى، مراعىً فى ذلك ألقابهم لا أسماؤهم الأولى، بغض النظر عن جنسياتهم التى راعاها العقيقى، إذ قسّم مستشرقيه حسب جنسياتهم أولا، ثم رتب مستشرقى كل جنسية بعد ذلك ترتيبا هجائيا. ود. بدوى فى الغالب يكتفى فى عنوان كل مادة بذكر لقب المستشرق وحده. وأحيانا ما يكتب اسمه ولقبه معاً. وفى هذه الحالة قد يضع الاسم قبل اللقب ولكن داخل قوسين. وقد يضعه بعده فاصلا بينهما بفاصلة. ثم يشفع ذلك فى كل الأحوال بذكر اسم المستشرق كاملاً بالحروف اللاتينية. وقد لاحظت أنه إذا كان فى لقب المستشرق كلمة “De” (الفرنسية) أو “Von” (الألمانية) الدالتان على النبالة فإنه يهملهما فى الترتيب. فمثلا المستشرق “De Sacy” عليك أن تبحث عنه فى حرف “S”، وكذلك المستشرق Von” “Harnmer- purgstall نبحث عنه فى حرف “H”. كما لاحظت أنه إذا كان لقب المستشرق مكونا من كلمتين بينهما شرطة صغيرة (كما هو الحال فى لقب المستشرق الألمانى المذكور لتوه) فإنه يعنون المادة بالكلمة الأولى فقط من اللقب، ولكن فى حالة “Maurice Gaudefroi-Demombynes” نراه يلقبه بـــ “ديموميين” لا بــــ “جودفروا”.كما أنه فى الألقاب المبتدئة بـــــ “S” ساكنة يزيد ألفا فى أولها، فــــ “Schultens” يصبح “اسخولتنز”، و “Schiaparelli” تبحث عنه تحت “إسكبابرلى” وهكذا. ولست أستطيع أن أعرف لماذا زيادة هذه الألف مع الـــ “S” الساكنة وحدها، وليس مع الـــــ “B” أو الـــــ “C” أو الــــ “T” أو غيرها من الحروف. ومن ثم فـــــ “”Blachere مثلا نجده فى الباء: “بلاشير”، و “Tschudi” تجده فى التاء: “تشودى”، و “Flugel” تجده فى الفاء: “فلوجل”، وهلم جرا.وبالمناسبة، فها هى بعض الملاحظات التى استرعت انتباهى فى طريقة كتابته للأسماء الأوربية بالحرف العربى: إنه فى كثير من الأحيان حين يكتب لقب شخص ذكر فيه أنه “من البلد الفلانى”، لا ينسبه إلى هذا البلد مستخدما ياء النسب بل يقول: “فلان الذى من البلد الفلانى”. كما هو فى الأصل، مثل: “”pierre de poitiers: “بطرس الذى من بواتبيه” . و “Germanus De Silesia”: “جرمانوس الذى من سيليزيا” . وكنا نحسب أن الأفضل إجراء مثل هذه الألقاب على ما أجرى عليه اسم “” “pierre Dipy d’Alep (وهو سورى نصرانى عاش فى القرن السابع عشر واشتغل فترة بفهرسة المخطوطات العربية فى بعض المكتبات بأوروبا)، إذ كتبه بالعربية هكذا: “بطرس دياب الحلبى” ، وهو ما ينبغى أن يكون فى عرفنا اللغوى والاجتماعى. والشىء ذاته فعله مع “Juan… De Segobia” الإسبانى، الذى كتب اسمه بالعربية كالتالى: “(يوحنا) “الأشقوبى” وكذلك مع انطونيوس الأكولانى” .كذلك فإنه فى أسماء المدن الأوروبية نراه يجرى تارة على ما تعورف عليه عندنا فيقول مثلا: “ميونيخ” . وتارة يقول: “منشن” كما فى الألمانية . وتارة يجمع بين الأمرين فيقول: “منشن (ميونيخ)” . ومن الأخيرة “كلين (كولونيا)” . وبالنسبة للمدن الأوربية التى تنتهى أسماؤها بـــــ “”gنجده يكتب هذه الــــ “g” مرة “كافا”: “ليبتسك” . ومرة “جيما”: “دانتسج” . ومرة “غينا”: “براغ” .وعادة ما يذكر الدكتور بدوى تاريخىّ الميلاد والوفاة تحت لقب المستشرق (وهو عنوان المادة). وأحيانا لا يفعل. وفى الغالب نجد هذين التاريخين فى داخل الترجمة نفسها أيضا. وهو ينص غالبا فى أول الترجمة على جنسية المستشرق الذى يترجم له نصّا. وعلى أية حال فإن القارىء يستنبط ذلك من خلال الكلام. كما أن يهودية المستشرق، إن كان يهوديا، تذكر فى ترجمته، وذلك على عكس ما فى كتاب العقيقى؛ إذ يترك الأمر غامضا. وفى عدد غير قليل من التراجم نجد صورا للمستشرقين المترجم لهم، أو صورا لخطوطهم. ويبدو أنه قد نقل هذه وتلك عن كتاب “الأعلام” للزركلى. وهو ما يخلو منه كتاب العقيقى. وفى كل ترجمة فى الموسوعة نقابل موجزا عن حياة المستشرق، وذكرا لجهوده وإنتاجه. وفى الختام يسوق المؤلف المراجع التى اعتمد عليها فى تحضير المادة.

وهى فى الغالب مرجع أو مرجعان. أما فى ترجمة “اشميلدرز” فلا يوجد ذكر لأى مرجع على الإطلاق . كما أننا فى ترجمة “بلباس” و “ريلند” لا نعثر إلا على ذكر جنسيتهما وأعمالهما، ولا شىء عن حياتهما البتة. وفى بعض الأحيان، وذلك قليل، يضيف المؤلف فى آخر ترجمة المستشرق سطورًا سريعة عن أخيه أو ابنه، إن كان له أخ أو ابن مستشرق مثله، وذلك كما فى ترجمة موير. وفى كثير من الحالات نجد د. بدوى يورد اقتباسات مما كتبه المستشرق الذى يترجم له عن نفسه أو كتبه عنه غيره من المستشرقين. وهذه الاقتباسات قد روعى فيها أن تكون نصوصاً حية. كما أن المؤلف يعرف أين يضعها، ومتى. نجد ذلك فى ترجمة آربرى وبروكلمان وبالمرودى ساسى وشاك وقراعلى الأنطاكى ولين بول، وغيرهم كثير. مثلا جاء فى ترجمة بروكلمان، فى سياق الحديث عن بداية ميله إلى الشرق والرغبة فى معرفة كل شىء عنه، قوله عن نفسه (من ترجمته الذاتية): “وفى الصفوف العليا (من المدرسة الثانوية) تجلت الميول التى ستسيطر على حياتى بكل وضوح. وكانت هناك جمعية للقراءة تجتمع مرتين فى الأسبوع: فى يوم الأربعاء كنا نقرا مجلة “الجلوبس” (الكرة الأرضية)، وفى يوم السبت نقرأ مجلة “العالم الخارجى” (Ausland). وهاتان المجلتان كانتا أبرز المجلات الجغرافية.

وكان ذلك الوقت هو وقت الاكتشافات الجغرافية العظمية فى آسيا وأفريقية. وعن هذا الطريق ارتبط خيالى بالمشرق. كنت أهتم فى المقام الأول بما يرد فيهما من أخبار عن اللغات ولهذا فإننى وأنا لا أزال تلميذًا فى المدرسة الثانوية وضعت مشروعًا لكتاب نحو لهجة البانتو، التى كان يُتكلم بها فى المستعمرة البرتغالية (أنجولا). وقد احتفظت بهذا المخطط وقتا قليلا. وكانت أشد أمانىّ إلحاحا علىّ أن أعيش فيما وراء البحار، وشجع هذه الأمنية الأحوال السائدة آنذاك فى روستوك. ذلك أنه بسبب انحدار حياة الأعمال فى روستوك فقد سعى الكثيرون من التجار إلى العمل فيما وراء البحار” .وعن ترجمة سيل المستشرق البريطانى،للقرآن يقول روس، وهو أيضا مستشرق بريطانى مثله، موضحا أن الذى يدين به ذلك المستشرق لترجمة مراتشى هو أكبر مما يقرّ به: “إن ترجمة سيل لو قورنت بترجمة مَرَتْشى تدل على أن مرتشى قد أنجز من العمل ما يكاد يجعل عمل سيل قابلاً للإنجاز بواسطة معرفة اللغة اللاتينية وحدها فيما يتعلق بالاقتباسات من المصادر العربية. لكننى لا أريد بهذا أن يُستنتج أن سيل لم يكن يعرف اللغة العربية. بيد أننى أوكد أن عمله. كما هو ماثل أمامنا، يعطينا تقديرا مضللا فيما يتعلق بأبحاثه الأصلية (أى القائمة على المصادر العربية مباشرة)، وأن إشادته بفضل مرتشى أقل كثيرًا من دينه الفعلى له” .

ولا يكتفى د. عبد الرحمن بدوى، فى سبيل توضيح شخصية المستشرق الذى يكتب له ترجمة، بالاقتباس من كلام ذلك المستشرق عن نسفه أو كلام زملائه من المستشرقين عنه، بل كثيرا ما يتدخل بذكرياته هو معه إن كان من بين من كانت له بهم علاقة، كما هو الحال فى تراجم دلافيدا الإيطالى، وبول كراوس التشيكى، وماكس مايرهوف الألمانى، وبالمناسبة فهؤلاء الثلاثة كلهم يهود. جاء فى آخر ترجمته لدلافيدا: “وجرت بيننا مراسلات بمناسبة ما أهدِى إليه أو يهدى هو إلىّ من مؤلفات. وبعض هذه المراسلات بمثابة مقالات نقدية كان من حقها أن تنشر فى إحدى المجلات العلمية… لأنها مكتوبة بلغة إيطالية رشيقة. وقد كان دلافيدا على الرغم من جفاف الموضوعات التى تخصص فيها، ذا أسلوب جميل يمتاز بالحركة والرشاقة وطلاوة العبارة. وبعض رسائله هذه إلىّ معروض فى المعرض المخصص لليفى دلافيدا فى قسم الدراسات الشرقية بجامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلس (بالولايات المتحدة) وربما أتيحت لى فرصة لنشر هذه الرسائل بلغتها الأصلية، وهى الإيطالية. وكانت زوجته مسيحية، وكذلك صار أولاده. أما هو فبقى على ديانة آبائه اليهودية” .أما فى ترجمة كراوس فقد ترك د. بدوى قلمه ينثال بالذكريات، فهو يحكى لنا كيف سمع بذلك المستشرق أول مرة، وكيف سعى إلى التعرف به، وكيف كان يتردد على شقته ويستعين به فى بعض جوانب أبحاثه ويستعير من مكتبته الخاصة، وكيف أنه كان على موعد للالتقاء به يوم انتحر ولكنه شُغل عن ذلك الموعد فلم يذهب إليه ليعلم فى اليوم التالى أنه وجد فى الحمام مشنوقا قال: “وفى عام 1936 عينته كلية الآداب فى الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) مدرسا للغات السامية وكانت الجامعة العبرية فى القدس قد عرضت عليه أن يكون مدرسا فيها، لكنه فضل أن يعمل فى الجامعة المصرية بسبب الإمكانات الهائلة المتوافرة للبحث فى تاريخ العلوم فى القاهرة…وكان ماسينيون هو الذى زكى ترشيحه للتدريس فى كلية الآداب، وذلك فى مذكرة أشاد فيها بمناقبه وما يؤمل منه، وهى المذكرة التى عرضت على مجلس كلية الآداب. وقد قرأتها يوم عرضها، وكنت طالبا فى السنة الثالثة بقسم الفلسفة، فصممت على التعرف إليه غداة وصوله، والتقيت به فى شقة سكنها فى حى الزمالك. ولما أخبرته بإتقانى للغة الألمانية أراد التأكد من ذلك فقدم إلىّ كتاب “دراسات إسلامية” لجولدتسيهر، فأخذت فى القراءة المتلوّة بترجمة فورية، فازداد إعجابه. وغداة اليوم التالى ذهب إلى الدكتور طه حسين، عميد الآداب آنذاك، وأنبأه عنى بإطراء. ومن ثم توطدت العلاقة بينى وبينه منذ نوفمبر 1936 حتى وفاته منتحرًا فى سبتمبر 1944.وبعد نهاية العام الدراسى فى يونيو 1944 سافر كراوس إلى القدس ليمضى عطلة الصيف، لكنه لما عاد فى الأسبوع الأول من سبتمبر لاستئناف العام الدراسى الجديد وجدتُه فى حالة اضطراب نفسى غريب، وقد استولت عليه ألوان من الوساوس وبدت عليه مظاهر العصبية الشديدة فى أقواله وبسمات وجهة وحركاته. ولم أستطع أن أتبين منه ما السبب فى هذه الحالة النفسية التى لم نعرفها فيه، على الأقل بهذه الحدة، من قبل واتعدت وإياه موعدا للقاء فى كلية الآداب الساعة العاشرة صباح يوم الخميس 14 سبتمبر 1944 ولطارىء طرأ تأخرت عليه، فقلت فى نفسى: سأمرّ عليه فى اليوم التالى بمنزلة فى شارع أحمد حشمت باشا (بالزمالك). وإذا بى فى مساء يوم الخميس هذا أقرأ فى صحيفة المساء (جريدة البلاغ) نبأ انتحاره…” . ثم يحاول د. بدوى أن يحلل الدوافع التى يمكن أن تكون خلف هذا الانتحار، ويخمّن أن كراوس ربما كان على علاقة بجماعة شتيرن الصهيوينة الإرهابية وأنهم قد كلّفوه بالاشتراك فى اغتيال اللورد موين الإنجليزى، الذى كان اليهود يدّعون أنه يقف مع العرب ضدّهم، فرأى أنه إمّا أن ينفذ ما كُلّف به وعندئذ سوف يلقى القبض عليه ويُعْدَم وإمّا أن يتقاعس فتقتله الجماعة الإرهابية، ومن ثم فقد آثر أن يضع هو بنفسه حدّا لحياته فانتحر .هذا، وأدع القارىء وجها لوجه مع هذا الكلام الخطير ليلمس بنفسه كيف تدور الأمور فى بلادنا وكيف يصول أعداؤنا ويجولون بين أظهرنا بدعم من بعضنا وحبّ وتفاهم.

ويا حبذا لو رجع القارىء إلى الكتاب فقرأ المادة كلها بتفاصيلها، فذاك أقمن أن يساعده على إدراك المسألة إدراكاً أدقّ، وعلى أن يستنبط أسرار ما بين السطور على نحو أفضل، وبخاصة إذا تذكر أن الصراع بين اليهود فى فلسطين والعرب والمسلمين كان آنذاك فى ذروته، وكان الصهاينة يضعون اللمسات الأخيرة لإعلان دولتهم. ثم ننتقل إلى ذكريات المؤلف عن مايرهوف. وقد قلنا إنه يهودى، ونضيف هنا أنه كان صديقا لباول كراوس كما هو واضح من كلام د. بدوى التالى الذى يثنى فيه عليه ثناءً عظيما جمّا. قال: “فنظراً إلى حذقه فى طب العيون ولكثرة تردده على الاحتفالات العائلية والاجتماعية وإلى أدبه الجم ولطف معاشرته، فقد صار محمود السيرة قوى الصلات، ليس فقط بالأحباب فى مصر بل وأيضا بالنابهين من رجال الأدب والفكر والسياسة من المصريين، فقد شاهدت هذا بنفسى فى علاقاته بالشيخ مصطفى عبد الرازق وأعضاء المعهد المصرى، وقد كان من أبرز أعضائه. وإن أنس لا أنس حسن استقباله لى وأنا شاب فى الثانية والعشرين حيث ذهبت إليه فى عيادته بعمارة إيموبليا (شارع شريف وقصر النيل) بتوصية من باول كراوس للحصول منه على نسخة من مقالة “من الإسكندرية إلى بغداد” كى أترجمه (راجع كتابنا “التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية”، القاهرة، ط1، 1940). … وكان آخر لقاء بينى وبينه قبل وفاته بأسابيع قليلة فى مكتب الشيخ مصطفى عبد الرازق وهو وزير للأوقاف، فكان فى غاية الحيوية وحضور الذهن والنشاط” .ولعل القارىء قد لاحظ إشارة المؤلف إلى ترجمته لبحث كتبه كراوس. ولا بد من لفت الانتباه إلى أن هذه ليست الإشارة الوحيدة من جنسها، بل الحقّ أن د. بدوى كلما سنحت مناسبة ذكَرَ جهودهالمتعلقة بأعمال المستشرق الذى يكتب عنه ومن ذلك قوله، بمناسبة ذكر كتاب المستشرق الألمانى اشتينشنيدر “الترجمات العربية عن اليونانية” الصادر فى 1897، إنه “على الرغم من أن معظم المعلومات الواردة فيه قد صارت عتيقة بفضل ما قمنا به نحن من نشرات ودراسات فى هذا المجال، خصوصا فى كتابنا La Transmission de La philosophie Grecque au Monde Arabe, paris 1968فإنه لا تزال له بعض الفائدة فيما يتصل بالعلوم الرياضية والطبيعية” .وعند كلامه عن دراسة المستشرق الألمانى ألفرت “ملاحظات على صحة القصائد العربية الجاهلية” يذكر ترجمته فى كتابه “دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى” للفصل الأول من تلك الدراسة . كما أنه فى موضع آخر يشير إلى تلخيصه لبحث أسين بلاثيوس “الكوميديا الإلهية” قائلا إنه أضاف إليه تلخيص ما تلاه من مناظرات ومساجلات أيضًا، واصلاً بالمشكلة على هذا النحو إلى وضعها الحالى .

وفى المادة المعقودة للمستشرق الهولندى ريلند (الذى يقول عنه إنه قام بفحص الآراء الباطلة المنتشرة بين الأوربيين عن الإسلام وصحّحها مستنداً فى ذلك إلى القرآن الكريم) يشير إلى بحث كتبه هو بالفرنسية عن موقف ذلك المستشرق من الطعن فى القرآن بمناسبة قوله تعالى فى سورة “مريم”: ﴿يَاأُخْتَهَارُونَ﴾ . ومن ذلك أيضاً إحالته إلى كتابه “شخصيات قلقلة فى الإسلام”، حيث توجد ترجمته لمحاضرة المستشرق الفرنسى كوربان عن “السهروردى الحلبى” .إن هذه الإشارات لتبين لنا أن د. عبد الرحمن بدوى حين ألف موسوعته هذه عن المستشرقين إنما كان يكتب عن صنف من الباحثين له بهم اتصال قوى، فهو لا يسوق مجرد معلومات عنهم، وإنما يحكى فى غير قليل من الحالات عن تجربة له معهم حية. بالإضافة إلى هذا، فإن تلك الإشارات تعرّفنا بالدكتور بدوى نفسه وتطلعنا على جانب من جهوده العلمية. فإذا وضعنا مع هذا ذكرياته التى يبثها هنا وهناك فى هذا الكتاب تنبّهنا إلى قيمة “موسوعة المستشرقين” بوصفها أحد المصادر الهامة التى ينبغى على الباحث الذى يريد أن يترجم للدكتور بدوى ويلم بجوانب من حياته وشخصيته ومنتوجاته العلمية أن يرجع إليها. وفوق ذلك، فإن هذه الإشارات والذكريات لهى أحد الأسباب التى تهب الموسوعة دفئا وحرارة. إنها ليست مرجعاً علميا بارداً، بل تجمع بين العلم وحرارة المشاعر إنها كتاب علمى وقطعة من حياة مؤلفها معاً.

والدكتور بدوى بوجه عام شديد الإعجاب بالمستشرقين الغربيين (أقول: “الغربيين”، لأنه لا يبدى هذا الإعجاب ولا أى إعجاب البتة نحو المستشرقين ذوى الأصل العربى، وهم أولئك النصارى الشوام الذين رحلوا إلى أوروبا وكانت لهم هناك جهود علمية استشراقية). انظر مثلا إلى دفاعه الملتهب عن عمل بروكلمان “تاريخ الأدب العربى”: “وكان من الطبيعى أن يقع فى مثل هذا العمل الجبار أخطاء فى أرقام المخطوطات وفى التواريخ، فضلا عن الأخطاء الناجمة عن المصادر التى استعان بها، وخصوصا فهارس المخطوطات. ونحن نعلم بالممارسة أنه لا بد من وقوع أخطاء، وربما عديدة فيها، وخصوصا فى تحقيق هوية المؤلفين، لأن الكثير من المخطوطات لا يحمل أسماء مؤلفيه. ولهذا فإن الجهال والمتطفلين والعاجزين هم وحدهم الذين يتباهون بإبراز غلطة هنا أو غلطة هناك فى عمل بروكلمن العظيم هذا.

وينبغى أن يقال له ما قاله الخطيئة:أقلّوا، عليكم لا أبا لأبيكمو من اللوم، أو سدّوا المكان الذى سدّوا وهم طبعا لم يسدوا أى مكان ولا واحدا من ألف أو من مليون مما يسدّه بروكلمن بكتابه هذا” .وتأمل هذا الثناء المفرط الذى غرفه بل كاله د بدوى كيلا دون حساب لطائفه من المستشرقين. يقول: “يشاء الله أن يهب الإسلام من الأوربيين من يؤرخون له كسياسة فيجيدون التأريخ، ومن يبحثون فيه كدين وحياة روحية فيتعمقون هذا البحث ويبلغون الذروة فيه أو يكادون ومن يقبلون على الجانب الفيلولوجى منه فيظفرون بنتائج على جانب من الخطر كبير، فكان له على رأس هؤلاء الأخيرين تيودور نلدكه، وعلى رأس أولئكالأولين يوليوس فلهوزن. وكان سيد الباحثين فيه من الناحية الدينية خاصة، والروحية عامة، اجتنس جولد تسيهر” . وفى غمرة هذا الثناء المنهال هيلاً يسكت د بدوى عن الانتقادات التى وجهت إلى أبحاث هؤلاء المستشرقين الذين ذكرهم وما احتوت عليه من آراء يرى فيها الباحثون المسلمون جنفاً عن الحّق والبحث العلمىّ النزيه. وفى المادة الخاصة بماسينيون يغلو فى الإشادة بهذا المستشرق غلوّا فظيعا. وقد قرأتُ بعض أبحاث هذا المستشرق فوجدتُ غموضاً وتكلفاً. وهذا واضح بقوه فى “المنحى الشخصى لحياة الحلّاج”، الذى ترجمه د. بدوى فى كتابه “شخصيات قلقلة”، والذى رجعت إليه وأنا بسبيل إعداد فصل “الحلّاج” فى كتابى “شعراء عباسيون” فلم أكد أفهم منه شيئا. كما أنه واضح فى بحثه عن المتنبى، الذى ترجمتُه بعنوان: “المتنبى بإزاء القرن الإسماعيلى فى تاريخ الإسلام” ونشرته منذ سنوات، ذلك البحث الذى عقبت عليه بدراسة مطولة أبرزت فيها تهافت المنهج الذى اصطنعه ماسينيون فى التدليل على أن المتنبى كان إسماعيليا قرمطيا، ورددت تقريبا على كل ما قاله فى هذا الصّدد مثبتاً بالنصوص والوثائق والتحليل المنطقى الصارم أن كل ما جاء به المستشرق الفرنسى فى ذلك البحث هو محض هراء وافتراء. وهو يصف ترجمة رودويل الإنجليزى وترجمة بلاشير الفرنسى للقرآن بالدقة . فأما ترجمة رودويل فرغم أن عندى نسخة منها فإننى لم أعكف على دراستها، إنما هو تصفح لها بين الحين والحين مع قراءة المقدمة التى لا ذكر الآن منها شيئا، ومن ثمّ فليس فى مكنتى إصدار أى حكم عليها فى هذا الوقت الذى أنا منقطع فيه عن كتبى بأرض الوطن. وأما ترجمة بلاشير فقد درستها وكتبت عنها فصلا طويلا فى كتابى “المستشرقون والقرآن”، وبيّنت فيها العبث الذى فعلته يده فى الآيات القرآنية الكريمة، إذ كان يقدّم فيها ويؤخر دون أدنى احترام للنصّ القرآنى المتوارث منذ أربعة عشر قرنا ظاناً أنه، وهو المستشرق الأعجمى، يستطيع أن يستدرك على المسلمين فى كتابهم المقدّس. كما أنه كان يضيف فى بعض الأحيان إلى النصّ بعض الكلمات من عنده، مثلما صنع فى قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، فقد زاد فى نص الآية الكلمات الثلاث: de leur” erreur: عن خطئهم”، اى “لعلهم يرجعون عن خطئهم”، مما جعل المعنى أن اليهود الذين لجأوا إلى هذه المؤامرة الخبيثة النجسة إنما كانوا يهدفون إلى هداية المسلمين، على حين أن الحقيقة هى أن هؤلاء اليهود كانوا يبغون زعزعة إيمان المسلمين وفتنتهم عن دينهم. وهذا فضلا عن جرأته العجيبة التى جعلته يخطىء مرارا لغة القرآن نحوا وأسلوبا، ويدعى أن هذا الجزء من هذه الآية أو تلك إنما أضيف فى وقت لاحق، وذلك دون أن يقدم دليلا على ادعاءاته هذه… إلى آخر ما تناولناه فى الفصل المشار إليه، وهو الفصل الرابع من الباب الأول من كتابى المذكور. والحقيقة أن فى كلام المؤلف أحيانا تعميما ينسى فيه نفسه والاحتياط العلمى الواجب فى صياغة العبارة. ومن هذا قوله عن ترجمة آربرى للقرآن: “إنها أجمل فى القراءة من أية ترجمة أخرى للقرآن إلى أية لغة” . فهل هو يعرف كل اللغات التى تُرجم إليها القرآن الكريم؟ وهل قرأ كل هذه الترجمات وقارن بينها فوجد فعلا أن ترجمة آربرى هى أجمل الترجمات القرآنية طرّا؟ إن ترجمة آربرى هى فى الواقع جميلة. ولكن من لنا بأنها أجمل الترجمات فى كل اللغات؟وعدم التدقيق هذا هو الذى جعل د عبد الرحمن بدوى لا يلتفت إلى الأخطاء الموجودة فى ترجمة المستشرق البريطانى بالمر لمقطوعة البهاء زهير التى أوردها فى ترجمته لذلك المستشرق واصفا إياها بأن “فيها من الرشاقة والجمال مثل ما فى الأصل” . قد يكون ذلك ولكن أليست صحة الترجمة مقدمة على الرشاقة والجمال؟ إن البهاء زهير يقول: أتُرى يُسْتَدْرك الفــــــــــا ـــــرط من تضييع عمرى؟مبدياً ندمه الشديد على تضييع عمره عبثا فى اللهو ويتمنى لو استطاع أن يعوّض ذلك فيما بقى من عمره، فيجىء بالمر ويترجم هذا البيت على النحو التالى:Can I e’er recall the partOf a life time spent in view!ومعناه: “هل يمكننى قط أن أسترجع الجزء الذى مرّ من عمرى؟”. وهذا كما ترى غير ما فى بيت البهاء زهير. وهذا الإعجاب الحادّ بالمستشرقين بوجه عام يتبدى فى المقارنات المتكررة التى يعقدها د بدوى بين الحين والآخر بين عملهم وعمل نظرائهم من أبناء اللغة العربية وآدابها.

ومن هذا قوله، فى المقارنة بين تحقيق ألفرت للأصمعيات وديوان العجاج وابنه رؤبة وماتلاه من تحقيقات لهذه الأعمال، إنه “على الرغم من مرور أكثر من خمسة وسبعين عاما على صدورها، فإنه لم تصدر لهذه الكتب تحقيقات خير من تحقيق ألفرت لها. وما صدر لها من طبعات فإنها إما منقولة عنها بعد تجرديها من جهازها النقدى الممتاز، وإما طبعات ملفقة بعيدة عن كل أصول التحقيق العلمى للنصوص. ومن هذا النوع الأخير طبعة “الأصمعيات” التى صدرت فى القاهرة سنة 1935 (دار المعارف) على الرغم مما قاله لنا الناشران فى المقدمة من أنهما اعتمدا على “أصل موثق”…” .ومثله قوله عن تحقيق رودوكاناكس النمساوى، فى سنة 1902، لديوان عبد الله بن قيس الرقيات، الذى يصفه بالامتياز، وتحقيق د محمد يوسف نجم للديوان نفسه بعد ذلك: “وبعد هذه النشرة الممتازة كان من العبث والجهل الفاضح أن يصدر د محمد نجم طبعة حافلة بالأغلاط لهذا الديوان” .كما أنه عند حديثه عن كتاب “متس” المستشرق الألمانى: “نهضة الإسلام” قد استطرد فذكر أن هذا الكتاب “قد ترجم… إلى عدة لغات، ومنها العربية، بعنوان: “الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى”… وقد قام بهذه الترجمة العربية محمد عبد الهادى أبو ريدة، الذى أساء إلى الأصل إساءة بالغة، لأنه فى معظم المواضع كان لا يترجم كلام المؤلف، وهو شرح موسع متسق، بل ينقل النص العربى الذى إنما يشير إليه المؤلف دون أن يترجمه؛ ولهذا بدا الكتاب فى ترجمته العربية هذه مجرد سرد لنصوص طويلة، فضاع عمل المؤلف الأصلى آدم متس، وصرنا بإزاء سلسلة من الاقتباسات غير المتسقة المعنى ولا المطردة الحجاج. وهذا الصنيع هو أسوأ ما يمكن أن يصنعه مترجم بمؤلف يترجم عنه! ولهذا يحسن بالقارىء العربى أن يطرح جانبا هذه الترجمة العربية، وأن يرجع إلى ترجمة أخرى إن كان لا يعرف الألمانية” .ومن ذلك أنه، فى معرض المقارنة بين “فهرس القرآن” الذى صنعه المستشرق الألمانى فلوجل و “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” (ويسميه “المعجم المفهرس للقرآن الكريم”) الذى وضعه محمد فؤاد عبد الباقى، يقول عن معجم فلوجل هذا إنه “أول فهرس عُمِل لألفاظ القرآن الكريم، وكل ما عُمل بعد ذلك من فهارس البلاد العربية والإسلامية عيال عليه، ومع ذلك لم يصل إلى درجته من الدقة والاستيعاب. وعلى الرغم من أن فؤاد عبد الباقى فى كتابه “المعجم المفهرسللقرآن الكريم” قد اعتمد عليه اعتمادا تاما، فإن فى فهرس فلوجل كلمات ومواد لا ترد فى فهرس عبد الباقى هذا، رغم ادعاءات عبد الباقى” .والذى يرجع إلى مقدمة عبد الباقى رحمه الله لمعجمه سيجد أن الرجل يعترف بالفضل لفلوجل ويصف عمله بأنه “خير ما ألّف وأكثره استيعابًا فى هذا الفن دون منازع ولا معارض” .

على أنه سيجد أيضا أن محمد فؤاد عبد الباقى قد اعتمد فى ترقيم الآيات على “مصحف الملك”، بخلاف فلوجل، الذى اعتمد ترتيبا آخر يربك القارىء المسلم . علاوة على أن العالم المصرى قد وضع كثيرا من الكلمات فى غير المواضع التى أسكنها فيها فلوجل لخطئه فى ردها إلى اشتقاقها الصحيح ، وغير ذلك. أمّا قول د بدوى إن كل الفهارس التى عُملت بعد فهرس فلوجل هى عيال عليه فهو غير صحيح على إطلاقه، إذ هناك من الفهارس ما يقوم على تعريفك بالآية لو عرفتَ أولَ حرف بها مثلا. وهذا أمر لا علاقة له بفهرس فلوجل. ذلك موقف الدكتور بدوى من المستشرقين بوجه عام. على أن هذا لا يمنعه أن ينتقد علم بعضهم: حينا انتقاداً عاما دون تحديد لأحد منهم معين، وحيناً انتقادا موجها لمستشرق بعينه.ومن الأول إشارته إلى “جهال المستشرقين” الذين يزعمون أن اللغة المليئة بالأخطاء التى كتبت بها وثائق جنيزة مصر القديمة تمثل “اللغة الحية” فى عصرها . ومثله تعقيبه، على حملة المستشرق الألمانى شاك على من يتلقبون بلقب “مستشرق” الفخم وهم لا يعرفون إلا المبادىء الأولية جدا لإحدى اللغات الشرقية، بقوله: “ما أصدق كلماته هذه بالنسبة إلى كثيرين ممن ادعوا، أو ادعى لهم متملقوهم، أنهم “مستشرقون” ويحسنون اللغات التى زعموا أنهم أتقنوها، وهم فى واقع الأمرلا يعرفون من هذه اللغات إلا قشور القشور، ولا يقدرون على فهم نص لا يتجاوز بضعة أسطر، ناهيك أن يكتبوا ولو بعض جمل قصيرة بها أو أن يتخاطبوا مع أهلها بها! وثبت أسماء هؤلاء الأدعياء طويل نربأ بكتابنا هذا أن نسود صفحاته بها” .ومن المستشرقين الذين عينهم فى انتقاداته تعيينا الراهب الإسبانى يوحنا الأشقوبى ، الذى كذّبه فى دعواه أنه استعان فى ترجمته للقرآن إلى اللاتينية بفقيه مسلم استقدمه كما يقول من إسبانيا، وسخر منه مسميا ذلك الفقيه بـــــ “الفقيه المسلم المزعوم” . كما أنه يحكم على رأى ميكائيلس أن “الإعراب هو من اختراع النحويين” بأنه “زعم خاطىء” ، ويلمز الطريقة التى كان يتبعها المستشرق الألمانى بارت فى تحقيق المخطوطات العربية بقوله إنه “كان فى تحقيقه للنصوص العربية لا يتورع عن التصحيحات العنيفة، خصوصا فيما يتصل بالشعراء القدامى” .ولعل المستشرق البريطانى جب هو صاحب النصيب الأوفى من انتقادات د بدوى، فقد قال عنه إنه “قد نال فى حياته كثيرا من ألقاب التشريف التى لا يستحقها علميًا والواقع أن هاملتون جب كانت شهرته فوق قيمته العلمية، وإنتاجه أدنى كثيرًا من الشهرة التى حظى بها لأسباب كلها بعيدة عن العلم” ، كما وصف كتابه “الأدب العربى” بأنه “كتيب صغير سطحى تافه قصد به إلى القراء الإنجليز” . ونبذ إنتاجه فى ميدان تاريخ الأدب العربى بوجه عام بأنه “تافه ضئيل القيمة محدود الاطلاع” . ثم كان حكمه على كل ما كتب هو “العموم والسطحية” .

ولا تقف انتقاداته لبعض المستشرقين عند ذلك، فقد انتقد عمل المستشرق البريطانى آربرى فى وزارة الإعلام البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية ،وإصداره منشورات لا نهاية لها بالعربية والفارسية للدعاية لبلده فى الشرق الأوسط وغير هذا، واصفًا ذلك بأنه “مهمة منحطة” . وهو انتقاد، كما ترى، ينبع من العاطفة الوطنية والقومية؛ إذ إن نشاط آربرى هذا كان موجها بطبيعة الحال ضدّ بلادنا بوصفها جزءاً من الشرق الأوسط الذى كان كثير من أقطاره، ومنها مصر، يخضع لنير الاحتلال البريطانى، وكانت تلك الدعاية ترمى إلى الحفاظ على هذه المستعمرات.وانطلاقا من هذه العاطفة يقول عن ولدىَّ المستشرق الألمانى اليهودى بارت (أهارون وإليازر، اللذين هلك أولهما سنة 1957م، وثانيهما فى 1949م): “وكلاهما من أبشع غلاة الصهيونية والدعاة لها” ، ويصف المستشرق البريطانى بالمر بأنه “من عملاء الاستعمار البريطانى، ولقد لقى حتفه جزاء وفاقا لعلمه هذا” ، كما يصف نشاطه التجسسى أثناء ثورة عرابى وقيامه بتكليف من حكومته بمحاولة تأليب بعض القبائل البدوية فى سيناء ضد الزعيم المصرى بأنه “مهمة قذرة” . ثم يصور الطريقة التى انتهت بها حياته القذرة هو وبعض شركائه من البريطانيين والشوام والمصريين على النحو التالى: “وقد نصب بعض البدو كمينا لأولئك الخمسة، واقتادوهم إلى وادى سدر (فى الجنوب الغربى من سينا)، وقتلوهم وألقوا بهم فى وادٍ سحيق، وذلك فى حوالى العشرين من أغسطس 1882… وهكذا لقى بالمر الجزاء الوفاق عما قام به من تجسس ودسائس وتآمر تمهيدا لغزو بريطانيا لمصر واحتلالها لها احتلالا دام من ذلك التاريخ حتى يوينو 1956! وما كان لبالمر وأمثاله أن يستحق نهاية غير هذه بل وأبشع، حتى إن مواطنه آرثر آربرى يكاد يقول إن بالمر يستحق هذا النهاية “لأنى… أومن، وبكل قوة ورسوخ، أن المهمة الحقيقية للعالم هى العلم وليس السياسة” . ولكن الطريف هنا أن ينتقد آربرى بالمر، رغم أنه هو نفسه قد خاض غمار السياسة القذرة وشارك فى مساعدة بلاده على مصّ دماء العرب والمسلمين.ومع ذلك فإن د بدوى قد تغاضى عن العمل القذر الذى قام به لويس ماسينيون، ذلك المستشرق الفرنسى الذى يعجب به إعجابا جامحا، إذ اشترك ماسينيون فى الحرب العالمية الثانية ضابطا يقوم ببعض أعمال الاستخبارات، وكان من مهمته الاتصال بالعرب والمسلمين فى بلاد الشام وتوزيع الأموال عليهم (تلك الأموال المسروقة منا) بغية تجنيد الخونة فى صفوف فرنسا والحلفاء ضد بلادهم، على ما بينه الكاتب اللبنانى إسكندر الرياشى فى كتابه “رؤساء لبنان” وأشرت إليه فى ترجمتى لكتاب ماسينيون عن المتنبى .

ود. بدوى نفسه يشير إلى شىء من هذا حين يذكر أن ماسينيون كان ضابطا ملحقا بمكتب المندوب السامى الفرنسى فى بلاد الشام وأنه قد دخل القدس ضمن الجيش الذى كان يقوده ألنبى ومعروف ألنبى هذا وتعصبه الاستعمارى البغيض والكلمة التى قالها غداة دخوله القدس. كما أن د بدوى قد سكت فلم يتعرض بالانتقاد لباول كراوس، الذى كان ينتقل بين مصر وفلسطين فى تلك الفترة العصيبة التى كان أبناء ملته اليهود فيها يعدون العدة للقيام بخطوتهم الأخيرة وإعلان دولتهم على أرض فلسطين العربية الإسلامية، فلم يثر تنقله هذا شكوك مؤلفا فى حينه، ولم ير فيه بعد شيئا يمكن أن يؤخذ على هذا المستشرق التشيكى اليهودى الذى ترك بلاده ونزح إلى أرض فلسطين مع من نزح إليها من الصهاينة بنية انتزاعها من أيدى العرب والمسلمين واتخاذها لهم وطنا. على انتقاداته لمن ينتقد من المستشرقين ليس منبعها دائما العاطفة الوطنية والقومية، فقد أعلن غضبه مراراً على هذا المستشرق أو ذاك لهجومه على الإسلام أو نبيه عليه الصلاة والسلام. مثال ذلك أنه يقول عن ريسكه، المستشرق الألمانى الذى عاش فى القرن الثانى عشر، إن “اللاهوتيين يبغضونه أشد البغض لأنه مجّد الإسلام ولم يرافئهم على أكاذيبهم واتهاماتهم الدينية للنبى محمد والإسلام بعامة” فهو هنا يصف ما يقوله رجال الدين الأوربيون ضد الإسلام بأنه “أكاذيب”، ويفضح بغضهم وحقدهم على رجل لم يمالئهم على هذه “الأكاذيب والاتهامات الباطلة”. وهو يكرر المعنى نفسه فى كلامه عن المستشرق الهولندى ريلند ، الذى قال عنه إنه “أول أوروبى حاول تبرئة الإسلام من التهم الباطلة التى اخترصها الكتاب الأوربيون من رجال دين ومبشرين غالبا، وشوهوا بها حقيقة الإسلام غالبا عن قصد وضغينة” .وفى ترجمته لسمعان السمعانى، وهو رجل دين لبنانى نصرانى ماورنى انتقل إلى روما وكانت له مساهمات فى الدراسات الاستشراقية، يقول عن كتابه “بحث فى أصل العرب قبل… النبى محمد، وعباداتهم وآدابهم وأعرافهم” (وهو مكتوب بالإيطالية، وطبع فى عام 1807م) إن “معظمه نقول عن مؤلفات المستشرقين، ويكشف فيه عن تعصب دينى خسيس ضد الإسلام” . ولا يكتفى د بدوى بهذا، بل يقول عن آل السمعانى كلهم، وهم مثل سمعان هذا رجال دين نصارى موارنة من لبنان انتقلوا إلى روما وعملوا هناك، بل وعن الموارنة جميعا. إن “من الكذب الفاضح إذن أن يدعى أحد أن آل السمعانى خدموا الثقافة العربية على أى نحو. وهذا الحكم نفسه ينطبق على كل حال رجال الدين الموارنة الذين عملوا فى أوروبا فى القرون من السادس عشر حتى اليوم. لقد كانوا جميعا فى خدمة هيئة التبشير والدعوة فى روما أو مترجمين لحكام أوروبيين، ولم يسهم أى واحد منهم فى البحث العلمى المتعلق بالثقافة العربية أو التاريخ العربى أو أى فرع يتعلق بالعلم عند العرب” . ولعلّ د بدوى بهذا الكلم يرد على أمثال نجيب العقيقى، الذى حاول الرفع من شأن آل سمعان ومؤلفاتهم، وخصّص لكل منهم ترجمة فى كتابه “المستشرقون” .وهنا تجدر الإشارة إلى أن العقيقى (وهو نصرانى) لا يثيره ما يثير د بدوى من تحامل المتحاملين من المستشرقين على الإسلام وكتابه ونبيه وتاريخه وأبطاله، بل لا يشير إلى شىء من ذلك. ولعل فى المثال التالى ما يغنى عن غيره، فقد أشار إلى كتاب سمعان السمعانى السالف الذكر مجرد إشارة (هكذا: “دراسة عن أصل وعقيدة وأدب العرب قبل الإسلام”) ، ولم يتلبث عنده أكثر من ذلك، وبالتالى لم يذكر لنا محتواه، فضلاً عن أن ينكر عليه ما أنكره عبد الرحمن بدوى. ومن الذين ذكر د بدوى بغضهم للإسلام وتعصبهم المقيت عليه الراهب البلجيكى لامنس، الذى وصمه قائلاً إنه “شديد التعصب ضد الإسلام، يفتقر افتقارا تاما إلى النزاهة فى البحث والأمانة فى نقل النصوص وفهمها، وَيُعَدّ نموذجا سيئا جدا للباحثين فى الإسلام من بين المستشرقين” . ووصف منهجه، وبخاصة فى كاتبه “فاطمة وبنات محمد”، على النحو التالى: “وأبشع ما فعله، خصوصا فى كتابه “فاطمة وبنات محمد”، هو أنه كان يشير فى الهوامش إلى مراجع بصفحاتها. وقد راجعت معظم هذه الإشارات فى الكتب التى أحال إليها فوجدت أنه إما أن يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقا فى هذه الكتب أو يفهم النص فهما ملتويا خبيثا أو يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث النية. وبهذا ينبغى ألا يعتمد القارىء على إشاراته إلى مراجع، فإن معظمها تمويه وكذب وتعسف فى فهم النصوص. ولا أعرف باحثا من بين المستشرقين المحدثين قد بلغ هذه المرتبة من التضليل وفساد النية” .

والحقُ أننى كنت قد قرأت هذا الكتاب من قبل ، ولاحظت عليه كثيراً مما نبّه إليه د بدوى وفزعت له أشد الفزع، وعجبت كيف يمكن أن يفسد التعصب والحقد التبشيرى البحث العلمى إلى هذا الحدّ البشع فيسوق صاحبه هذا السّوْق العنيف إلى محاولة تلطيخ سيرة نبى كريم من المرسلين وبطل عظيم من أبطال التاريخ يأتى على رأس هؤلاء وهؤلاء. نبى وبطل كتب الله على يديه أن تتقدم البشرية فى معراج الروح والحضارة والثقافة أشواطاً طوالاً وتفك عن أيديها ورقابها وعقولها الأغلال الدينية والسياسية والاجتماعية والنفسية التى كانت تعرقلها وتخنقها. هذا، وللامنس عدة دراسات عن الأمويين يرى د. بدوى أنه قد “بالغ… (فيها) فى تمجيد الأمويين بدافع من الحقد الشديد على الإسلام” ، كما أن له كتابا عن الإسلام وعقائده ونظمه سخر د بدوى من وصفه له بأنه “كتاب حسن النية” ووصفه بأنه “عرض سطحى جدا، وليست له أية قيمة علمية ولا حتى كدراسة مبسطة ابتدائية، لأنه مزجه بوجهات نظرة المليئة بكراهيته للإسلام فى غلّ منقطع النظير” .أما بالنسبة إلى مرجليوت فإنه يفرق بين تحقيقاته لكتب التراث العربى ودراساته عن الإسلام ونبيه فيرى أن فضل مرجليوت الحقيقى ينبغى أن يُلتمس فى الأولى، أما الأخيرة فـــ “تَسرى فيها روح غير عليمة ومتعصبة، مما جعلها تثير السخط عليه ليس فقط عند المسلمين، بل وعند كثير من المستشرقين” .

ثم يمضى قائلاً مستغربا: “وبنفس الروح كتب محاضراته بعنوان “العلاقات بين العرب واليهود”، الذى ظهر فى 1924، ومع ذلك اختاره المجمع العربى فى دمشق عضواً مراسلا عند نشأته فى 1920!!” . ولكن لم الاستغراب هنا فقط وليس فى استقدام الجامعة المصرية مثلا أمثال كازنوافا وماسينيون وكرواس وغيرهم وهم أيضا يكرهون الإسلام والمسلمين، وقد عاونوا أقوامهم على تثبيت أقدامهم فى بلادنا واستغلالنا وإذلالنا؟ على أية حال، فالذى يقرأ مرجليوت، وبخاصة فى كتابه Mohammed and the Rise of islam” “، سوف يرى صدق ما سطره يراع د بدوى فى ترجمته لهذا المستشرق، فقد كان ذلك الرجل فى كتابه هذا ينحاز دائمًا إلى صف الوثنية ضد الإسلام كما أنه قد اتهم الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام اتهامات عجيبة وتحسّر على أن اليهود لم يتحدوا فى وجهه ويقضوا عليه بدلاً من تركه يتخلص منهم قبيلة بعد قبيلة، مما أشرت إليه فى كتابى “معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين” .

ونختم هذا الجزء من فصلنا الحالىّ بما كتبه المؤلف عن المستشرق والمبشر البريطانى موير، الذى يقول عنه إنه “كان شديد التعصب للمسيحية، ولهذا اشترك بحماسه شديدة فى أعمال التبشير بالمسيحية التى كانت تقوم بها البعثة التبشيرية العاملة فى مدينة أجرا بشمال الهند (والتى فيها “تاج محل” أجمل الآثار الإسلامية فى الهند)” . ويشير باستغراب وتعجب إلى محاولة موير فى كتابه: The Testimony borne by the Coran to the Jewish & Christian Scriptures “أن يبين… أن على المسلمين الإقرار، بشهادة القرآن نفسه، بصحة التوراة والإنجيل (الكتاب المقدس) كما هما فى نصّهما الحالى!” . كما أكد أن المقالات التى دبجها عن سيرة النبى عليه السلام ثم جمعها بعد ذلك فى كتاب قد كُتبت “بروح متعصبة خالية من الموضوعية ومن أجل هدف تبشيرى خبيث” .

وأن هذا الكتاب وكتابيه الآخرين عن الخلافة “تسودها كلها نزعة مسيحية تبشيرية شديدة التعصب” ، وأن فى كاتبيه عن “القرآن” و “الجدال مع الإسلام” تحاملا شديدا على ديننا .وفى هذه النصوص التى اقتبسناها من الموسوعة تبرز غيرة على الإسلام وتاريخه، وإن كان الحق يقتضينا أن نقول إن هناك مواضع أخرى فى الموسوعة ينقصها تنبيهات كهذه. والسؤال الآن هو: ما مبعث هذه الغيرة؟ أهى غيرة دينية؟ يغلب على ظنى أن غضب المؤلف إنما هو للإسلام كحضارة وثقافة وتاريخ، على الأقل فى المقام الأول. ولست بهذا أقلّل من قيمة هذا الدفاع، فهو دفاع طيب وفعّال. وعلى المسلمين أن يستفيدوا من كل ما يُكْتَب لصالح دينهم أيا كانت الزاوية التى كُتب منها.

والإسلام، ككل شىء فى الحياة، ذو جوانب متعددة: فهو دين، وهو تاريخ، وهو حضارة، وهو فكر… إلخ. وأىّ دفاع عنه من جانب من هذه الجوانب ينبغى أن نرحب به ونهش له ونبتهج. وهذا، على أى حال، أفضل من أولئك الذين ينتسبون إلى الإسلام بأسمائهم، وقلوبهم وعقولهم ضده أو فى أحسن الأحوال باردة تجاهه بل إن بعض المحسوبين على الإسلام ليضطغنون عليه أشد من اضطغان أعدائه الذين هم من خارجه، ويقولون فيه أحيانا ما لا يقول هؤلاء، ويحاربونه محاربة ألدّ وأضرى. هذا، وأحيانا ما يحلل د بدوى منهج المستشرق الذى يترجم له، وقد يقارنه بمنهج غيره من المستشرقين، وذلك كصنيعه مثلا فى ترجمة المستشرق الإسبانى بلاثيوس، حيث قال إن “منهجه العلمى يستند إلى اللمحات البعيدة واللوامع العبقرية أكثر مما يستند إلى الوثائق والقواعد المنهجية الوثيقة، ويحفل بالفروض أكثر مما يحفل بالوسائل الكفيلة بتحقيقها على أصول راسخة”، ومع ذلك فإنه يؤكد أن “كثيرا من نظراته اللماحة التى بدت فى البدء خيالية قد جاءت الوثائق المكتشفة فيما بعد لتؤيدها، فضلا عن أنها وجهت وستوجه البحث فى اتجاهات جديدة ما كان يمكن الانتباه إليها لولا قبساته الوضاءة هذه. ومن هنا جاء الكثير منها موحيا أكثر منه مقنعا”. ثم يمضى قائلا إن “تقدم البحث العلمى فى حاجة إلى كلا النوعين من الباحثين: أصحاب المنهج المحكم الدقيق، وأصحاب اللماحة والقبسات الوضاءة والفروض الخصبة الجريئة”.

ويختم كلامه بقوله: “ولهذا سيظل أسين بلاثيوس علما حيا من أعلام البحث العميق والفهم الناقد والإدراك الموحى والوجدان المشبوب” . ويمتاز نلينو، فى نظرة “بمنهجه التحليلى الاستقرائى الذى يحول بينه وبين الالتجاء إلى افتراض الفروض الواسعة الجريئة التى إن دلت على نفوذ البصيرة وعمق الوجدان فأن فيها الكثير من الخطر. ويمتاز أيضا ببحوثه التحليلية الدقيقة، فهو لا يلجأ إلى البحوث التركيبية الشاملة إلا إذا حمل عليها قسرا. ولهذا فإن نتائج أبحاثه نتائج حاسمة فى معظم الأحيان، إن لم يكن فيها كلها. وهو فى استقامته فى الحكم لا يكاد يجاريه أى مستشرق آخر على وجه الإطلاق” . ويمكن أن تجد أمثلة أخرى فى تراجم جولدتسيهر و (إجنتسيو) جويدى ولامنس وماسينيون.وقد لاحظتُ أن د بدوى أحيانا ما يترك الترجمة التى يكون بصددها ويستطرد إلى موضوعات فرعية عارضة: ففى ترجمة بِكَر مثلا يخرج إلى الكلام عن الطبقات الاجتماعية . وفى ترجمة بلاثيوس يلتفت مستطردا إلى الحديث عن سرقسطة وتاريخها ، وفى ترجمة جوليوس يتحدث عن مكتبة ليدن ومخطوطاتها .

وفى ترجمة كاترمير ينعطف إلى شرح الطريقة التى كان هذا المستشرق ينظر بها إلى المعجزات … إلخ. وفى الموسوعة كثير من المعلومات الهامة. ومن ذلك أن المؤلف كثيرا ما يورد، بعد ذكر أعمال المستشرقين، ترجماتها إلى اللغات المختلفة. ومنها ما ذكره من عثور المستشرق اسكالجيه على بعض العملات الإغريقية وعليها صورة للإسكندر الأكبر وله قرنان، مما يدل فى نظر ذلك المستشرق على أن ذا القرنين الوارد فى القرآن الكريم هو بعينه الإسكندر المقدونى . ومما تمدنا به الموسوعة أن إلياس بقطر وروفائيل القبطى كانا من المصريين الذين اتصلوا بالحملة الفرنسية وتعاونوا معها ثم نزحوا برفقتها حين عادت إلى بلادها بعد فشلها . فهذان اسمان يضافان إلى الجنرال يعقوب الخائن الذى حاول د. لويس عوض أن يلوى عنق الحقيقة ويجعل منه بطلاً وطنيًا.

ومن الموسوعة أيضا نعرف أن المستشرق بوستل هو أول من أعطى الرسول عليه الصلاة والسلام حقه من التقدير من بين الأوروبيين وأنه انفرد بهذا لمدة قرن من الزمان . وأن المستشرق خويه قد كتب بحثًا يدافع فيه عن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ، وأن ميكانجلو جويدى كان يخالف د. طه حسين فى آرائه المتطرفة عن الشعر الجاهلى وغيره وكانت بينهما مشاحنات فى هذا الصدد ، وأن ماكس مايرهوف قد عاش فى مصر وتجنس بجنسيتها . ومن ذلك أيضا أن المعجم اللاتينى العربى الثانى قد رتب الكلمات العربية حسب الصيغة لا على أساس جذر الكلمة . وقد كنت أحس أن المعاجم التى ظهرت فى عصرنا من هذا النوع كمعجم لاروس ومعجم الرائد (وهما معجمان عربى- عربى) هى معاجم رائدة فى هذا السبيل؛ فهذه المعلومة تصحح هذا الخطأ.

أما عن أسلوب د. عبد الرحمن بدوى فى هذه الموسوعة فهو أسلوب بسيط، ليس فيه كلفة تقريبا لدرجة أن القارىء يصادف سهواً فى تركيب الكلام بين الحين والحين: فمن ذلك قوله عن ترجمة بالمر للقرآن: “وقد اختلف الرأى بين المستشرقين البريطانيين فى قيمة هذه الترجمة”، وكان المفروض أن يذكر بعد هذا الآراء المختلفة فى هذه الترجمة. ولكنه لم يذكر إلّا رأى الزارين عليها . وهذا نقص فى الكلام واضح. ويقول أيضا: “لأن مديرى شركة شرقى الهند… لم تضع تحت تصرفهما مالاً” ، وهو سهو مبعثه ظنه، فى عجلته، أن الضمير فى “تضع” يعود على “الشركة” لا على مديريها. ومنه أيضا هذه العبارة المرتبكة: “وقد وصف هذه الرحلة فى كتاب من جزئين (يقعان فى 576ص) ظهر فى كمبردج 1870، مع إيضاحات عديدة ورسوم قام بها زميله دريك، ومزودين بخمس خرائط” . وقد وضعت خطّا تحت الكلمات التى ترتبك فيها الضمائر مما يغنينى عن الشرح. كما أنه يقول: “ويقال إن… الساعة لاندلاع المذبحة كانت محددة من قبل” ، والأفضل أن يكون الكلام هكذا مثلا: “ويقال إن ساعة اندلاع المذبحة كانت محددة من قبل”، مثلما أن الصواب أن تُجعل عبارته التالية : “وتمخض عن ذلك كتابه- أورد فيه نصوص هذا النقوش” هكذا: “وتمخض عن ذلك كتابه- الذى أورد فيه نصوص هذه النقوش”. أمّا فى الجملة الآتية: “فإذا اعترض أحد قائلا:… لردّ اسخولتنز… ” فقد أجرى “إذا” مجرى “لو”، وبالتالى فقد أدخل على جوابها “اللام”. كما أن كلمة “عزل” (جمع “أعزل”) قد ضبطت بضم العين وتشديد الزاى مع فتحها ، والصواب: “عُزْل” بتسكين الزاى، مثل “أحمر- حُمْر، وأخضر- خُضْر، وأبرص- بُرْص، وأكتشف- كُشْف… إلخ”. كذلك فقد جمع “أوّل” صفة لمذكر عاقل على “أُوَل”، وذلك فى قوله: “المؤرخون العرب الأول” ، والصواب فيما أقدر: “المؤرخون الأوائل”، لأن :الأُوَل” جمع “الأولى” لا “الأوَل”. كما أنه يستخدم دائما “العديد” بمعنى “الكثير”. والذى أعرفه أن معناها “المعدود”.وقد تَرِكّ عبارته أحيانا، كقوله: “وهو أبعد ما يكون عن أن يكون قد تقادم” ، وقوله: “إن كتابه هو ليس فقط تقدم على كتب النحو التى سبقته بل هو أيضا علم رائع” ، الذى ربما كان من الأوفق صوغه هكذا: “إن كتابه لم يتقدم فقط على كتب النحو التى سبقته، بل…”. وهو يجرى على سنة الأسلوبالإنجليزى فى قوله: “لا ندعه يحسب أن المسألة سهلة” . والأسلوب العربى يعبر عادة عن هذا المعنى هكذا: “ينبغى ألا يحسب أن المسألة سهلة”. ولعلّ تعبيره عن الحدث الثانى من حدثين ماضيين بصيغة المستقبل مرجعه أيضا إلى التأثر ببعض الأساليب الأوروبية. وهذه أمثلة على ذلك: “لكنه أصيب بالطاعون الذى سيودى بحياته” . “توطدت الصلة القوية بينهما…، وستستمر طوال حياة الأستاذ” . “رأى من الضرورى الصعود إلى القبائل العربية فى عهد النبى والخلفاء الأمويين، لأنها هى التى قامت بفتح أسبانيا وستستقر منها جماعات كبيرة هاجرت مع الفاتحين” . “وكان قد تزوج فى 1786، وسينجب ولدا هو صمويل استازاد، الذى سيصير صحفيا كبيرا” … وهلم جرا. ورغم بساطة أسلوب الموسوعة، تلك البساطة التى تختلط بشىء من الإهمال فى صياغة العبارة، فإننا نُفاجأ هنا وهناك باستعمال المؤلف بعض الكلمات والصيغ غير الشائعة، مثل “أفكَرَ”، وذلك فى العبارات التالية وأشباهها: “أفكر آربرى فى تقدم الشرق إلى الغرب” ، “أفكر أيضا فى أن يضيف ترجمة فارسية” ، “أفكرت… فى أن أتخصص فى الدراسات الهندية الجرمانية” … إلخ. و “أراغ إلى” (بمعنى “مال”) ، و “امتتح” (بمعنى “استخدم) فى قوله: “المصادر التى امتتح منها المؤرخون السابقون” .ونختم بإيراد عناوين بعض المراجع العربية عن الاستشراق والمستشرقين:

المستشرقون: نجيب العقيقى (3 أجزاء).

الاستشراق: إدوارد سعيد (ترجمة د. كمال أبو ديب).

المستشرقون وترجمة القرآن الكريم: محمد صالح البنداق.

المستشرقون والقرآن: د. إبراهيم عوض.

التبشير والاستعمار: مصطفى الخالدى وعمر فروخ.

المستشرقون والمبشرون فى العالم العربى والإسلامى: إبراهيم خليل أحمد.

الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية: د. قاسم السامرائى.

الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضارى: د. محمود حمدى زقزوق.

الدراسات العربية الإسلامية فى الجامعات الألمانية: رودى بارت (ترجمة د. مصطفى ماهر).

علماء أجانب فى خدمة الثقافة العربية: د. جمال الدين الرمادى.

الاستشراق والمستشرقون: د. عدنان وزان.

الاستعراب فى الاتحاد السوفيتى: محمد المعصرانى.

الإسلام وموقف علماء المستشرقين: د. عبد الحميد متولى.

أضواء على الاستشراق: د. محمد عبد الفتاح عليان.

الرسول فى كتابات المستشرقين: نذير حمدان.

مستشرقون: نذير حمدان.

المبشرون والمستشرقون: د. محمد البهى.

مناهج المستشرقين فى الدراسات العربية الإسلامية: مجموعة من الأساتذة من أنحاء العالم العربى (جزآن).

رؤية إسلامية للاستشراق: د. أحمد عبد الحميد غراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاستراتيجيات الأمريكية والتحالفات الدولية عرض ونقد وتقييم 9 والأخير

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي    يبدو أنه لا يختلف إلا في الشكل. …