أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / صلاح الدين الأيوبي.. الفضلُ ما شهدت به الأعداءُ؟

صلاح الدين الأيوبي.. الفضلُ ما شهدت به الأعداءُ؟

عبد الرحمن قارف

كاتب جزائري
عرض مقالات الكاتب

الحمد لله رب العالمين، و بعد:
صلاح الدين.. ما أروع هذا الاسم و أعظمه!
هذا الاسم اللامع لطالما تغنَّت به أقلام المؤرخين، المسلمون منهم و غير المسلمين، فلا أشهر منه في ذاكرات الأمم يعرفونه، و لا أعظم منه أثرا في تاريخ الحروب الصليبية يعلمونه.. و لا غرو؛ فصلاح الدين حاكم مسلم فذ ليس عند الأمم كلها سوى أمة الإسلام مَن هو في عُشر معشار عظمته و قيمته، و هو قائد عسكري فريد أحسبُهُ واحدا مِن أعظم 20 قادة عسكريين عرفهم التاريخ، و هو بعد ذلك إنسان في أسمى درجات الإنسانية أخلاقا و قِيما و سلوكا حتى شُدِه له الغربيون و اندهشوا، فراح روائيوهم و أدباؤهم ينسجون حوله الأساطير و الخرافات الواهية في رواياتهم و أدبياتهم و مسرحياتهم التاريخية، بل إنني قد انتهيتُ إلى حقيقة مفادها أنَّ أكثر شخصية إسلامية مؤثرة في التاريخ يحسدنا عليها أعداؤنا و يتمنون لو أنَّ في تاريخهم مثلها هي شخصية صلاح الدين الأيوبي.
و الساعةَ قد جئتُكم بطائفة من أقوال المؤرخين الغربيين و المستشرقين، قديما و حديثا، عن صلاح الدين لتروا حجمَ تأثير هذا الرجل عليهم، و كيف أنَّه رغم كُفرهم و عداوتهم للإسلام و أهله بيد أنهم عجزوا في كثير مِن الأحيان عن إخفاء إعجابهم المفرط بشخصيته و اندهاشهم مِن أخلاقه الكريمة و فِعاله الراقية، و يأتي عرضُ أقوالهم دونما حاجة لها كي نُدرك عظمة صلاح الدين و قيمته التاريخية، فمَن هو مِثله لا يحتاج لتزكيةٍ مِمن هو عدوٌّ له و لربِّه و لدينه، و لكن ذلك العرض إنما هو على طريقة قول العرب (الفضلُ ما شهدت به الأعداءُ). مع العلم بأنَّ درجات الإنصاف و الحق تتفاوت مِن قول إلى آخر تبعا لدرجة تجرُّد قائلها للحق و الحقيقة التاريخية، و لذلك فمنها ما هو حق و إنصاف كلُّهما، و منها ما هو خليط بين الحق و الباطل و بين الإنصاف و الإجحاف، و مِنها ما يغلب فيه الحق و الإنصاف على الباطل و الإجحاف، و ليس لنا في كل ذلك تعليق و لا تعقيب، بل أمرُ تلك الأقوال و تقويمها و زِنتها متروكُ لكم معاشر القُرَّاء. و كذلك نجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الأقوال هي مختلفةُ الموضوعات؛ فتارة تكون عن فروسية صلاح الدين و شجاعته في الحروب، و تارة عن سياسته و سلوكاته مع أعدائه، و تارة عن أخلاقه الكريمة و خصاله الحميدة، و تارة عن تأثيره على النصارى الأوروبيين و نظرتهم له المليئة بالإعجاب المفرط به، و غير ذلك.

1- ويل ديورانت في كتابه (قصة الحضارة):
– ((كان (صلاح الدين) يُعامل خدمه أرق معاملة، و يستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، و كانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب، و لم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا دينارا واحدا؛ و قد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أيةُ فلسفة مسيحية)).

– ((كان صلاح الدين مستمسكا بدينه إلى أبعد حد، و أجاز لنفسه في الحرب أن يقسو أشد القسوة على فرسان المعبد و المستشفى، و لكنه كان في العادة شفيقا على الضعفاء، رحيما بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي -الخاطئ في ظنهم- رجلا يصل في العظمة هذا الحد))

– ((لقد أجمعت الآراء على أنَّ صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية)).

2- ستانلي بول في كتابيه (صلاح الدين و سقوط مملكة بيت المقدس) و (سيرة القاهرة):
– ((لقد أجمع الناس على أن صلاح الدين كان نادر المثال في أخلاقه، فهو بلا شك طاهر النفس، شجاع، رقيق الطبع، لين الجانب، رحيم الفؤاد، زاهد في الدنيا، مجاهد، ليس فيه كبر، بل فيه بساطة وورع)).
– ((لقد تجمعت كل قِوى العالم المسيحي في الحرب الصليبية الثالثة، و لكنها لم تستطع أن تنال من قوة صلاح الدين و سُلطانه، و لما انتهت حروب السنوت الخمس و خفت محنتها و مصائبها لم يكُن لصلاح الدين منافس يحكم الأقطار التي تقع بين جبال كردستان و صحراء ليبيا. و كان ملك جورجيا و كاثوليك أرمينيا و سلطان قونية و إمبراطور القسطنطينية -و كلهم وراء الحدود- يخطبون ودَّه و يتوقون إلى محالفته)).

– ((كل قوة المسيحية المركزة في الحملة الصليبية الثالثة لم تستطع أن تهز سلطة صلاح الدين)).

3- توماس آرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام):
– (( في عهد صلاح الدين الأيوبي في مصر تمتع المسيحيون بالسعادة إلى حد كبير في ظل ذلك الحاكم، الذي عُرِف بالتسامح الديني، فقد خففت الضرائب التي كانت فُرِضت عليهم، و زال بعضُها جملة، و ملأوا الوظائف العامة؛ كوزراء، و كُتاب، و صيارفة. و في عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح و الرعاية قرابة قرن من الزمان، و لم يكُن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد و الانحطاط)).

3- كارل بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية):
– ((لم يستطع أعداؤه (أي صلاح الدين) أنفسهم إلا الإقرار لهم بالشهامة و النُبل في معاملة الخصم المغلوب. ليس هذا فحسب، فقد كان صلاح الدين بالإضافة إلى ذلك كله نصيرا للعلم، و لقد وُفِّق إلى نفر من العلماء حفظوا جميله له)).

– ((وُفِق صلاح الدين بعزيمته الراسخة و موهبته الدبلوماسية النادرة إلى يثب من غمرة هذا الوضع الحرج الدقيق (أي بعد استوزاره للملك الشيعي العاضد في مصر) إلى قمة من القوة و السلطان لم ينته إلى مثلها أحدٌ من أمراء الإسلام منذ عهد طويل)).

4- إدوارد جيبون في كتابه (تاريخ اضمحلال الإمبراطورية الرومانية و سقوطها):
– ((روحه الطموحة سرعان ما تخلت عن إغراءات اللذة لما هو أعظم خطرا من الشهرة و السلطان؛ كانت ملابسه من الصوف الخشن، و كان الماء شرابه الوحيد، و كان في زهده مثالا في “العفة”، و هو في إيمانه و سلوكه مسلم صلب، و كان دائم الحزن أنَّ انشغاله بالدفاع عن الدين حرمه من الحج إلى مكة، كان محافظا على الصلوات الخمسة يوميا، يؤديها خاشعا مع إخوانه، و إذا نسي فلم يصُم حرص على الصدقة، و كان يقرأ القرآن على صهوة الخيل عند التقاء الجيوش، و ربما نقل هذا على سبيل المبالغة كدليل على التقوى و الشجاعة)).

5- أولج فولكف في كتابه (القاهرة.. مدينة ألف ليلة و ليلة):
– ((كان سياسيا محنكا ذو رأي صائب. و تمتع بمقدرة على انتقاد مستشاريه و الإصغاء إليهم، و هي مقدرة هامة لأي ملك، كما تميز بالصدق في وسط كانت تُسممه الخديعة، و بالتسامح إلا فيما يتعلق بسيادة العقيدة. و قد خاض غمار الحروب طيلة حياته رغم قلة بنيته، و اتصفت أخلاقُه بالشهامة و الفروسية، و كانت تملؤه روح العطف و الحب مما أثر في أفكاره و أفعاله.. كان دؤوبا على مله، بسيطا في حياته، عميقا في إيمانه حتى مثَّل -بحق- الصورة المثالية لفارس عربي)).

6- هاملتون جِب في كتابه (صلاح الدين الأيوبي):
– (( لم يُحقق هذا الأمر (أي الزهد) عن ذريق القدوة التي تجلت في شجاعته و عزمه الذاتيَيْن -و هما من سجاياه التي لا سبيل إلى نكرانها- بقدر ما حققه من خلال نكرانه للذات و تواضعه و كرمه و دفاعه “المعنوي” عن الإسلام ضد أعدائه و ضد مَن ينتمون إليه في الظاهر فحسب، على حد سواء. و لم يكن صلاح الدين رجلا ساذجا، و لكنه مع ذلك كان غاية في البساطة و رجلا نزيها لدرجة الشفافية. لقد أوقع أعداءه الداخليين و الخارجيين في حيرة من أمرهم، لأنهم توقعةا أن يجدوا الحوافز التيت حركه على غرار حوافزهم، و توسموا فيه أن يُمارس اللعبة السياسية على طريقتهم هم.. كان بريئا كل البراءة)).

7- فيليب حتى في كتابه (العرب.. تاريخ موجز):
-((لم يكن صلاح الدين بطلا و حاميا للسُنة فقط، بل كان مُنشطا للعلم و العلماء، مشجعا للدراسات الدينية و مصلحا اجتماعيا و اقتصاديا، فلقد أنشأ المدارس و المساجد و ابتنى السدود و احتفر الأقنية.. و صلاح الدين عند العرب في مصاف هارون الرشيد و بيبرس؛ في مقدمة مَن تهواهُم مُخيلاتُ الشعب عامته و خاصته إلى يومنا هذا. أما في أوروبا فلقد أطنب في ذِكراه المنشدون في العصور الوسطى و حاكاهم في ذلك الروائيون العصريون، و هو لا يزال يُعتبر حتى اليوم مثال الفروسية الكاملة)).

8- غروسيه في كتابه (حروب القدس في التاريخ):
– ((بعكس الصليبيين نفذ صلاح الدين وعوده بشرف و بشعور إنساني، و بروح فروسية، مما أثار إعجاب المؤرخين اللاتين الذين سردوا أحداث تلك الفترة.. و طلب بعض المتعصبين من صلاح الدين هدم معابد المسيحيين و تدمير كنيسة القيامة بهدف إلغاء حج المسيحيين “المؤمنين بالثالوث المقدس” فصدهم عن ذلك بكلمة منه، قال: ((لماذا الهدم و التدمير طالما أن هدف عبادتهم هو مكان الصليب و القبر المقدس، و ليس البناء الخارجي؟ و حتى لو سويت الأبنية بالأرض فإنَّ مختلف الطوائف المسيحية لن نتخلى عن السعي للوصول إلى هذا المكان لنفعل، إذن، كما فعل الخليفة عمر الذي احتفظ بهذه الأبنية عندما فتح القدس في السنوات الأولى للإسلام)).. إنَّ كل ما يتحلى به هذا السلطان العظيم من رحية الرأي و المعتقد يبرُز في هذه العبارة الجميلة)).

9- جيمس رستون في كتابه (مقاتلون في سبيل الله):
– ((و هكذا سلك جنود صلاح الدين سلوكا مثاليا في احتلالهم للقدس سنة 1187م، و قد نظر صلاح الدين لنفسه و سمعته بعد الانتقام لما فعله الصليبيون في الحرب الأولى سنة 1099م، و بسبب حمايته لكنيسة القيامة و أماكن مسيحية أخرى كثيرة، سيتذكر الجميع تسامحه تجاه أهل الأديان الأخرى، و تجاه الأماكن المقدَّسة للدين المسيحي، و يبدوا أنَّ أفعاله اعتُبِرت علما و نموذجا على كيفية سلوك المسلك الصالح، فبسبب عفوه، و وجوه الخير المتعددة في طبيعته، و سلوكه تجاه أعدائه سيظل مشهورا إلى الأبد باللطف و التسامح و الحكمة)).

10- زيجريد هونكه في كتابها (الله ليس كذلك):
– ((حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرداد بيت المقدس (583ه/1187م) التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبل (492ه/1099) بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحة لا تُدانيها مذبحة وحشيةً و قسوةً، فإنه لم يسفك دم سكانها من النصارى انتقاما لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته، و أسبغ عليهم من جوده و رحمته، ضاربا المثل في التخلق بروح الفروسية العالية، و على العكس من المسلمين، لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزام خلقي تجاه كلمة الشرف أو الأسرى)).

11- ستيفن رنسيمان في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية):
– ((يُعتبر صلاح الدين من بين كبار رجال فترة الحروب الصليبية و أكثرهم جاذبية. و لم يتجرد من الأخطاء، ففي سبيل الوصول إلى السلطة أظهر من المكر و القسوة ما لا يتلاءم مع ما حصل عليه من شهرة و صيت فيما بعد.. كان شديد التقوى، و برغم ما أحس به من الرحمة و العنطف نحو أصدقائه المسيحيين فإنه اعتقد أن أرواحهم مصيرُها جهنم، و مع ذلك احترم أساليبهم، و اعتبرهم رفاقا، و اختلف عن ملوك الصليبيين في أنه لم ينقض عهده متى بذل العهد لأحدهم مهما اختلف عنه في الدين.. و برغم حماسه الديني الشديد كان دمثا سخيا، و باعتباره غازيا و قاضيا اشتهر بالرحمة، و باعتباره سيدا كان متسامحا شديد التعقُّل و الرزانة)).

12- كارولين هيلينبراند في كتابها (تطور أسطورة صلاح الدين في الغرب):
– ((لم يحدث أن تعلقت مخيلة الأوروبيين بشخص مسلم قدر تعلقها بصلاح الدين. إنَّ تفوقه على معاصريه من مسلمين و نصارى، أقرَّ به أعداؤه الصليبيون إبان حياته. و إن صورته -حتى في ظل التعصب الأعمى للعصور الوسطى- قد بقيت نقية، لا، بل أُضفِي عليها عناصر رومانسية، في وقت كان فيه موقف أوروبا من الإسلام مزيجا مؤسفا من الجهل و العداء)).

13- نيكتاس خونياتس (نقلا عن كتاب: قالوا عن صلاح الدين، للدكتور مؤنس):
– ((المسلمون أكثر رحمة من الصليبيين، فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا اللاتين بلطف ورقة، وحافظوا على حريمهم، ولم ينتهكوا، ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على عدم دفن موتاهم بجواره)).

و بعد؛ فقد كان ما سبق من نقولات غيضا فقط من فيض أقوال المؤرخين الغربيين و المستشرقين عن صلاح الدين و إنصافهم له رغم أنوفهم، و للأمانة فإنني وجدت كثيرا من تلك الأقوال قد جمعها المؤرخ الإسلامي القدير محمد إلهامي جزاه الله خيرا في كتابه (في أروقة التاريخ) الجزء الأول، و قبله الدكتور المؤرخ الكبير حسين مؤنس في كتابه (ماذا قالوا عن صلاح الدين.. شهادات من الشرق و الغرب) فقمتُ بنقلها مباشرة من كتابيهما المذكورين آنفا مع الرجوع إلى مصادرها الأصلية للتوثُّق من كل كلمة فيها.
فرحمة الله على الملك الناصر فاتح أولى القبلتين، و خادم الحرمين الشريفين.. قاهر الصليبيين، و مُحرر مصر من دنس روافض العُبيديين، يوسف بن أيوب بن شاذي، صلاح الدين الأيوبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

في مجال الحرب الحديثة !

العميد د. م. عبد الناصر فرزات أسلحة جديدة في ميادين الحروب: (أ) …