أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قراءة في آليات حكم العائلة لسورية

قراءة في آليات حكم العائلة لسورية

د. صلاح قيراطة

كاتب وباحث سياسي
عرض مقالات الكاتب

لا أستطيع أن أحدد بدقة ما إذا كانت القبضة الأمنية الحديدية، والمدعومة بقوة عسكرية مهولة عند الضرورة هي غاية أو سبب في مرحلة حقبة حكم آل الأسد التي تجاوزت نصف قرن حتى الآن …
أقصد هل كان حافظ الأسد يدرك بشكل مسبق، أن قيادة الشعب السوري من الصعوبة بمكان لذا كان قد وضع في حساباته بشكل مسبق اعتماد العنف كأحد أشكال الاخضاع و الإذعان المفروض برسم القوة، أم أن بعضًا من نفور برز في أحداث الثمانينات كان سببًا في تغول الأجهزة الأمنية مشفوعة بقوة عسكرية حيث كشّر ( الأسد ) عن أنيابه…

وهنا لا أخفي على القارىء العزيز مايراودني، بعد أن رأينا ما رأينا من تداعيات الثورة السورية على كافة الصعد، لاسيما منها تلك التي تتعلق بالتركيبة ( البنيوية ) للمجتمع، حيث عبث بها ما أدى إلى ( تغيير ديموغرافي ) تغيير كذلك لا أستطيع أن أحسم امري بشأنه، ولازلت في تناقض متسائلا هل كان هذا ( التغيير ) أحد أسباب الحرب، أم نتيجة لها؟

مع أني أعطى تقدما ورجحانا للفكرة الأولى، وهي أنه كان سببًا لا نتيجة، لاسيما عندما أضع في حساباتي التغلغل الفارسي الطائفي في القرار السوري …

وفي ذات السياق يسيطر عليَّ تساؤل آخر:

ياترى هل كانت أحداث الثمانينات بمبادأة فعلا من ( جماعة الإخوان المسلمين )، أم أنه تم تحريكهم للبطش بهم،، في وقت كان النظام قويًا، والجماعة ليست كذلك، مما سهل عليه توظيفها، والاستثمار في النتائج والتغطية على المذابح التي تعرض لها السوريون؟ لأطوّر ما افكر به وأقول :
هل أحداث الثمانينات كانت مخططة والغاية أن يكمل حافظ الأسد مشروعه الطائفي والخياني في القوات المسلحة الذي بدأه مع اللواء ( صلاح جديد ) الأمين العام المساعد للحزب الذي انقض عليه لاحقا من قبل سرايا كان قد أعدها حافظ الأسد لساعة كتلك ووضع على رأسها موظف الأمن العام رفعت الأسد، الذي لم يدخل يوما كلية عسكرية! علماً أن ( صلاح جديد ) كان فنانا في التآمر إلا أن حافظ الأسد تمكن من التآمر عليه …

ومعلوم أن المشروع الذي بدأه الشخصان كان مشروعًا إقصائيا ببعد طائفي، وكانت الغاية وضع الجيش العربي السوري في المكان الفئوي كخادم ( لنظام ) لا وطن، ليصبح مع بشار خادم ( عائلة ) لا ( نظام )، وفي كل الحالات والاحتمالات تم توظيف ( عقائدية ) الجيش في مكان ليس له، حتى آلت الأمور إلى ماهو عليه خلال هذه الحرب التي نعيش .

ما يهمني فيما أذهب إليه في قولي ضمن مقالي ، هو تراجع الأداء السياسي ( للعائلة المالكة ) على حساب التقدم العسكري، ولعل هذا برز فاقعًا في كل محطات ( الصراع ) سيما الأخيرة منها في درعا فبينما كانت الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد تحاصر وتقصف درعا البلد، كان الفعل السياسي حكرًا على المفاوض الروسي الذي كان ينقل إلى مفاوضيه من الأهالي شروط فك الحصار ووقف إطلاق النار …
علماً أن الدور الذي قام به الروسي، والذي طالما وصف بالضامن أو الوسيط لم يكن للحظة محايد أو حيادي، بل كان متمماً لآلة الحرب ومتناغماً معها، في هذا السياق بدى وزير الخارجية لافروف واضحاً في مؤتمره الصحافي مع نظيره الإسرائيلي عندما قال أن درعا ( وغيرها من الأراضي السورية ) ينبغي أن تكون خاضعة لسيطرة ( الجيش العربي السوري ) …

من خلال تجربتي في النظام أقول :

لعل شيئًا من هذا أنه كلام حق أريد به باطلاً، فمن حق كل دول العالم وضمنا كياناته ان تفرض سيادتها على كامل ترابها الوطني في حالة حكمت بسلطة شرعية لا عصابة متسلطة على الحكم مرتكبة لجرائم ضد الإنسانية ! ، الا ان الوقائع على الأرض تعلمنا بشكل واضح وصريح أن ثمة تطابقًا في مفهوم السيادة بين موسكو والأسد، حيث يراها الطرفان من منظار السيطرة العسكرية والإرغام، لا من منظار قبول الأهالي بها أو تقديم ما يغريهم بالقبول…

ولعل التطابق في الأهداف بين الجانبين الروسي و ( العائلي ) يعيد طرح السؤال حول تولي الأول منهما مهمة التفاوض مع أهالي درعا، وهي لم تكن المرة الأولى في درعا أو سواها، فلماذا لا يفاوض ممثلوا ( العائلة ) مباشرة ؟..

السؤال ذاته يطل عند التذكير بمفاوضات مشابهة مع فصائل محلية، قبل التدخل العسكري الروسي، فقد تولى الإيرانيون قيادتها، وقد قدموا في وقتها الضمانات المتعلقة بالالتزام بها… ليس هذا فقط، بل يُذكر أن ممثلين عن الفصائل في بعض المناطق ذهبوا حينذاك لمكان طالبوا من خلاله بوجود الإيراني كدلالة على جدية التفاوض من قبل الأسد، وكضمانة لتنفيذ ما يُتفق عليه…
آنذاك كان الإيراني يأتي مع مترجم خاص رفقة الضابط السوري المفاوض، ويتدخل أحياناً عندما يتعنت الضابط فيهمس له بما يتوجب عليه قوله، أو يخالف ذلك الضابط عندما يقول أنه سيراجع قيادته لأنه لا يستطيع اتخاذ القرار، فيملي عليه الإيراني القرار ليبدو وكأنه هو صاحبه الفعلي…
هذا كله يؤشر على ماهو واقع فعلا وهو أن الأسد منزوع السيادة، وهذا ما يمكن أن تركن إليه لنفسّر اسباب قيام الإيراني ثم الروسي بالتفاوض نيابة عنه، بل تباريهما في إظهار سطوة كل منهما عليه…

وهنا لنا ان نؤكد ان التفريط بالقرار والسيادة لا يفسّر وحده قيام الوصيين بالتفاوض في حالات لا تحمل رمزية أو خصوصية لهما، فالروسي مثلاً لا يحتاج أن يفاوض أهالي درعا ليثبت للعالم إمساكه بالقرار، فقد أثبت ذلك في مناسبات أهم مثل مسار أستانة وحتى مسار اللجنة الدستورية…
ليتأكد هنا مدى انعدام ثقة المفاوضين عن الأهالي أو المقاتلين يفسّر مطالبتهم بالمفاوض الإيراني ثم الروسي، وانعدام الثقة إذ يشرح جانباً من الأمر فهو يفتح على سؤال انعدام الثقة ومعناه في حالتنا…

ليبرز جليا ما بدأت به مقالي متسائلا، ولتكون الإجابة هنا وبالارقام وعلى رؤوس الاشهاد وهو ان نظام حكم ( العائلة المغتصبة لا يريد ثقة محكوميه، بقدر ما يريد خوفهم منه وإذعانهم غير المشروط له…
غير أن الخوف والإذعان لا يحتمان استخدام فائض القوة طوال الوقت، لأن من تدابير الاستبداد استخدام مختلف أنواع القوة الخشنة والمتوحشة بما فيها الذكية والناعمة…
هذا ماكان واضحا منذ ان تم الانحياز للحل الأمني دون الالتفات للوراء وقد تواكب هذا مع اغتيال ( خلية الازمة ) مما جعل آليات حكم ( العائلة ) مختصة بالقوة المتوحشة، بينما يستخدم الروسي والإيراني أنواعها المختلفة، إنها سلطة صف ضابط المخابرات الصغير، تؤدي دور الجلاد فحسب، الجلاد الذي يعمل بصمت دولي وبإشراف وصيين مسؤولين بالمطلق عن المستوى السياسي، وعن كيفية استثمار وحشيته سياسياً…

ختاماً :
من خبروا حكم ( العائلة ) في مرحلتيه يجد ان في كل مرحلة أخوين ( حافظ – رفعت ) في المرحلة الأولى و ( بشار – ماهر ) في المرحلة التي نعيش، وفي كلتا المرحلتين نجد الأسد بأنف استخدام العنف يناسب ما لديهما من بأس ومن احتقار للسوريين، ومن نوازع انتقام بلا حدود متضافرة مع ذلك الاحتقار، هذه المعرفة تضيء على جوانب شخصية ما كان لها أن تتحكم لو لم تكن السلطة عائلية بالمطلق، أي أنها ليست تلك السلطة التي تتربع العائلة على رأس هرمها أو في مركز دائرتها، وكذا فإنها ليست نظاماً مبنياً على سلطة العائلة فحسب، بقدر ماهي سلطة العائلة بكل ما تحمله الكلمة من محدودية وضحالة التركيبة، ومن فقدانها خبرات الدوائر المحيطة بها التي تجعل منها نظاماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخروج من قصور آيات الله 20

نزار فاضل السامرائي بدأت الأمراض التي ظلت مختفية وراء حالة الشد العصبي …