أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / هل استعادة النظام الملكي في مصر هي الحل ؟

هل استعادة النظام الملكي في مصر هي الحل ؟

جمال سلطان

كاتب وصحفي مصري
عرض مقالات الكاتب

في تأمل التحولات السياسية التي جرفت العالم العربي طوال قرن كامل ، يمكن بسهولة رؤية الفارق بين النظم الملكية والمشيخية من جانب ، وبين النظم الجمهورية من جانب آخر ، وأن الاستقرار والاستمرارية والتواصل بين الأجيال هو أوضح وأفضل في النظم الملكية والمشيخية ، بينما النظم الجمهورية تفتقر للاستقرار ، وتعصف بها الانقلابات المستمرة ، وتنقطع عملية التواصل بين الأجيال ، بل إن النظم الجمهورية نفسها ولدت بالانقلاب العسكري ، وليس بثورات شعوب وتطورها ، وبالتالي ارتبط النظام الجمهوري في العالم العربي بالعسكر ، فالجمهورية يعني جمهورية العسكر على سبيل الحصر ، والنظام الجمهورية يعني النظام العسكري ، وبلا أي استثناء لأي تجربة عربية .

يمكنك أن تقارن خلال تلك الفترة دورات الحكم والسياسة ـ مثلا ـ في السعودية والمغرب والأردن والكويت وبقية الخليج العربي ، وباستثناءات عارضة كانت تلك النظم أكثر رحمة بمواطنيها من النظم الجمهورية ، كما كانت أكثر استقرارا اقتصاديا وأقرب للرفاه من النظم الجمهورية ، وليس الأمر متوقفا على توفر الثروة ، كالنفط مثلا ، لأن كل بلد فيه من الثروات ما لو أحسنت توظيفها لحققت الرفاه ، وكانت ليبيا تملك من النفط أكثر من السعودية وأكثر من الكويت ومع ذلك وصل الحال بالشعب الليبي في ظل جمهورية القذافي العسكرية إلى أن يقف في طوابير للبحث عن خبز ودجاج مجمد ، وتدخل المحلات فتجد الرفوف خاوية .

لا يعني ذلك أن النظم الملكية والمشيخية تنعم بالديمقراطية والحريات المطلقة ، أو أنها النموذج المثالي ، نحن هنا لا نتكلم عن “المملكة المتحدة” أو مملكة الدنمارك أو مملكة السويد ، لكن المقارنة بين المعقول والسيء ، وكانت مصر تعرف هذا الاستقرار في ظل الحكم الملكي أو المشيخي “الخديوي” ثم الملكي ، طوال مائة وخمسين عاما تقريبا ، منذ 1805 وحتى 1952، حتى قام ضباط يوليو بانقلابهم على النظام الملكي ، ولا يوجد أدنى شك في أن مصر كانت تشهد نموا حضاريا متعدد الجوانب وقتها ، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتعليميا رغم ضغط الاحتلال لفترات طويلة ، ومع طي صفحة الحكم الملكي دخلت في دوامات من الفوضى والعشوائية والتجريب في كل تلك النواحي بعد ذلك ، فضلا عن وقوعها في دوامة الانقلابات العسكرية الصريحة والمتسترة ، وصراعات العسكر وتآمرهم على بعضهم البعض .

النظام الملكي ـ على المستوى النفسي والإنساني ـ يتحول فيه الوطن إلى جزء من الأسرة المالكة وتصبح الأسرة نفسها جزء من الوطن ، وهذا ما يجعل تطوير الوطن والحفاظ على مقدراته كأنه حفظ الأسرة لميراثها ، فكل جيل يريد أن يترك للجيل الذي يليه بلدا أفضل ، ودولة أقوى ، وملكا أكثر رفاها واستقرارا ، بينما العسكر يعمل كل شخص لحساب نفسه وحياته ، حتى لو كان مدركا أن ذلك سيفضي لخراب الوطن في المستقبل ، يقول لنفسه : ليحمل مسؤولية إصلاح الخراب من يأتي من بعد ، وعندما يفكر العسكري الحاكم في تجهيز ابنه لوراثته في الحكم يذبحه العسكر أو يطيحون به ، لأنه يقطع الطريق على ما يعتبرونه حقهم في وراثة الدولة .

في النظام الملكي تنمو وتتطور عملية الحراك الاجتماعي والطبقي والثقافي بشكل طبيعي وهادئ وطويل الأمد ، وليس بشكل فوضوي أو عشوائي أو مصطنع بقوة السلاح ، وهذا ما يسمح بحماية منظومة القيم والمروءات والذوق العام والحس الحضاري ، وتنميته وتطويره لدى قطاعات المجتمع ، لذلك كانت قوة مصر الناعمة الأهم في مجالات الثقافة والأدب والفنون والفكر والمعرفة ، تشكلت في المرحلة الملكية ، قبل انقلاب العسكر ، وكل ما شهدته في مرحلة العسكر كان ما تبقى من امتداد للتأسيس الأول ، وقد تآكل مع الوقت ، حتى وصلنا إلى مرحلة الخواء ، وغياب الرموز الفكرية ، وانهيار الفنون والآداب ، وتراجع قوة مصر الناعمة ـ حتى في محيطها العربي ـ بشكل واضح .

الاستقرار الاجتماعي والأمان السياسي طويل الأمد ، في النظام الملكي ، يتيح للطبقة الوسطى أن تتشكل وتتحوصل بصورة طبيعية وآمنة ومتنامية ، بمعيار الكفاءة والعطاء والعلم والتميز ، دون خوف من أن تذوب في الفقر الشديد المرهق ، أو تفنى في رأسمالية انتهازية طارئة ومتقلبة وقصيرة الأمد وطفيلية القيمة ، والطبقة الوسطى بثقافتها ووعيها وحضورها في الشأن العام تمثل حماية إضافية للحقوق العامة في المجتمع ، وتدعم تطور المجتمع بشكل عام في مختلف نواحي الحياة المادية والثقافية .

هل يكون عودة النظام الملكي إلى مصر هو الحل ، لاستعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي ، ووضع أسس لحركة نهوض شامل وآمن للمستقبل ، ووقف شهوة العسكر للقفز على السلطة كل عدة سنوات والدخول بالبلاد في مغامرة جديدة ، تمحو ما قبلها ، وهل هناك تصور معقول لاستعادة النظام الملكي ، مع تطويره ، كملكية دستورية مثلا يمنح البرلمان المنتخب فيها سلطات واسعة في تشكيل الحكومة وإدارة شؤون البلاد ، وكيف يمكن أن تختار مصر ملكها الجديد ، وعلى أي أساس يتم تفضيل شخص أو أسرة بهذا الشرف التاريخي .

الحقيقة أن هذه خواطر ليست ناضجة ولا مكتملة ، ولكني أطرحها كنوع من العصف الذهني ، للتفكير في مستقبل مصر ، التي تبدو بلا مستقبل في ظل تلك الدوامة من مغامرات العسكر وتجاربهم ، منذ انقلابهم على النظام الملكي وتغييره قبل سبعين عاما ، وإخضاع الشعب وإرادته لحذاء من يملك قرار السلاح وصندوق الذخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

خطورةُ الكَذِب وأضرارُه الدينيّةُ والدنيويّةُ ومعالَجَتُه

عبد الرؤوف خـان الغزنوي الأفغاني* إن من نِعَم الله العظيمة نعمة اللسان؛ فإن الإنسان محتاج …