أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / من ذكريات الصبا والشباب في الجامعة

من ذكريات الصبا والشباب في الجامعة

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب


إ

لدى تعرضه لكلمة “تلاشى” أورد أ. العدنانى قول الجاحظ، وهو من أهل القرن الهجرى: “لاشاهم فتَلَاشَوْا”، فذكَّرنى بأمر وقع وأنا فى السنة الأولى أو الثانية بالجامعة حين حضرت أول مناقشة لرسالة جامعية فى حياتى، وكانت خاصة برسالة إمام عبد الفتاح إمام، وأظنها كانت رسالة دكتوراه، وحضرتها أنا وبعض أصدقائى فى المدينة الجامعية تحمسا لمشاهدة د. زكى نجيب محمود، الذى كنا نقرأ له ولغيره من المشاهير، وكان إعجابنا قائما على أساس وضوح ما يكتب كأنه بلور وحلاوة أسلوبه وتهكمه أحيانا على الشيوعيين. وكان مغلقا عينيه معظم الوقت كأنه نائم، وهو ما يقع منى أحيانا حين لا أكون أنا المناقش. والشاهد فى الأمر أن د. فؤاد زكريا، وهو من أساتذة الفلسفة، وأغلب الظن أننا كنا نعرفه أيضا من كتاباته، حين كان يناقش إمام عبد الفتاح إمام خطَّأه فى استعمال الفعل: “لاشَى”، وحجته فى تلك التخطئة أن هذا الفعل لم يرد فى المعاجم، فاستغربت وأنا ولد صغير ذلك لأن الفعل: “تلاشَى” مستخدم على نطاق واسع جدا، وهو مطاوِع “لاشَى”، ولا يمكن أن يكون الفعل المطاوِع موجودا، وأصله الذى طاوعه غير موجود، إذ من غير المنطقى أن نقول” “انفتح، انجرَّ، انسكب، انكتم، انشدَّ، انسجم، انكفأ، انعجن…” دون أن يكون هناك “فَتَحَ، جَرَّ، سَكَبَ، كتَمَ، شَدَّ، سَجَمَ، كَفَأَ، عَجَنَ” لأنها هى الأساس. ففى الصرف علَّمونا أننا نقول: “فتحت الباب فانفتح، وجررت الحبْل فانجرَّ، وسكبت الماء فانسكب، وكتمت أنفاسه فانكتمت، وسجمت حبات العِقْد فانسجمت، وكفأت الكوب فانكفأ، وعجنت الدقيق فانعجن” لأن الباب لا ينفتح من تلقاء نفسه ولا الحبل ينجر دون أن يجره أحد… وهكذا. المهم أننى بعد خمسين سنة ونَيِّف أعرف أن الجاحظ بجلالة قدره قد استعمل الفعل: “لاشى (و”تلاشى” أيضا)” وأن بعض المعاجم ذكرت “لاشَى” مع “تلاشى” حسبما ذكر أ. العدنانى، وأن الولد الصغير الذى لم يكن قد خرج من البيضة بعد كان عنده شىء من العقل وشىء من الفهم. الحمد لله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحقيقة والمعاني المعرفية في المجتمع

إبراهيم أبو عواد كاتب من الأردن 1      شُعورُ الإنسان بالحقيقة في البُنى …