بحوث ودراسات

الاستراتيجيات الأمريكية والتحالفات الدولية عرض ونقد وتقييم 2

أكرم حجازي

كاتب وباحث أكاديمي
عرض مقالات الكاتب

المبحث الأول

استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010

    وفقا لنص « تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010 » سنلحظ سلسلة متغيرات تتعلق بـ (1) الدور الأمريكي في النظام الدولي القائم والمنشود، وكذلك (2) الحاجة إلى تجديد القيادة الأمريكية، ثم (3) الأمن القومي وماهية العدو، ومسألة (4) الالتفات إلى الداخل.

     تكاد كلها تتمحور حول هجمات 11 سبتمبر، والخطر الذي يشكله تنظيم « القاعدة» على الأمن القومي والدولي. ففي أول فقرة من التقرير تقول الإستراتيجية: « في مطلع القرن الحادي والعشرين، تواجه الولايات المتحدة الأميركية مجموعة واسعة ومعقدة من التحديات لأمننا القومي. وكما أن أميركا ساعدت على تحديد مسار القرن العشرين، علينا أن نبني الآن مصادر قوة أميركا ونفوذها، وأن نصوغ نظاما دوليا قادرا على التغلب على تحديات القرن21».

    لكن التقرير يرى في العقدين اللذين أعقبا نهاية الحرب الباردة، وإنْ شهدا تطورات سياسية واقتصادية وحقوقية، أن « القوى الكبرى أصبحت تعيش في حال سلام الآن»، إلا أنه ثمة « مشاكل رافقت التطورات» أجملها التقرير، مع بعض التصرف الفني في اللغة، في: « (1) انسحاب الحروب على الإيديولوجية لتفسح في المجال أمام الحروب على الهوية الدينية والعرقية والقبلية؛ و (2) تكاثر الأخطار النووية، و (3) ازدياد حدة انعدام المساواة والاستقرار الاقتصادي؛ و(4) تَشارُك الجميع، وبصورة متزايدة، في ذات الأضرار التي لحقت بالبيئة وانعدام الأمن الغذائي والمخاطر على الصحة العامة، واستعمال (5) الأدوات ذاتها التي تمكّن الأفراد من البناء في التدمير»، بالإشارة على هجمات 11 سبتمبر.

  تدرك الولايات المتحدة أن:« على أميركا أن تستعد للمستقبل» لأن العالم، بحسب الإستراتيجية« قد تغير، .. وأن

 « الهيكل الدولي للقرن ال20 يئن تحت وطأة التهديدات الجديدة»، .. وأن « الاقتصاد العالمي يشهد منافسة يواجهها مواطنونا وشركاتنا»، .. وأن« بلدنا يمتلك سمات القيادة التي دعمت قيادتنا منذ عقود (عبر) التحالفات المتينة القوية، القوة العسكرية التي لا مثيل لها، الاقتصاد الأكبر في العالم، الديمقراطية القوية المتطورة، والمواطنون المفعمون بالحيوية والنشاط»، .. وأن « الولايات المتحدة سوف تواصل تحمل كلفة الأمن العالمي»، .. وأن« علينا أن ندرك أنه ليست هناك دولة واحدة .. تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها»، … لكن بأية وسائل؟ وعلى أية أسس؟

    من الواضح أن تقرير المراجعة، يؤكد على تراجع الولايات المتحدة، ويدفع بها إلى الداخل أكثر مما يقذف بها إلى الخارج. بمعنى أنه إذا كان للولايات المتحدة أن تحافظ على نفوذها ومصالحها وأمنها، محليا وعالميا، فمن المفترض أن تلتفت إلى تأهيل بيتها الداخلي بقدر ما تعيد تشكيل نفوذها في الخارج. لذا يتحدث التقرير عنأنهذه الإستراتيجيةوهي: « تركز على تجديد القيادة» إنما« تعترف بالرابط الأساسي بين أمننا القومي، وقدرتنا التنافسية الوطنية، وصلابتنا، وقدوتنا الأخلاقية». وهو ما عنونته الإستراتيجية بعبارتي: « تجديد القيادة الأميركية» و« البناء في الداخل والتشكيل في الخارج».

    فمن جهة (1) « تجديد القيادة»  تقول الإستراتيجية:« يبدأ النهج الذي نتبعه بالتزامٍ ببناء أساس أقوى للقيادة الأميركية» أما لماذا؟ فـ:« لأن ما يحدث داخل حدودنا سيقرر حجم قوتنا ونفوذنا وراء هذه الحدود». ثمة عملية إنعاش تتطلب:« إعادة تشييد بنية تحتية تتميز بقدر أكبر من الأمن والثقة في مواجهة تهديدات الإرهابيين والكوارث الطبيعية .. وتوفير تعليم ذي نوعية جيدة لأبنائنا وبناتنا وتحسين مستوى العلوم والابتكار وتحويل اقتصاد الطاقة في بلدنا لتشغيل صناعات ووظائف جديدة؛ تخفيض تكاليف العناية الصحية لمواطنينا وشركاتنا وتقليص العجز الفدرالي».

    ومن جهة (2) « البناء في الداخل» فلا جدوى إلا: « الالتزام بتجديد اقتصادنا الذي هو بمثابة منبع القوة الأميركية». و « في الوقت الذي نعيد فيه بناء القوة الاقتصادية التي يعتمد عليها دورنا القيادي نعمل على الدفع نحو تحقيق نمو متوازن ومستدام يعتمد عليه الرخاء والاستقرار في العالم. ويشمل ذلك خطوات داخل الوطن وفي الخارج منعا لنشوب أزمة أخرى».

     ومن جهة (3) « النفوذ» يتعلق الأمر بالتزام الولايات المتحدة بما تؤمن به من « قيم» في الداخل، إذا كان لها أن تُتَّبَع، ويتمدد نفوذها في الخارج:« إننا ندرك بعملنا على بناء أساس أقوى لقيادتنا داخل حدودنا أن أنجع وسيلة للولايات المتحدة للترويج لقيمنا هي أن نعيش هذه القيم ( لا أن نفرضها على أحد بالقوة). ولذلك فإن التزام أميركا بالديموقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون مصادر ضرورية لقوتنا ونفوذنا حول العالم».  

    من جهة (4) « الأمن» تقر الإستراتيجية بالإضافة إلى خطر تنظيم « القاعدة والجماعات التابعة لها» أنه: « لا يوجد تهديد للشعب الأميركي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، لاسيما الخطر الماثل في سعي متطرفين عنيفين لحيازة أسلحة نووية وانتشارها لدى دول أخرى. ولهذا السبب فإننا نسعى لتنفيذ برامج شاملة لمنع الانتشار والأمن النووي، مبنية على أسس حقوق ومسؤوليات الدول. وسنقوم بتقليص ترسانتنا النووية، واعتمادنا على الأسلحة النووية، وفي الوقت ذاته ضمان أن وسائل الردع لدينا فعالة ويمكن الوثوق بها. كما سنقوم بتعزيز معاهدة منع الانتشار النووي، لكونها الدعامة الأساسية لمنع الانتشار، وفي الوقت ذاته العمل من خلال هذه المعاهدة لمحاسبة دول مثل إيران وكوريا الشمالية، لإحجامها عن الوفاء بالالتزامات الدولية. وإننا نقود مجهودا دوليا لتأمين المواد النووية المعرضة للأخطار من قبل إرهابيين. وسنسعى لانتهاج استراتيجيات جديدة، تتوخى الحماية من الهجمات بأسلحة بيولوجية وضد التحديات التي تهدد الشبكات الإلكترونية التي نعتمد عليها».

    وفي فقرات ختامية تميزت بذات الطرح المستقبلي قالت الإستراتيجية:« لكي تكلَّل أعمالنا بالنجاح، يجب أن نوازن بين جميع عناصر القوة الأميركية، وندمجها معا، ونحدّث قدراتنا الأمنية القومية، لتتناسب مع القرن الحادي والعشرين. كما ينبغي أن نحافظ على تفوق قواتنا العسكرية التقليدية، مع تعزيز قدرتها على قهر التهديدات غير المتماثلة».

     « ويجب علينا تحديث قدراتنا الدبلوماسية والتنموية، وتدعيم قدرتنا الاستطلاعية المدنية، من أجل دعم المدى الكامل لأولوياتنا. كما ينبغي دمج جهودنا الأمنية الداخلية والاستخباراتية مع سياستنا الأمنية القومية، ومع سياسات حلفائنا وشركائنا. ويجب تعزيز قدرتنا على تنسيق أعمالنا في الوقت الذي نتواصل فيه بشكل فعال مع الشعوب الأجنبية حتى يتسنى الحفاظ على الدعم العالمي».


   أما عن النظام الدولي؛ فتذكِّر الإستراتيجية بأن: « الولايات المتحدة هي التي تولت، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، القيادة في بناء منظومة دولية جديدة لاستتباب السلام ودفع عجلة الرخاء، من إنشاء حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة إلى توقيع معاهدات تنظم تطبيق القوانين وأسلحة الحرب؛ ومن إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصولا إلى شبكة يزداد نطاقها اتساعا من الاتفاقيات التجارية. وأن: هذه المنظومة، رغم عيوبها، مكنتنا من تجنب حرب عالمية وأتاحت تحقيق النمو الاقتصادي وعززت حقوق الإنسان. وفي الوقت ذاته سهلت تقاسم الأعباء بصورة فعالة بين الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا .. واليوم نريد أن نميّز بوضوح مواطن القوة والضعف في ما طورته المؤسسات الدولية للتعامل مع تحديات زمن سابق وعجز الإرادة السياسية، الذي أعاق في بعض الأحيان فرض الأعراف الدولية».

   وفيما بدا متطلبات أمريكية أكثر منها دولية، تحسم الولايات المتحدة موقفها من النظام الدولي بالقول:« سيكون من المدمر لكل من الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي، إن استخدمت الولايات المتحدة ظهور تحديات جديدة وعيوب النظام الدولي كذريعة للانسحاب منه». وترى الحل في أزمات النظام عبر التركيز على:« تقوية وتعزيز المؤسسات الدولية، وتنشيط العمل الجماعي الذي يمكن أن يخدم المصالح المشتركة، مثل القضاء على التطرف العنيف؛ ووقف انتشار الأسلحة النووية؛ وضمان تأمين المواد النووية؛ وتحقيق النمو الاقتصادي المتوازن والمستدام؛ والتوصل إلى صياغة حلول تعاونية لخطر تغير المناخ، والنزاع المسلح، والأمراض الوبائية».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى