أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مؤتمر بغداد لدول الجوار إذا حضرت فرنسا غابت الملائكة !

مؤتمر بغداد لدول الجوار إذا حضرت فرنسا غابت الملائكة !

فهد السالم صقر

محلل سياسي وباحث في العلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم . وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ.  قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. صدق الله العظيم.  الشعراء 69-74

يُعقَد في بغداد خلال اليومين القادمين ( 28 أغسطس 2021)  مؤتمر يُسَمّونه مؤتمر بغداد لدول الجوار العراقي. هذا المؤتمرهو مضيعة للوقت، ومفسدة سياسية، وتغميس خارج الصحن. الهدف المُعلَن منه إقتصاديا ، هو مساعدة العراق في إعادة بناء بنيته التحتية المتهالكة ، وسياسيا،  لإعادة التقارب مع محيطه العربي بهدف الخروج من أزماته المستعصية، السياسية والإقتصادية والإجتماعية. بينما الهدف الحقيقي منه بالنسبة للطبقة الحاكمة هو الإستعراض الإعلامي، وتشتيت الجهد بلا طائل، والإلتفاف على مطالب الغالبية الساحقة من الشعب العراقي، والضحك عليهم ببيعهم الأوهام والوعود. ظنا منهم أنهم إذا جلبوا فرنسا والأمم المتحدة ودول الجوار فسيكسبون بذلك مصداقية أمام شعب لا يثق بهم قيد أنملة. فهم بذلك لا يختلفون من ناحية المبدأعن مشركي قوم ابراهيم عليه السلام،  حين طلبوا العون والرزق من الأصنام التي لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، ولكن هيهات هيهات.

 هناك تواطؤ دولي واضح وصريح وتآمرمع هذه الطبقة السياسية الفاسدة ضد الشعب العراقي الذي يُطالب بأبسط حقوقه الإنسانية في الحرية والكرامة ووقف نهب المال العام، لإجهاض إنتفاضته، وتمرير مسرحية الإنتخابات من جديد ، وإعادة تدوير نفس النفايات في المنطقة الخضراء. لإضفاء الشرعية عليها وإبقاء الأمور على ما هي عليه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذا المؤتمر، كغيره من المؤتمرات السابقة الفاشلة ( مؤتمر الكويت لدعم العراق 2018، مؤتمردعم فلسطين ومؤتمر دعم الشعب السوري ومؤتمر إعادة بناء أفغانستان، وغيرها ) لا يعدو كونه محاولة دولية خبيثة لإنقاذ شلة الفاسدين والعملاء في المنطقة الخضراء. هذه ( العصابات) التي تُطلق على نفسها تجاوزا إسم الطبقة السياسية، بينما هي بعيدة عن السياسة بُعد النجوم عن الأرض. أي سياسة هذه التي لا ينتُج عنها خلال 18 سنة إلا السرقة والفساد وتآكل وإنهيار البنية التحتية وإنعدام الأمن والأمان وتجويع الناس وإفقارهم وقمعهم بالإرهاب والقتل والتشريد وحرمانهم من أبسط حقوقهم، في دولة تعتبر من أغنى دول المنطقة ، تعوم على بحار من النفط. إن العراق يا سادة ليس دولة ينخر فيها الفساد، وإنما هو فساد يُدير دَولة.

تَستخدم هذه الطبقة “اللصوصية” غطاء الطائفية والمحاصصة البشع ، بالإضافة لأدوات أخرى – كالدعم الدولي الغربي ـ الذي يتجسد أمامنا الآن على شكل مؤتمرات إستعراضية فارغة المضمون ، في محاولة منها للتسترعلى جرائمها الإقتصادية والمالية بحق الشعب العراقي.  فتهمة الطائفية – على بشاعتها- تبقى أقل وطأة من تهمة السرقة والفساد، أو بمعنى أدق، هم يريدون التغطية على فسادهم بالتستربغطاء الطائفية ، ويحاولون يائسين أن يوهموا الشعب العراقي أن دولتهم فقيرة تستجدي المساعدات من الدول المانحة، بينما العراق هو الذي يجب أن يكون مانحا لا ممنوحا.  

يُحكى أن شابًا يافعًا كان يتعاطي المخدرات والحشيش ويسكن في بيت أهله فكان يقوم بشرب بعض الكحول كالجعة أوالويسكي  قبل عودته الى البيت لتفوح منه رائحة الخمر، ليقال عنه أنه سكران بدلا من مسطول!  فقد قَدّر هذا الشاب أن تهمة السُّكربالنسبة للأهل ، تبقى أخف وطأةَّ من تهمة التعاطي، مع أن كلاهما خبيث. هذا هو حال لصوص العراق مع الطائفية والمحاصصة،  فعلى الرغم أنني لا أنزههم ولا أبرئهم من تهمة الطائفية البغيضة ، ولكنهم أولا وأخيرا، وقبل كل شيء ، هم مجموعة من الفاسدين واللصوص ذوي البطون الجرباء الذين نهبوا ثروة العراق وذبحوا شعبه من الوريد الى الوريد بذريعة الدفاع عن المذهب  إن المذهب الإثني عشري الذي يتعصبون لأجله ويدّعون أنهم يدافعون عنه ليس إلا مركبة يركبونها لتحقيق فسادهم وإنحطاطهم الأخلاقي ، وللضحك على عقول الناس البسطاء، وتحشيد الأنصار، وبث الفتنة والتفرقة بين أبناء العراق لضمان إستمراريتهم في النهب والسلب والفساد.

في آخر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية عام 2019 صُنّف العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة ، فترتيبه مُساويا تقريبا للدول الفاشلة التي ترزح تحت حروب أهلية كالصومال وسوريا واليمن ، أو دول أفريقية كجمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر وبوركينا فاسو. علما بأن تقرير نفس هذه المنظمة للعام 2008 أي بعد 5 سنوات من الإحتلال وضع العراق في المرتبة الثالثة عالميا في ذيل قائمة الدول الأكثر فسادا. وقد وصف رئيس مفوضية “النزاهة  ” العراقية في مؤتمر صحفي عام 2007 أن مجموع ما تم هدره نتيجة الفساد الإداري في العراق بلغ 125 مليار دولار للفترة ما بين 2003-2007  واعتبرت الهيئة الأمانة العامة لمجلس الوزراء البؤرة الأخطر للفساد فيما احتلت وزارة الدفاع مرتبة متقدمة بين الوزارات في هذا المجال، حيث قامت بإبرام عقود وهمية بعشرات المليارت لأسلحة غير صالحة أو غير موجودة أصلا.  وأكدت منظمة الشفافية الدولية إياها لعام 2014 أن العراق حل على المركز 170 على المؤشر التابع لها قبل السودان التي لم تبرح المراكز الأخيرة في السنوات الأخيرة منافسا للصومال وأفغانستان اللتين لا تتوفر فيهما أنظمة ثابتة، وكوريا الشمالية.

فعن أي تعاون يتحدثون؟ وعن أي تطوير بُنية تحتية يتشدقون؟ وعلى من يضحكون؟ وما هذه المؤتمرات التي تَظَلّون عليها عاكفين؟ لقد عُقد في فبراير من العام 2018 مؤتمرا في الكويت خُصّص لدعم العراق حَضَرَته معظم دول الجوار، بالإضافة للدول الكبرى الفاعلة في الإقليم. تم خلال المؤتمر التعهد بمبلغ 30 مليار دولارهزيل  لدعم العراق ! حصل العراق منها فعليا على صفر ( $ zero) دولار، كعادتهم في مثل هذه المؤتمرات . ولكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، لماذا يحتاج العراق الغني بالنفط والثروات لمساعدة من أحد أصلا، فهو يُصَدّر 3 ملايين برميل نفط يوميا تقريبا ، أي أكثر مما تصدره كل من دولة الإمارات أو قطر أو الكويت؟ أين تذهب عائدات النفط؟  والسؤال الثاني؛ لماذا تتبرع الدول ” المانحة” بمبلغ 30 مليار( وهمي)  لمساعدة دولة يَحكُمها فاسدين ولصوص يسرقون في وضح النهار  – ولا يزالوا يسرقون-  وسرقوا عشرات أضعاف هذا المبلغ خلال 18 سنة من الإحتلال ،  وحولوها الى حساباتهم في الخارج؟ مجنون يحكي وعاقل يسمع. 

إذن لماذا هذا المؤتمر الآن و ماذا يأمل العراقيون من عقد مؤتمر دول الجوار ؟

يقول ، الدكتور عبد الستار الجميلي، أمين عام الحزب الطليعي الناصري العراقي، في حديث الى وكالة سبوتنيك ”  اعتقد أن هذه القمة استعراضية وهروب إلى الأمام أكثر من أن تكون واقعية، فالحكومة التي لم تستطع أن تواجه المشكلات الداخلية وتقدم حلولا واقعية وعملية لها، كيف لها أن تساهم في حل المشكلات الإقليمية والدولية”. وتابع ، وبناء على ما سبق لن تكون لهذه القمة أية مردودات عملية على الأرض، سوى خسارة المزيد من الوقت في العوم خارج مجرى معاناة الشعب العراقي ومشكلاته السياسية والأمنية والاقتصادية والصحية، وجميع الأطراف التي ربما ستحضر القمة تدرك حقائق الوضع العراقي الصعب والهش والهدف الاستعراضي والإعلامي من القمة، لذلك فإنها لن تأخذها على محمل الجدية والتفاعل والمصداقية في مدخلاتها ومخرجاتها. إنتهى الإقتباس

وعليه، فإنني أوجه نصيحة للوفود التي ذهبت الى بغداد لحضورهذا المؤتمر؛ وفروا جهودكم ووقتكم وعودوا الى بلدانكم ، فبعضكم ينطبق عليه المثل القائل الإسكافي حافي وباب النجار مخلّع. أصلحوا بلدانكم أولا ، وركزوا جهودكم على شعوبكم بدلا من الإنجرار وراء أوهام وسراب مؤتمرات لا تُغني ولا تُسمن من جوع،  ولا تكونوا سببا في التآمر على الشعب العراقي المظلوم والإلتفاف على مطالبه المشروعة في أن يكون له وطن.

بسم الله الرحمن الرحيم.

 وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ. وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ. حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ. صدق الله العظيم 3-5 القمر

تعليق واحد

  1. صبحي الكايد

    اتفق معك ومع للدكتور عبدالستار الجميلي في تحليلكم ورؤيتكم للمؤتمر داعي ومدعو، وقد خرجت توصيات المؤتمر كما توقعتم، ففاقد الشيء لا يعطيه، ودول الاستعمار ومن تحالف معها لتدمير العراق والاتيان بهذه الزمرة التي تنطبق عليها كل أوصاف الفشل لن تقدم للعراق خيرا، بل هدفها تغليف العفن،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

انتخابات العراق المبكرة القشة التي قصمت ظهر إيران 2

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري الجزء الثاني         يمثل …