أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / السرّ العظيم 1من 2

السرّ العظيم 1من 2

فاروق القاسم

إعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

ترددتُ كثيرًا قبل البدء في كتابة هذا المنشور، لأنه ببساطة يحتوي على معلومات وأسرار حياتية نادرة، في أواخر ستينات القرن الماضي، وتحديدًا في كوانين الأول والثاني عام 1969 ذهب والدي العظيم ابو فيصل وعلى كتفيه أربعة “مشكّات” من الأفخاخ المصنوع من الشريط،، كل مشك فيه 150 فخًا والعدد الكلي هو 600 فخ لصيد العصافير إلى الجنوب الغربي من الضيعة على الحدود مع مدينة درعا غربًا، في منطقة تُدعى ” تلول خليف ” ذهب باكراً مشيّاً على الأقدام الثالثة فجرًا وعلى كتفيه أكثر من 60 كلغ ، عندما وصل قبل بزوغ الفجر بدأ بتنصيب الأفخاخ في جو ٍ بارد ٍ جدًا،، وانتهى منها قبل التاسعة صباحًا في أسراب طويلة على الحدود بين السهول ، حيث تختبئ العصافير ومعظم الطيور، أعتقد والدي أنه الوحيد في تلك الأرض، وأنه لم يسبقه أحد إلى تلك المنطقة النائية المليئة برجم الحجارة والتلال، لكنه فوجئ برجلين هناك من قريتنا، فندي أبو خير ومصطفى الياسين رحمة الله عليهما، وسألهما عمّا إذا كان توجد هناك طيور في المنطقة أم لا؟  فقالا له : لا والله يا أبا فيصل ، المنطقة جرداء، وها نحن بطريقنا ” لتشليع الأفخاخ”  والبحث شمال الضيعة عن منطقة تكون فيها العصافير أوفر ،لا يمكن تصوّر أن تحمل وتُنصب 600 فخ بمنطقة تبعد عن قريتك أكثر من 7 كيلو متر ، عندما سمع والدي هذا الكلام من صديقيه، بدأ فوراً بنبش  الأفخاخ من التربة ، وجمعها كلها ، ومن توجّه بعدها إلى أقصى شرق الضيعة ، حاملا نفس الوزن لمسافة تزيد عن ال 11 كيلو متراً، في منطقة تُدعى ” رُجم الخبز ” فقام بنصب الأفخاخ،، وبنى على ظهر أحد التلال كوخًا من الحجر يُعرف عند القرويين ب { البنوج } فيه ثقوب واسعة من عدة جهات ، يُراقب من خلالها حركة الطير ، وما إذا كانت أسراب الأفخاخ تتعرّض للذئاب أو الثعالب، التي تراقب تلك الأسراب لسرقة الطيور التي صادتها الأفخاخ، هذه صورة لا يُمكن فهمها ربما إلا من قبل الفلاحين أبناء “المداشر” الذين عاصروا ذاك الزمن!

المهم قال لي والدي إنه، استطاع بعد هذا العناء كلِّ أن تفقّد تلك الأسراب كلها فخاً فخّاً،، وجلب معه صيدًا -من حمد الله – وفيراً، تجاوز الـ 200 طير،، منها العصفور الزرعي والمطواق ، والفرّي والطقطق الصغير ، ما أريد قوله: إنني والله كنت وإخوتي الكبار سنويّا في فرصة الربيع ، نذهب الى الصيد ومعنا كل واحد مائة فخ فقط،، حسب توزيع والدي لنا العدد،،، عندما كنت أحملها الى البر،، باحثا عن صيد وفير،، كنت أشعر بإرهاق شديد، فكيف بوالدي الذي كان يحمل ذاك الكم الهائل بوزنه وعدده،، ؟!

ربما كان ذلك توطئةً لما سأغوص فيه، في إحدى الأُمسيات، ذات الشتاء ، كان والدي عائدًا من الصيد كعادته مع حلول الظلام،، ومعه صيد ٌ وفير،، فيه عصافير ما زالت حيّة،، كانت حديثة الصيد ، كان والدي يقوم بنزع قوادمها من الريش الطويل، لكي تفقد الطيران، – وطبعا اليوم هذا التصرّف مرفوض لدى جماعات الرفق بالحيوان والطيور – لكنه في زمن الفقر ذاك قبل أكثر من خمسين عامًا ، كان مألوفًا وشيئا عاديّاً، كنّا نتسابق لأخذ تلك العصافير واللعب معها في أرض البيت، “وكم خسرنا منها الكثير، عندما تنقضّ عليها القطط،، وتهرب بها وتلتهمها.

ما حصل في إحدى تلك الأُمسيات، أن والدي طلب من أحد إخوتي أن يذهب إلى الغرفة الغربية، وهي الغرفة التي يوجد فيها مقام النبي هابيل ، عليه السلام، ليجلب لنا” الشياش” الرفيعة المُخصصة لشيّ العصافير، والموجودة في الشنطة الزرقاء المصنوعة من “التنك” تحت سريرنا الوحيد في البيت، وهو سرير مصنوع من المعدن،، فيه “رصورات” ، ما زلت أذكره جيدًا، ذهب أخي ومعه السراج، لأن الكهرباء وصلت إلى قريتنا عام 1978، وتلك الحادثة حصلت عام 1972، كُنا نعيش حينها على ضوء قنديل الكاز أو اللُكس،، في حال جاءنا ضيوف، فيما تبقى معظم وقتنا ليلا على ضوء السراج، ودرست أنا وإخوتي ، فيصل وسعود وأنور سنين عدة على ضوء السراج والكاز.

المهم عندما بدأنا بشيّ العصافير اللذيذة داخل” الصوبيا  المدفئة الشتوية، أو ما يُعرف في بلاد الشام بـ ” الوجاق ” بدأنا نشم رائحة دخان كثيفة، وشاهدنا الدخان وصل إلى الغرفة الشرقية، حيث لا توجد جدران بين الغرف المبنية من الطين والطوب، فقط كان ما يفصل بين الغرف هي الحواصل ،، صوامع الحبوب المبنية من الطين السميك، وهناك مسافة بينها وبين السقف قُرابة النصف متر، هُرعنا جميعًا للبحث عن مصد الدُخان الذي كاد يخنُقنا، وإذ بالغرفة الغربية قد تفحّم كل ما فيها من ألبسة لنا وقِماش، ليست هنا القصّة، القصة أن كل ما هو من سجاد مُعلّق على الحائط ، وقارورات مليئة بزيت الكاز والشموع الخاصة بمقام النبي هابيل لم يحترق منها خيطٌ واحدٌ على الإطلاق، وهي مُتداخلة مع “هدومنا” المعلقة على الحائط بالمسامير، والجدران كلها من طين سميك، مطليّة باللون الأبيض، وهو طرش الكلس المعروف آنذاك! ما حصل أن أخي عندما ذهب لجلب الشياش من تحت السرير من داخل الشنطة،، ترك السراج ذا الفتيلة الطويلة بدون بلّورة خارجية، تحت تنّورة الوالدة الطويلة التي تقترب من الأرض والمعلقة على الجدار، واشتعلت فيها النيران دون أن يلاحظ أخي ذلك، ربما كانت تلك رسالة إلى أن هذا المقام له شأن ، وأراد الله عزَّ وجل أن يرينا شيئًا من أسراره فيما حصل ، هناك أمور كثيرة “وكرامات” حصلت لنا في هذا المقام ، أتطرّق لُنزر ٍ ضئيل منها على أن أعدكم فيما بعد بشرح طويل عن أسرار تشيب لها رؤوس الأطفال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العراق يعلن التوصل إلى خيوط مهمة حول محاولة اغتيال الكاظمي

أعلنت اللجنة العليا التحقيقية بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الإثنين، توصلها إلى خيوط …