أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الإرث الاستعماري الغربي في العالم العربي الموسيقى في بيروت والعرس في فرنسا!

الإرث الاستعماري الغربي في العالم العربي الموسيقى في بيروت والعرس في فرنسا!

فهد السالم صقر

محلل سياسي وباحث في العلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

إن القانون الذي يَحكم ويُنظِّم العلاقات الدوليّة في العالم هو قانون الغاب، الذي يعتمد على مبدأ  “إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب” و “القوة هي الحق” Might is right . أما ما يُسمى بالشرعية الدولية والقانون الدولي ، فهذه إحدى أدوات السيطرة التي يُطبقها الأقوياء على الضُعَفاء، و الدول التابعة و الدائرة في فلكهم . 

إن أقرب تشبيه لوصف طبيعة العلاقات الدولية هو تجارة المخدرات ، والعالم السُّفلي؛  ففي عالم المافيا والجريمة المُنظّمة تنعدم الصداقة و الثقة تمامًا ، حيث لا يوجد متسع لحسن النوايا.  فالتسليم و الاستلام ( تبادل المصالح ) يكون عدًا ونقدًا، والصفقات المبرمة عادة لا تَترُك مجالا للوعود الآجلة ، أو الوفاء التلقائي.  البنود الحقيقية غالبًا ما تكون سرية و التنازل في مصلحة ما هنا ، يقابله تنازل في مصلحة ما هناك، والاعتراف هنا يقابله اعتراف  هناك quid pro quo  . إن أي اتفاق أو صفقة ، أو التزام دولي بين طرفين ، لا تحميه القُوّة العارية للدولة “الطرف” ، مصيرُه إلى حاوية القُمامة قبل أن يجف حِبرُه !

علاوة على ذلك ، فإن الافتراض بأن التفاهمات  والترتيبات السياسية الدولية بين دول الاستكبار العالمي التي أبرمَت في القرنين التاسع عشر والعشرين ، وما قبلها  وما بعدها، ليس لها تأثير  على مجريات الأحداث اليوم ،  هو افتراض وهمي و مُضَلِّل ؛ لأن المعاهدات والترتيبات الدولية لا تسقط بالتقادم ، إلا في حال زوال الدول أو سقوط الإمبراطوريات !  أنظر على سبيل المثال، مؤتمر برلين الذي عُقد لبحث تَقاسُم أفريقيا (( The Berlin Conference of 1884  حيث اقتسمت الدول الاستعمارية ( 7 دول أوروبية) المستعمرات  في إفريقيا بطريقة سلمية تجنبًا للحرب والصدام . وانتهى إلى جملة تفاهمات في نهاية المطاف ، أطلقت يد بريطانيا في شرق أفريقيا ( كينيا ، أوغندا ، نيجيريا الخ) مقابل إطلاق يد فرنسا في غرب أفريقيا ( السنغال، مالي، غانا إلخ) ، وسيطرت بلجيكا على أجزاء كبيرة من الكونغو، بينما فرضت ألمانيا نفوذها على مناطق ودول في جنوب غرب أفريقيا، وما زالت هذه الترتيبات قائمة إلى يومنا هذا ، باستثناء خسارة ألمانيا لكل مستعمراتها في الحرب العالمية الأولى.

إن تجاهل تأثير وأبعاد معاهدة برلين 1884 أو إتفاقيات سايكس بيكو 1915-1916 مثلا أو  اتفاق كوينسي ( Quincy Pact) على سبيل المثال ، الذي أبرم بين الملك عبدالعزيز آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت عام 1945 على مجريات العلاقات الدولية اليوم  ،  لا يقل خطأ عن تجاهل تبعات وعد بلفور على مجريات الأمور السياسية الآن في فلسطين. و إن تجاهل الأبعاد السياسية للإتفاقيات التي عقدتها بريطانيا مع دول الخليج العربي في العشرينات من القرن التاسع عشر بدءًا بالعام  1820 على السلوك السياسي الدولي و الإقليمي لهذه الدول، يشكل سهوًا لا يُغتَفر و خَطَأّ  فادحًا ، يقع به الكثير من المحللين السياسيين عند كتابة تحليلاتهم بخصوص ما يجري الآن؛ للعلم وللتنبيه فقط، تلك الاتفاقيات لم تَمت ولم تُلغ ، بل على العكس ، تُجَدّد حاكمًا تلو حاكم ، وأميرًا تلو أمير،  وسلطانا تلو سلطان منذ 200 عام ! (ملاحظة؛ أحد شروط هذه الاتفاقيات مثلا، هو أنه لا يحق للدولة الخليجية المَعنيّة أن تدخل طرفًا في إتفاقيات أو معاهدات أو أحلاف دولية مع طرف ثالث دون موافقة بريطانيا ( حكومة جلالة الملك/ الملكة..!)

 وبناءً على ما تقدم ، لا يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في لبنان  مثلاً ، من تطورات وإرهاصات سياسية بمعزل عن الخلفية الاستعمارية الفرنسية لهذه الدولة؛ الشعب اللبناني يطالب بالحرية والانعتاق وإلغاء الطائفية السياسية؛ فهل سَيُسمَح له بذلك ؟ نعم هناك لاعبون دوليون كبار جُدُد ، كالولايات المتحدة الأمريكية و وروسيا والصين لكن ، في مناطق نفوذ فرنسا التاريخية ليس مسموحًا بتغيير الوضع السياسي القائم بدون مباركة فرنسية؛ نقطة!  فرغبات أمريكا والدول العظمى الأخرى في هذه الدول يجب أن تتوائم وتتقاطع بالضرورة مع رغبات فرنسا  أولاً، وإلا فإنها بكل بساطة ، لن تَمُر. الشيء نفسه ينطبق على بريطانيا في مناطق نفوذها التاريخية،  لذلك – وبالرغم من مكانتها كقوة عظمى أولى في العالم-  لا تستطيع أمريكا بمفردها  تغيير الوضع القائم في دول”   الأطراف  Peripheries” الأنجلوفرانكوفونية سابقا ،  إلا بمباركة و ( شراكة فاعلة) من السيد السابق ( Former colonial master) . وإن كانَ ، كلا  الدولتين فرنسا وبريطانيا ، تربطهما بالولايات المتحدة الأمريكية علاقات صداقة وتحالف وثيق و مصالح  وتاريخ مشترك.

 علمًا بأن مواقف أمريكا  “كزعيمة العالم الحر” لا تختلف كثيرًا بالمُجمَل عن مواقف فرنسا أو بريطانيا تجاه العرب ، أو في السياسة الدولية عمومًا ،  فملة الكفر واحدة.  ولكن كل دولة من هذه الدول لها خصوصيات معينة تحاول المحافظة عليها ، وتكريسها في لعبة القوى الدولية (     i.e., National Prestige) وتسعى لأن تكون ذئبًا لكي لا يأكلها الذئاب ، و ضمان مقعد لها على طاولة لعبة الأمم وبخاصة فرنسا المهووسة بحضارتها وثقافتها ولغتها حدّ الجنون، والمُتوِّجسة خيفة دائمًا من الهيمنة و الإحتكار الأنجلوساكسوني لمسرح العلاقات الدولية.   

وخير مثال يُجَسِّد أهمية التواجُد القومي الجازم في لعبة الأمم بالنسبة لفرنسا، هو الوضعية الخاصة التي تَحظى بها مقاطعة كوبيك الفرنسية في كندا ؛ فبالرغم من أن فرنسا انهزمت عسكريًا هزيمة ساحقة في حرب المستعمرات في أمريكا الشمالية قبل ما يقرب من 260 عامًا (أنظر حرب السنوات السبع 1756-1763 م )،  وتنازلت عن مستعمراتها لبريطانيا بموجب معاهدة باريس 1763،  إلا أن الفرنسيين في كوبيك Quebec  حافظوا على لغتهم و كنيستهم من الذوبان في البحر الإنجليزي العارم حتى يومنا هذا.  تُعتبر مقاطعة كوبيك الكندية بسكانها (سبعة ملايين نسمة(، المقاطعة (أو الولاية) الوحيدة المتحدثة باللغة الفرنسة في أمريكا الشمالية.   عكس ما حدث لمستعمرات فرنسية أخرى في أمريكا الشمالية، كأكاديا  ولويزيانا ( Acadia & Louisiana ) حيث خسرت فرنسا الأولى في الحرب ( معاهدة أوتريخت 1713) وباعت الثانية للولايات المتحدة الأمريكية ( 1803) ، فاضمَحلّ الوجود الفرنسي ، وذابت اللغة الفرنسية تمامًا في تلك المستعمرات الفرنسية السابقة، ولم يبق منها إلا الأسماء.

 إذن ، كيف حافظت كوبيك على لغتها الفرنسية ؟ ولماذا ؟ لأنه بكل بساطة ، عندما خسرت فرنسا حرب المستعمرات ( معاهدة باريس 1763) وضعت فرنسا شرطًا للتنازل عن مستعمراتها ( كندا  وفرنسا الجديدة آنذاك)     Canada & New Franceالاسم القديم لكوبيك الحالية، وهو الحفاظ على الكنيسة الكاثوليكية واللغة الفرنسية لسكان المستعمرات، ووافقت بريطانيا على هذا الشرط .  سؤال المليار دولار ؛  هو : لماذا لم تنكُث بريطانيا بتعهداتها لفرنسا فيما يتعلق بكوبيك ؟ الجواب سهل جدا،  لأن فرنسا ليست العرب!

إن أول شيء تخسره الدول المُستَعمَرَة ( بفتح الميم ) هو ثرواتها في باطن الأرض وفوق الأرض. وثانيًا ، تخسر استقلالها السياسي الذي يُصبح مرهونا بيد الدول المستعمِرة ( بكسر الميم) في جدلية المركز و الأطراف Centre vs. Peripheries ويُصبح القرار السيادي لهذه الدول تابعًا لعواصم القرار في دول المركز حيث يتبع التراتبية الهرمية  Power Hierarchy لسلطة المُستَعمِر بانضباط صارم . و يصبح تدفق التعليمات للنخب المحلية الحاكمة بإتجاهٍ واحد ، من أعلى الهرم السياسي في المركز  إلى القواعد في المستعمرات، الهرم الذي يرَبط و يُدير الدول التابعة له بطريقة تحقق الفائدة الاقتصادية والسياسية لدول ” المركز” ، بغض النظر عن مصلحة الدول التابعة أو شعوبها . لقد صنع الاستعمار على عينه نُخَبًا سياسية حاكمة ربَّاها وعَلًمها وبرَمَجها لتنفذ مصالحه بإخلاص أعمى .

إن يوم الاستقلال الذي تحتفي به الشعوب العربية كل عام هو نكتة سخيفة، فهذا اليوم بالذات هو اليوم الذي أحكَم الاستعمار سيطرته على هذه الدول ، و ختم قَدَرَها بالتبعية إلى الأبد.  في لبنان مثلا ، يحتفل اللبنانيون في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام بما يسمى بعيد الاستقلال وهو اليوم الذي قسّمتهم فرنسا إلى طوائف ونحل و مذاهب ، وفرقتهم شيعًا وألغت لديهم رابط الوطن الواحد، واستبدلته بالطائفة والمذهب ، وقالت لهم : أنا أمُّكُم الرؤوم ، فليس ثَمّةَ ما يجَمعَكم وطن أم ، لأن فرنسا هي الأم.  

الآن ، بعد 73 عامًا من تراكم الفساد و خُرافة “الاستقلال” الوهمي، ضاعت فيه مُقدرات البلد لتجار الحروب وأمراء الطوائف ، الذين يتعاملون مع الشعب كحطب ووقود لخلافاتهم السياسية ، وقد وصل اللبنانيون أخيرًا إلى قناعة راسخة بأن أًسّ مشكلتهم هو الطائفية السياسية  وهذه الطبقة الفاسدة المُفسِدة ، التي تتوارث المناصب عن الآباء والأجداد، و هذا الدستور المبني على المحاصصة الطائفية ، الذي أوصلهم إلى الجوع والبطالة وانعدام تام لأبسط الخدمات كالكهرباء والوقود والدواء وفقدان هيبة الدولة!

 لذلك خرج مئات آلاف اللبنانيين إلى شوارع بيروت والجنوب والشمال والبقاع في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ، ضاربين عرض الحائط بالانتماءات الطائفية والحزبية وغير آبهين بزعيم أو قيادي. رفع  المتظاهرون صوتهم عالياً في وجه الطبقة السياسية مجتمعة، وطالبوا برحيلها متهمين إياها بالفساد وعدم المبالاة وحمّلوها مسؤولية تردّي الوضع لاقتصادي وضيق الأحوال المعيشية. ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 ليكون الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وبدى أن الطبقة الحاكمة بدأت تترنح وأصبحت في أضعف لحظاتها ، قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

استشعر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخطر ، فهرع إلى لبنان سريعًا في سيبتمبر 2020 بعد أيام من انفجار بيروت الكبير . جاء ماكرون إلى لبنان – بدعم ومباركة أمريكية – لكي يُنقذ إرث بلاده الخبيث ، و كان جُل اهتمامه هو كيف يُحافظ على الوضع الراهن ال Status quo المصنوع في فرنسا، وكيف يُساعد أمراء الحرب على تعدي الأزمة، إن ما يهم ماكرون بالدرجة الأولى هو (بريستيج) فرنسا، وإرثها الخبيث في لبنان، وليذهب بعد ذلك ، كل اللبنانيين الى الجحيم.

إن  قَدر لبنان أن يبقى مختبرًا دوليًا للصراعات، وحقل تجارب للنزاعات ، وساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وقنبلة موقوتة يفجرونها في أي وقت يشاؤون لخدمة مخططاتهم وأهدافهم في المنطقة. لهذا نُحذّر الشعب اللبناني ، والشعوب العربية قاطبة أن عليهم أن يدركوا أن الإصلاح والتغيير بكافة أنواعه ، السلمي أو الثوري،  مُقنن و يخضع للسيطرة و للفيتو الغربي بشكل أو بآخر ، وأن فرنسا والغرب يقفون ضد الشعوب وليس معها؛ و بأنه ليست كل الإصلاحات أو السياسات الاقتصادية التي تنشدها الشعوب تقع  بالضرورة تحت صلاحيات أو امتيازات (Political Prerogatives )  النظام السياسي المحلي حصريًا ، لأن هؤلاء الزعماء السياسيين هم كلاب صيد للغرب،  وهم فاسدون لأن أسيادهم الأنجلوفرانكوفون ربوهم وبرمجوهم على الفساد والسوء.

 أيها الشعوب عليكم التفكير خارج الصندوق، وهذا يعني بالضرورة عدم التعويل على فرنسا وحلفائها الغربيين ليحلوا لكم مشاكلكم بمبادرات دجل و تدليس ،  لأنّ لا خيرًا ولا إصلاحًا يُرجى من هؤلاء، لأنهم -على بلاطة- جزء من المشكلة وليس من الحل.

قلّعوا شوككم بأيدكم أيها اللبنانيون والعرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ثلاثة أحداث سورية في يوم واحد!

معاذ عبدالرحمن الدرويش كاتب و مدون سوري بالأمس جرت ثلاثة أحداث سورية في …