أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / شهر الله المحرم، شعائر حقة وطقوس باطلة!

شهر الله المحرم، شعائر حقة وطقوس باطلة!

سعد عبد الرحمن التركماني

كاتب وباحث تركي
محرر الشؤون الدينية في رسالة بوست
عرض مقالات الكاتب


لما خلق الله تعالى السماوات والأرض جعل عدة الشهور اثنا عشر شهراً منها اربعة حُرُم كما قال عز وجل : ( إنَّ عِدَّةَ الشُّهور عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة – 36) .
منها شهر الله المحرّم وهي من الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله تعالى وشرّفها الله من بين هذه الأشهر فسمي بشهر الله المحرم
فأضافه الله عزوجل إلى نفسه تشريفاً له .
وقد حرّمه الله تعالى بنفسه فلا يحق لأحد تحليله ، وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ فعن أبي بكرة رضي الله عنه ، عن النبي ﷺ قال : ( إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ) متفق عليه .
وقد رجّح طائفةٌ من العلماء أن مُحرّماً أفضل الأشهر الحُرم ، قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ( وقد اختلف العلماءُ في: أيُّ الأشهُرِ الحُرُمِ أفضَلُ؟ فقال الحسَنُ وغيرُه: أفضلُها شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، ورجَّحه طائفةٌ من المتأخِّرين ) لطائف المعارف 70
ويدل على هذا ما أخرجه النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه قال : ( سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ اللَّيلِ خيرٌ، وأيُّ الأشهُرِ أفضَلُ؟ فقال: خيرُ اللَّيلِ جَوفُه، وأفضَلُ الأشهُرِ شَهرُ اللهِ الذي تَدْعونَه المُحَرَّمَ ) .
قال ابنُ رجب رحمه الله: “وإطلاقُه في هذا الحديثِ (أفضل الأشهر) محمولٌ على ما بعد رمضانَ، كما في روايةِ الحسَنِ المرسَلةِ” .
فضل صيام شهر الله المحرّم :
قد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل صيام شهر الله المحرم بقوله : ( أفضَلُ الصِّيامِ بعد رمضانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ ) رواه مسلم .
واختلف أهلُ العلمِ -رحمهم الله- في مدلولِ الحديثِ: هل يدلُّ الحديثُ على صيامِ الشهرِ كاملًا أم أكثَرِه؟ وظاهِرُ الحديثِ -واللهُ أعلَمُ- يدُلُّ على فَضلِ صيامِ شهرِ المُحَرَّمِ كاملًا، وحمَلَه بعضُ العُلماءِ على الترغيبِ في الإكثارِ من الصِّيامِ في شهرِ المُحَرَّم لا صومِه كُلِّه؛ لقولِ عائشةَ رضي الله عنها: (ما رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استكمَلَ صيامَ شَهرٍ قَطُّ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثَرَ منه صيامًا في شعبانَ) أخرجه مسلم
ولكِنْ قد يقال: إنَّ عائشةَ رضي الله عنها ذكَرَت ما رأَتْه هنا، ولكِنَّ النَّصَّ يدُلُّ على صيامِ الشَّهرِ كاملًا.

  • شهر الله المحرم وعاشوراء :
    عاشوراءُ : هو اليومُ الذي أنجى اللهُ تعالى فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شُكرًا، ثم صامه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِما رواه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ( قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ، فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ، فسُئِلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر اللهُ فيه موسى وبني إسرائيلَ على فِرعونَ؛ فنحن نصومُه تعظيمًا له، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (نحن أَولى بموسى منكم، فأمَرَ بصيامِه ) رواه البخاري ومسلم، وفي روايةٍ لمسلمٍ: ( فصامه موسى شُكرًا، فنحن نصومُه…) .
    فضل عاشوراء :
    أمَّا فضلُ صيامِ يومِ عاشوراءَ، فقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي رواه أبو قتادةَ رَضِيَ اللهُ عنه، وقال فيه: سُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن صومِ يوم عاشوراءَ؟ فقال: ( أحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَه ) رواه مسلم ، ولو صام المسلِمُ اليومَ العاشِرَ لحصل على هذا الأجرِ العظيمِ، حتى لو كان مُفرِدًا له، من غيرِ كراهةٍ، خلافًا لما يراه بعضُ أهلِ العِلمِ، ولو ضَمَّ إليه اليومَ التاسعَ لكان أعظمَ في الأجرِ؛ لِما رواه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ( لَئِنْ بَقِيتُ أو لئِنْ عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنَّ التاسِعَ) ، وأمَّا الأحاديثُ التي وردت وفيها صيامُ يومٍ قَبْلَه وبَعْدَه، أو صيامُ يومٍ قَبْلَه أو بَعْدَه؛ فلم يَصِحَّ رَفْعُها للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والعباداتُ -كما هو معلومٌ- توقيفيَّةٌ، لا يجوزُ فِعْلُها إلَّا بدليلٍ، وقد يُستأنَسُ بما ورد في ذلك؛ فقد صَحَّ بعضُ هذه الآثارِ موقوفًا على ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ ولهذا لا يُثَرَّبُ على من صام عاشوراءَ ويومًا قبله ويومًا بعده، أو اكتفى بصيامِه وصام يومًا بعده فقط.
    البدع في عاشوراء :
    قال العلَّامةُ الشيخُ عبدُ الله الفوزان حفظه الله: وقد ضلَّ في هذا اليومِ طائفتانِ:
    طائفةٌ شابهت اليهودَ؛ فاتَّخَذت عاشوراءَ موسِمَ عيدٍ وسرورٍ، تُظهِر فيه شعائِرَ الفَرَح؛ كالاختضابِ، والاكتحالِ، وتوسيع النَّفَقاتِ على العيال، وطبخِ الأطعمةِ الخارجةِ عن العادةِ، ونحوِ ذلك من عَمَلِ الجُهَّالِ، الذين قابلوا الفاسِدَ بالفاسدِ، والبِدْعةَ بالبِدْعةِ.
    وطائفةٌ أخرى اتَّخذت عاشوراءَ يومَ مأتَمٍ وحُزنٍ ونياحةٍ؛ لأجْلِ قَتْلِ الحُسَين بن علي -رضي الله عنهما- تُظهِرُ فيه شعارَ الجاهليةِ؛ مِن لطمِ الخدودِ، وشقِّ الجيوبِ، وإنشادِ قصائدِ الحُزن، وروايةِ الأخبارِ التي كَذِبُها أكثرُ من صِدْقِها، والقصدُ منها فتحُ بابِ الفتنةِ، والتفريقُ بين الأمَّةِ، وهذا عَمَلُ من ضلَّ سَعْيُه في الحياةِ الدُّنيا، وهو يحسَبُ أنَّه يحسِنُ صُنعًا.
    وقد هدى اللهُ تعالى أهلَ السُّنَّةِ، ففَعَلوا ما أمَرَهم به نبيُّهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الصَّومِ، مع رعايةِ عدَمِ مشابهةِ اليهودِ فيه، واجتَنَبوا ما أمرهم الشَّيطانُ به من البِدَعِ، فلله الحمدُ والمِنَّة .
    وعلى هذا فلم تثبت أي عبادة في هذا الشهر المبارك إلا الصيام وينبغي البعد عن البدع والضلالات التي يفعلها طوائف الأهواء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التداوي بأعضاء الخنزير جائز أم ممنوع؟؟

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي ونجح الإنسان في نقل قلب خنزير للإنسان …