دين ودنيا

العبر في ابتلاء الأنبياء..

د. ممدوح المنير

كاتب وسياسي مصري.
عرض مقالات الكاتب

متى ستفعلها ؟!
تضع السكين على رقبته ثم تذبحه !
هل هناك عاقل يفعلها ؟!

ابتلاء الله للأنبياء مع أولادهم تحمل في طياتها درسًا بليغًا من دروس الحياة ، بلغة الحاضر يسميها البعض أسر مكلومة أو مفككة و بمنطق القرآن أسر مبتلاة بقدر الله.

فهذا خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم يبتليه الله بموت ابناءه الذكور في حياته ،و يفجعه ألم الفراق على وفاة إبنه ابراهيم فيقول (وإنَّا بفِراقِك يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ) مسلم.

و هذا نبي الله نوح يرى ابنه على وشك الغرق في الطوفان ،فينادي عليه بلوعة الأب الخائف الملتاع على فلذة كبده ( يا بنيّ اركب معنا )و لمًا يأس منه خاطب ربه راجيًا وهو يراه يغرق و قد وعده الله بنجاه أهله ( فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ..) (هود ـ ٤٥) فجاءه الرد العلويّ ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ..) (هود ـ ٤٦) .

و غرق ولده أمام عينيه ليعاني ألم الفراق و لوعة الفقد عليه.

و هذا سيدنا يعقوب يبتلى بفقد ريحانة قلبه سيدنا يوسف في قصته الطويلة و الجليلة حتى يذهب بصره حزنًا عليه ،ويشتد البلاء فيفقد ابنه الثاني حين احتال يوسف ليبقى معه، ويبقى معه ابنه الثالث حرجًا من والده فيجتمع عليه غياب ثلاثة من أبنائه معا ليصل البلاء إلى ذروته و الامتحان الى قمته.

و هذا نبي الله زكريا يبتليه الله بعدم الإنجاب حتى يكبر سنه، ويوهن جسده و يبلغ شوقه ،وحنينه إلى الذرية منتهاه.

إن الله أختار لصفوة خلقه وأولي العزم من رسله أن يبتليهم هذا الابتلاء العظيم ليواسي بهم كل مبتل أو يعاني ألم الفقد أو الفراق مع فلذات أكباده .

ليقول لهم على لسان نبيه الذي لا ينطق عن الهوى في درس بليغ ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ) فكان بلاؤكم من بلائهم لتكون منزلتكم من منزلتهم ، ففي جنّات النعيم تتساوى المنازل بدرجات العمل الصالح و الصبر الجميل على ابتلاءات الله لعباده.

لكنّ الدرس الأعظم من بلاء الأنبياء مع أبنائهم هو أنه عند الصبر الجميل الذي بلا سخط و الممزوج بالرضا و التسليم الكامل بقضاء الله و قدره يرفع الله البلاء و تتنزل الرحمات .

فعندما وضع سيدنا إبراهيم السكين على رقبة اسماعيل و هم بالذبح استسلامًا لقضاء الله و أمره ، رفع البلاء و كان الفداء و التكريم الأبدي لهذا الأب و النبي العظيم .

و هذا سيدنا يعقوب الذي ظلّ قلبه متعلقا بالله في محنته و لم يتطرق اليأس و القنوط إلى قلبه بل خاطب أبناءه في رسالته الأخيرة( وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ)

فكان رفع البلاء و كان اللقاء و كانت الفرحة.

و هذا زكريا الصابر المحتسب ينادي ربه نداءً خفيًا ، فيرفع بلاءه بعد أن اشتعل رأسه شيبا و تكون الجائزة يحيى!

و هذا نوح يموت له ابن عاق غرقًا، فيصبر و يحتسب ، فيرفع بلاءه و تكون النبوة في ذريته!

كل هذه القصص يعلمنا الله منها درسًا واحدًا على يد صفوة خلقه :

استسلم .. تسلم ، ارض بقضائي .. أرفع عنك كل بلائي ، وتنال جنتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى