أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / درعا الكرامة والشعب العنيد

درعا الكرامة والشعب العنيد

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب


أودّ الإشارة بداية إلى أنني لم أكن أعرف قبل انطلاق الثورة السورية عام 2011 أن حب السلطة يؤهب للقتل، وسفك الدماء، وارتكاب أبشع المجازر من أجل البقاء في سلطة مصيرها إلى زوال، ولكن يكفي أن نراجع أحداث السنوات الماضية من عمر الثورة لنكتشف أن مغتصبو السلطة عندما يتعرضون للخطر يرتكبون أسوأ الفضاعات، لأنهم مقتنعون أن السلطة حق إلهي يجب ألا يُنازعهم عليه أحد، ولأنني لا أرغب بالمجازفة في تقديم شرح كامل لكل المذابح التي ارتكبها النظام في عموم الأرض السورية، ولا أرغب في اقترح دواء معجزة ، فذلك لأنني أعلم أن الحالة السورية حالة معقدة لا يمكن تفكيكها بسهولة، وبخاصة بعد أن تأكد لنا أن الممسكون بالسلطة قد تحولوا إلى مجرمين وقتلة بسرعة البرق تحت ذريعة الدفاع عن الوطن والمواطنة كما يدعون.
إن ما يحصل في درعا البلد وريف حوران اليوم يكشف لنا بوضح تام كيف يختزن حكامنا في عقولهم وقلوبهم كراهية عميقة لشعبهم، وازدراء حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، فقد قرأنا وسمعنا ورأينا على مختلف وسائل الإعلام ما يرتكبه النظام في درعا من جرائم يطفح بها تاريخه، وهو يسعى لإذلال أبناء المحافظة وكسر شوكتهم وامتهان إنسانيتهم، والقضاء على كل مصادر المقاومة لديهم، من الكلمة إلى لقمة العيش مروراً بدواء الجريح.
لقد أصبح واضحاً للجميع أن هذه الهجمة الهولاكية التي تُمارسها قوات الأمن والشبيحة على المدنيين الآمنين في حوران اليوم، ما هي إلا محاولة لتعويض إخفاقها في القضاء على الثورة، فبالرغم من جسامة التضحيات التي شهدتها الساحة السورية، فإن النظام لم يقتنع بعد أن هدفه لن يتحقق مهما أسال من دماء الشهداء الطاهرة، ومهما كثف من اعتقالات ودمر من عُمران وموروثات حضارية وتاريخية. لقد مارس النظام أبشع صور العدوان بمختلف مآسيها على الثوار المنتفضين ضد القهر لأكثر من عشرة سنوات، ومع ذلك لم يستسلم الشعب لهذه الهجمة الهولاكية، بل لم يعد يقبل أن يكون هذا النظام وصياً عليه وعلى مستقبله، بعد أن أدرك حقه في حياة كريمة عزيزة خالية من الظلم والاستبداد.
إن ما يُمارسه النظام في درعا اليوم ما هو إلا رداً على امتناع أهل المحافظة عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية من جهة، ولما تُمثله درعا البلد من رمزية للثورة السورية، من أجل ذلك يقوم في هذه اللحظة واللحظات التي سبقتها بالقتل والتدمير، مقتحماً درعا وريفها، ومُبرراً تلك الاعتداءات وارتكاب جرائم الحرب بعبارته المكرورة المكروهة: ملاحقة العصابات المسلحة التي تقتل المواطنين وتروع الآمنين. تلك هي الذريعة الرئيسة التي يُبرر من خلالها النظام الحرب الكاسحة على درعا وريفها، وهي حرب بكل وسائل القتال الحديثة المروعة التي تمتلكها القوات المسلحة، وما المجازر التي يرتكبها النظام في درعا إلا أعمالاً بربرية أشد هولاً ورعباً مما ارتكبته النازية والفاشية من فظائع وجرائم في حروبها المختلفة.
ولكن ما لم يفهمه النظام أن قيمة الكرامة لدى أبناء هذه المحافظة تتقدم على كل القيم، وعندما يرفعون شعار “الموت أو المذلة”، فهذا يعني أن خيار الموت بالنسبة لهم أفضل من خيار الذل وفقدان الكرامة. ولهذا وجدنا اليوم ردة فعلهم على انتهاكات النظام لمدنهم وقراهم، وكيف ثاروا جميعاً لمواجهة ارهاب النظام في محافظتهم بعد أن طفح الكيل، وأصبحت الأمور لا تطاق، فهؤلاء قوم يستمدون كرامتهم من تعاملهم اليومي في الحياة نفسها، وفي عملهم، وفي أسرهم.
ولأن الكرامة هي أحد عناصر التربية التي يتربون عليها، فقد أصبحت الكرامة عاملاً أساسياً تدفعهم إلى الغضب والثورة كلما حاولت السلطة انتهاك كرامتهم، وهذا ما لم يفهمه النظام بعد عشر سنوات. لم يفهم أن أجيالاً نشأت في ظل الثورة وقيمها، تشكلت خلالها عقلية أبناء المحافظة وفقًا لمتطلبات الحياة الجديدة في مجتمع يريد أن ينهض ويتقدم ويتخلص من حالة القهر والاستلاب حين تُمتهن كرامته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صراع الحضارات أم حوار الحضارات الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وجها لوجه

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة في كتابه تثبيت …