أخبار عاجلة
الرئيسية / اقتصاد / لا أحد يموت جائعاً في الشام!!

لا أحد يموت جائعاً في الشام!!

مصعب الأحمد

يطل (الأسد الابن) بعد أن خرج من جحره في حي المهاجرين، لإلقاء اليمن الدستوري في قصر الشعب، ليقسم على ولاية العمالة الجديدة للاحتلال الروسي الأمريكي، ومن حي الميدان حيث شرارة الثورة الأولى في دمشق، في رسالة لم ينتبه لها كثيرون، حيث الزمان والمكان والتاريخ، ليتزقم مع زوجته وأولاده (الشاورما) كناية عن التواضع ومشاركة الفقراء طعامهم.
بحالة من الغباء المنقطع النظير حيث لا يعلم الأحمق أن الشاورما في دمشق أضحت طعام الأغنياء، وأن اللحم خاص بالأثرياء، وأن ما تزقَّمه وأولاده في الميدان يعادل راتب موظف لشهر كامل ممن يصفق له ليل نهار من غثاء المنحبكجية.
ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم أن راتب الموظف بعد الزيادة الأخيرة بلغ (اثنان وعشرين دولاراً) لا غير!!
لم تعرف الشام الفقر والجوع والفساد والسرقة والانحطاط الأخلاقي والديني، ما عرفته في حكم هذه العائلة العميلة.
الشام بلد البركة، قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}.
الشام بلد الخيرات، بلد الزراعة والبركة، بلد التراحم والصلة، بلد الخْطَي! (أي مسكين لا تتركوه)، بلد الإنتاج الذي يطعم من حوله، وخاصة بلاد الخليج العربي خضرة وفاكهة ومختلف الأطعمة.
(لا أحد يبات جائعاً في الشام) حقيقة يعرفها الجميع يوم كانت الشام لأهلها، يوم كانت الشام مزينة بأهلها الأصليين الذين توارثوا العز كابراً عن كابر، قبل أن تحكمه عصابات الإجرام وحثالة البشر، وتبيع حاضره ومستقبله لأقذر الغزاة.
ولكن لماذا لا يجوع أحد في الشام؟! وهل هذه مبالغة؟ لا ليست كذلك؛ لأنك لا تكاد تطلب من أحد إلا ويعطيك، وخاصة إن طلبت طعاماً.
في كل الدنيا تباع مياه الشرب للناس إلا في الشام لا تكاد تمر في شارع إلا وترى سبيل ماء أو خزاناً صغيراً محاطاً بكؤوس الشرب مجاناً، في كل الدنيا تُلقٍي على الرجل السلام فيرد عليك السلام ويكتفي، إلا في الشام يردفها بابتسامة تحبب وبقوله (تفضّل) أو (شرّف) أي انزل ضيفاً علينا لنكرمك ونتشرف بذلك.
لا تكاد تطلب طعاما من أحد في الشام إلا ويخرج لك ويطعمك، ويعرض عليك أن تكون ضيفاً عنده، ويقدم لك كل ما يستطيع ولو كان لا يعرفك.
لا تكاد تقدِّم معروفاً لأحد إلا ويبادر لمكافئتك جهد استطاعته، مع وابل الشكر، أو يسقيك الشاي أو القهوة على أقل تقدير.
هل تذكرون تلك الطفلة في إدلب؟، التي جاء المصور ليوثق فقرها، وكانت تأكل الخبز فمدَّت يدها له بشيء من الخبز حتى دون أن يطلب منها.
هل تذكرون ما وثقته مفوضية اللاجئين بصورة لنساء لاجئات يفترشن محطة قطار في بوودابيست وهن يتبرعن لمشرد الماني بثياب وطعام؟.
هل تذكرون أن أحد التجار ينفق على طالب علم أندنوسي ست سنوات وهو لا يعرفه، ولا يعرف اسمه، ولم يلتق به في حياته.
في الشام لا تعرف طالب علم وخاصة الشرعي إلا ويجد مسكناً وطعاماً وشراباً وراتباً طيلة فترة دراسته دون أي مقابل، ولا يُقدَم علم شرعي بمقابل مادي مطلقاً، بل الأستاذ هو الذي يعطي أو المدرسة.
في الشام لا تكاد تمر في سوق من الأسواق التي تبيع الطعام إلا ويضيفك أحد الباعة حبة، أو لقمة، ولو لم تشتري منه.
هل سمعتم (بالسكبة)؟ هي عادة دمشقية ركينة، وهي جزء من الطعام التي تعده المرأة لبيتها، فترسل منه لجيرانها، وتكون شبه لازمة إن كان فيهم طالب علم أو فقير.
حدثني طالب جاء من كازخستان وسكن في ريف دمشق فقال: ست سنوات وأنا في هذا الحي لم أصنع طعاماً إلا نادراً، وكل يوم يأتيني من أكثر من بيت فيجتمع لدي عدة أصناف من الطعام.
كان عامل الكهرباء او السمكري أو الدهان أو صاحب أي مهنة إذا مر عليه شيء وهو يعمل في غير اختصاصه وهو قادر على تعديله أو إصلاحه يصلحه لصاحب العمل، ويقول (خطي) أي (مسكين) نصلحها له حتى لا يتكلف إصلاحها.
هل سمعتم أن أحد الناس ذهب إلى بيت ابنته التي طُلقت ليحملها مع أمتعتها بعد خلاف مع الزوج، فكان هناك صنبور ماء معطل يسكب الماء وهو يعلم أن صهره لن يعود حتى المساء، فاتصل من فوره بمن يصلحه ولم يخرج من البيت حتى أصلحه؟!!
هل تعلم أن جلَّ الدنيا إن رأى أحدهم قطعة خبز ينظفها ويرفعها، إلا أهل الشام ينظفها و(يقبِّلها) ويرفعها لمكان تأكله الطيور؛ تقديراً لنعمة الله.
لم يؤجَّر بيت لأحد النازحين العرب -في الغالب- ولم يشتر أحدهم طعاماً إلا أن يكون غنياً أو لا يعجبه ما يقدم له من مسكن أو طعام في مكان النزوح، فيختار لنفسه.
حضرت الحرب الإسرائيلية والأمريكية على لبنان والعراق وأعلم تماماً ما أقول، من لم يعرف أهل الشام فليقرأ عن (أخلاق أهل الشام) ما قاله الأستاذ علي الطنطاوي رحمه الله:
قابلنا وزير العدل في القاهرة، وكان اسمه خشبة باشا وبعد السلام علينا، والسؤال عن أحوالنا سألنا عن رجل من أهل الشام اسمه الشيخ أبو الخير الفرَّا أي (الفراء)، فخبرناه خبره وعجبنا من سؤاله عنه، ورأى العجب على وجوهنا من شدة اهتمامه وحرصه على معرفة أخباره فقال: لا تعجبوا من سؤالي عنه، فله عندي دين لن أنساه طوال حياتي، كنت قد قدمت دمشق في فترة العشرينيات، حيث نزلت فندقًا في المرجة، ثم جلتُ في البلد في اليوم التالي، وصعدت إلى المهاجرين على سفح قاسيون، ومن هناك رأيت داراً مفتوحة بابها وأمامها رجل يجلس على كرسيه، فأعجبني المكان ومنظر البلد، ومنظر الغوطة من حولها كان يبدو جميلاً جداً، وسألت الرجل: أليس هذا فندقاً أنزل فيه أيامًا؟ فقال: بلى ألا ترى الباب مفتوحاً، تفضل مرحباً بك، ودخلت فأعطاني غرفة ما ارتضيتها، فقلت أريد خيراً منها، فأعطاني غيرها فرضيتها، وسألت عن الطعام فقال: اطلب كل يوم ما تريده!
قال الوزير: ونزلت عنده ووجدته فندقاً مريحاً، والنزلاء قليلون، والخدمة جيدة، وكان يسألني كل عشيّة: ماذا تريد أن تأكل غداً؟ ويعدّد لي الألوان الشامية فاختار منها ما أريد، وطاب لي المقام، ولم يكن لي في مصر عملٌ يستعجلني فلبثتُ عنده خمسة وعشرين يوماً، أطلب فأجد…. وما وجدتُ تقصيراً ولا احتجتُ إلى شكوى، ثم قرّرتُ السفر، فقلتُ له: أنا مسافر غداً، قال: بالسلامة إن شاء الله، وإنْ كنّا نؤثر أن تطيل الإقامة عندنا. قلتُ: أتمنّى، ولكن آن أوان الرحيل. قال: كما تريد. قلتُ: أين قائمة الحساب؟ فضحك وقال: الحساب يوم القيامة، ونسأل الله أن يجعله يسيراً. قلتُ: إنما أعني حساب الفندق، فضحك وقال: أي فندق!؟ أتراني من أصحاب الفنادق!؟ إنما هي داري وقد نزلتَ عليَّ ضيفاً كريماً، فهل تأخذون منِّي إنْ زُرتكم أجرة المبيت وثمن القرى؟، فجرّبتُ معه كل وسيلة فما أفلحت، فدعوته أن يشرّفني بزيارته في مصر، فوعد، وبعثتُ إليه بهدية من مصر، فقبلها ورَدَّ عليَّ بهدية أغلى منها، وكتبتُ إليه مرات أطالبه البر بوعده وزيارتي، فمضت أربعون سنة وما جاء مصر، ولا رجعتُ أنا إلى الشام. انتهى
ما تراه من مظاهر فساد، وتسول، واستجداء، وانحطاط هذا وليد طارئ في الشام، أفرزته منظومة حزب البعث التي عملت جاهدة على تربية أجيال وصناعة بيئة حاضنة لفساده وانحطاطه شأنهم شأن جميع طغاة الأرض.
نظام بعثي قذر عمل على فكرة (جوع كلبك يتبعك)، وهي صحيحة في قومه وجماعته وعائلته، لكنها لا تنفع مع شعب كأهل الشام إلا أن يثوروا عليه فيثخنوا فيه وفي عائلته وجماعته حتى يجعلوه عبرة للمتوسم. أكثر مائة ألف مجرم (باعتراف جماعته) نفق وتم تحييده من شر شبابهم وأقذر طائفييهم.
إن بقي أحد من الطائفة سيبقى ليلعن عائلة الأسد صباحاً ومساءً على ما فعلوه بطائفتهم قبل غيرهم.
نعم استشهد من أهل الشام الكثير، لكنهم استشهدوا وهم يكتبون على صفحات العز والمجد رسائل لكل خانع ذليل وعبد وضيع وتابع ساقط أسمى دروس الإباء والأنفة.
واجه أهل الشام الطائفة العلوية فلقنوهم درساً لا تمحوه الأيام، فاضطروا أن يحتموا بالمحتل الإيراني والروسي فنال الآخرون منهم مالم ينال من غيرهم، ولسان حال الشاميين يقول: أنتم تواجهون شعباً مسلماً عظيماً راسخاً في العقيدة والإسلام لا مجموعة خانعة وضيعة مثلكم.
لا تغرنَّكم بعض الحثالات والوصوليون والنفعيون والعبيد والأشحاء هنا وهناك، فهؤلاء لا يمثلون أهل الشام ولا حاضرها وماضيها، بل هم عبارة عن فيروس متحول لا يمثل إلا نفسه، تربى على موائد اللئام ورضع لبان الخسة الطائفية المقيتة.
اسألوا إن شئتم فرنسا وحثالاتها وغيرها من الغزاة عن بأس أهل الشام وبسالتهم.
لا يجوع أحدٌ في الشام (يوم كانت) حقيقة ثابتة. أما الآن فقد جاع أهل الشام حتى أكلوا أوراق الشجر والقطط والكلاب في ظل مجتمع دولي قذر، يدَّعي أنه يحاصر الأسد وطائفته ليجبره على الرضوخ، وهو فعلياً يجبر من تبقى من أهل الشام على الهجرة والنزوح خارجاً، فهم المتضرر الأوفى من ذلك.
أيها الناس في كل مكان تذكروا أن أهل الحاجة الحقيقيون من أهل الكرامة لا يستجدون ولا يطلبون مالم يتفقدهم إخوانهم، فكونوا لهم خير معين وناصر فقد يصيبكم ما أصابهم، أعاذكم الله من ذلك.

تعليق واحد

  1. أبو العبد الحلبي

    يجزيك الله خيراً يا أستاذ على هذا المقال الرائع الذي وصف الحال في أيام الزمان الجميل الذي عايشناه . هذا الوصف جعل الدموع في عيناي تترقرق و تنساب من بداية قرائني للمقال حتى أنهيته . تذكرت أعز الأحباب الوالدين و الجدين و الجدتين رحمهم الله جميعاً و تذكرت الأقارب و الجيران الطيبين و الأصدقاء الأعزاء و أهل الحارة و المدينة و القرى المجاورة . كانت أجمل أيام حياتي قبل عام 1963 ذلك العام الذي سيطرت فيه أحقر إمبراطورية عرفها التاريخ على سوريا – من خلال انقلاب عسكري بعثي عميل – مهَد الطريق لأقلية همجية امتطتها الإمبراطورية لتقوم بوظيفة (القتل و التدمير و الحبس و التهجير) التي لا تتقن غيرها على شعب سوريا المسلم تحديداً. حمداً لله و شكراً على حلاوة عيشي إلى ما قبل 1963 ، و أرجو الله أن يعود على سوريا الخير بعد الشر و الفرج بعد الضيق و الجمال بعد القبح و هدوء البال بعد النكد و على جميع بلاد العرب و المسلمين المستهدفة بهجوم حاقد من أتعس و أقذر خنازير الأرض . ما أَضْيَقَ العَيْشَ لَولَا فُسْحَةُ الأَمَلِ ، و هو أمل بالله عظيم بعد أن تداعى الذئاب علينا من كل صوب ، و هذه الشام المباركة لا يعمَر فيها ظالم بعون الله حتى لو أعانته مليون أمريكا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال يجب أن يجيب عليه كل سوري … كيف تنظر إلى الدور الروسي في سورية ؟

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي وعن نفسي أجيب : جسد الدور …