أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / نكبة السماسرة!

نكبة السماسرة!

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

بين ليلة وضحاها حول فيرس الكمشن 19 جلَّ شعبنا الكريم إلى سماسرة، وصارت مهنة من لا مهنة له، وسند من لا سند له، حتى صرت تخاف أن تسأل أحدهم عن اتجاه القبلة؟ أو كم الساعة؟ أو من أين الطريق الى المسجد؟ أو أين بيت فلان؟ فيقول لك (مائة دولار)!
السمسرة (مهنة):
يقوم بها شخص يسمى “السمسار” بدور الوسيط بين البائع والمشتري، بغرض التقريب بينهما وإتمام الصفقات التجارية المختلفة بشكل سريع وسهل، مقابل الحصول على مبلغ من المال عند انتهاء الصفقة من كلا الطرفين يسمى “العمولة” أو “الكومشن”.
السمسرة مهمة عند حاجة الناس الذين لا يعرفون طرق المساومة في البيع والشراء، وعدم قدرة البعض على معرفة عيوب ومحاسن السلعة، أو لا يستطيعون البحث عنه، أو لعدم وجود وقت لعمليات البيع والشراء.
بعض الصفات يجب على السمسار التمتع بها ليكون ناجحًا، أهمها امتلاك المهارات اللفظية والاجتماعية من أجل التحاور مع الزبائن بأسلوب محبب، إضافة إلى ضرورة إتقانه فن المساومة والاطلاع على العروض والخيارات كافة، والخبرة، وتجهيز الردود المناسبة، إلى جانب قدرته على إقناع وتشجيع الزبائن والعملاء على قبول العروض الموجودة.
لاريب أن فكرة التجارة تقوم مذ كان الإنسان يقدم على بيع ما يحتاجه الآخرون، وفكرة العوض في الخدمات والإجارة على الجهد والعرف، ولولا الحاجة لما أقدم أحد على شراء أو طلب أي شيء.
وتختلف الحاجات من حاجة نفسية، إلى جسدية، إلى مادية، إلى فكرية، إلى طبية، إلى آخره ….
فحاجتك لعلم الطبيب تجعلك تدفع له لكي يطببك، وحاجتك الى الكتابة تجبرك أن تدفع لصانع القلم وحامله وبائعه وناقله، وحاجتك للدواء تجعلك تدفع لكل من ساهم في صنعه.
حاجتك للعلم تجعلك تدفع للمعلم والمدرسة، وحاجتك للماء باردا تجعلك تدفع لبائع البوظة ثمن البرودة، حاجتك للزواج تجعلك تدفع لوازمه وتوابعه، وكذلك غيره من الأشياء.
بيد أن الناس قديما كانت تدفع ثم الحاجات اللازمة القليلة، الضروري لحياته وحياة اخوانه، ونحن اليوم ندفع ثمن كل شيء حتى ما لا يتصور أن له ثمناً، ندفع ثمن انحدار الأخلاق، وضعف المروءة، ووضاعة المنبت، وقلة الخير.
أقرف ما في الأمر أن يكون بين الأصحاب فقد قيل: ليس من المروءة أن يربح الصديق على صديقه، وهذا في معرض التجارة فكيف بالسمسرة، وأقرف منها بيع ما لا يباع عادة.
فهل يعقل مثلاً أن يفتح أحدهم حساباً في بنك لا يطلب إيداع مبلغ مسبق كشرط لفتح الحساب للاجئين، ولكي يدل الناس على هذا الفرع مستغلا حاجتهم وجهلهم وقلة حيلتهم يطلب خمسين دولاراً!!
هل يعقل أن يطلب أحدهم (وهي ليست مهنته) خمسة أو عشرة يورو ليقبل أن يترجم ثلاث كلمات للاجئ معدم، لم يفهم الموظف منه ما يريد؟!!
هل يستساغ أن يسأل أحدهم عن فني صيانة أو نجار فيطلب السمسار منه أجرة ليدله على أحدهم!؟
ثم يدله فيطلب أجرة من الدال والمدلول؟
هل يقبل أن السمسرة الهرمية تحول ثمن الفيزا من (ثلاثين دولار) إلى (خمسة آلاف دولار)!! نعم لا مبالغة للشخص الواحد ليتمكن من دخول تركيا.
هل يعقل أن يأخذ المهرب خمسمائة دولار ويأخذ “ابن البلد وأخو المعاناة، ورفيق الحرب، والقريب” (سبعة آلاف) لأنه فقط يعرف المهرب، يأخذها من إنسان ضاقت به الأرض بما رحبت وراح يبحث عن الخلاص؟
إن كنت تعتبر هذا حقاً وشطارة، فلم لا تعط من عرفك عليه نصيبا؟ ولمن دلَّك على من عرفك أيضاً؟ ولمن أنجبتك، ولمن جاء بك إلى الدنيا؟ ولمن طبع لك بطاقة شخصية وكتب بها (إنسان) فكلهم ساهم في نجاح هذه السمسرة.
هل سمعتم (بالقذارة عابرة الحدود)؟
هي أن ترفض إخراج شخص من الجب حتى يدفع؟ يفعلون ذلك وأكثر من ذلك؟
إذا أردت أن تخرج من المحرقة الشامية فعليك أن تدفع صاغراً (للسمسار الأول، والثاني، والثالث، وللمهرب الأول إلى تركيا، ثم للسماسرة الذين لا يحصون عدداً في تركيا، ثم للسمسار الى بلغاريا ثم لآخر الى صربيا ثم لآخر في ألمانيا، وتدفع لمن يترجم، وينصح، ويدل، ويرشد، ويحرك جفنه ويعطس مع الحمدلة وبدون حمدلة، ولمن يفتح فمه بكلمة، ولمن يغلقه ثم ثم). وكأنه كتب عليك أن تنفق على السماسرة كل ما جنيته مدة حياتك.
هل سمعتم بأحد لم يقبل أن يحضر طبيباً لإسعاف المصاب حتى يحصل على مقابل! ويحضره فيأخذ عمولة على كشفية الطبيب!
هل سمعتم بمن يأخذ عمولة على أسرّة وطعام ونقليات وهدايا (الحجاج) علما أنه مشرف مأجور يحج مجاناً، ويأخذ فوق ذلك (حقه ومستحقه ونفقة طلاقه) كما يقولون في الشام أي أجرة على كل حاج يقوم بخدمته، ويدعي زوراً أنه لوجه الله كما يرفع من (شعارات).
(خدمة حجاج بيت الله شرف لنا)
هل سمعتم ب(العشر المقيت) نعم: العشر هذا غير الخمس الذي يأخذه الشيعة، هو كمشن يأخذه نوع من العاملين بالمجال الخيري، يأخذون رواتب مجزية ثم يأخذون عمولة على (مبالغ التبرعات)! ان كان المتبرع من جلبه، ويستدلون بآية (والعاملين عليها).
دون النظر في الأجرة التي يأخذونها على العمل ودون مراعاة حاجات الفقير، ويأكلون أموال اليتامى بالباطل وهم المناط بهم تحقيق العدالة وإيصال الخير للناس.
هل يمكنك تخيل أن تكون السمسرة أغلى وأفيد بأضعاف من السلعة ذاتها؟!
السمسرة دركات كدركات جهنم تختلف قذارتها من فعل لآخر ومن باب لسواه..
أقذر ما فيها السمسرة بأعراض الناس، وأحلامهم، وآمالهم، وتطلعاتهم، ومآسيهم، حتى مما يندرج تحت المباح فهي أرضة الأخلاق.
وأقذر دركاتها السمسرة بأرواح الناس وأوطانهم ومستقبلهم، وما يندرج تحتها من المحرم منها وأكل أموال الناس بالباطل وخيانة الناس.

وقبل أن يرتفع لديك مؤشر الحمية فتقول ولكن!
نعم السمسرة عمل (شرعي وقانوني) لمن هي اختصاصه وعمله وفق العرف المعتبر شرعا، لمن تفرغ لها وبذل لها جهده وماله ووقته، وحظي بمواهب عقلية وقدرة على البيع عجز عنها البائع بعلم البائع والمشتري أو أحدهما، ولا غرر فيها ولا استغلال ضمن نطاق المقبول والمعقول.
لكنها تتحول في بعض الأحيان الى استغلال واستعباد، وابتزاز وقرف وقذارة، وإلى عمل غير شرعي وغير قانوني.
كانت السمسرة فيما مضى تحمل معنى أقرب إلى الشتيمة لأصحابها مع ما امتازت به من حدودها الضيقة في المجتمع، فكيف بها وقد وصلت الى ما وصلت اليه اليوم بين أبناء الوطن والأخوة..

هل سمعتم يوماً بفقهاء الأرأيت؟
هم الفقهاء الذين كانوا يخترعون مسائل لا تكون عادة ويندر حدوثها، لكنهم (للترف العلمي) اخترعوها ووضعوا لها أحكاماً، حتى هؤلاء لم يخطر في بالهم أن تصل السمسرة الى هذا الانحدار اللا أخلاقي المقيت.
لا غضاضة عند أهل العرف في أن تكون مهنة بضوابطها وشروطها، لكنها لا ينبغي أن تكون بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه، وابن عمه وخاله، والزوج وزوجته، والشريك وشريكه، بل حتى الصديق وصديقه.
البلاء أن تكون فيروساً ينتشر حتى بين الأغنياء وغير ذوي الحاجات ممن هو في غنى عنها وفي توافه الأمور.
الكارثة أن تكون سمة غالبة لا حدود ولا قيود لها ولا ضوابط ولا أخلاقيات.
الفاجعة أن تمارس باستغلال أشبه ما يكون بالسرقة في وضح النهار.
بلغ الهبل بالناس أنهم يريدون ثمناً لتعريف أي أحد بأي أحد، وأي أحد بأي شيء، تحت مسمى(دلالة).
أفهم الحاجة، أفهم ضعف الحيلة، أفهم الضيق، أفهم الفقر، لكن مالا أفهمه كيف تحولت أبسط الأمور وما لا يمكن تصور ثمنه إلى أدوات استغلال في أيدي تجار الأزمات.
الأنظمة الرأسمالية، الاشتراكية، العنصرية، الدول الفاشلة، الفشل في إدارة اللاجئين، المنظمات الدولية، كلها ساهمت في نزع فتيل المكارم حتى حولت الأشخاص إلى رواد منفعة مطلقة دون مراعاة شريعة أو أعراف أو أخلاق حولتهم إلى روبوت يمشي ويديه للأمام ويردد قوله (كمشن، كمشن).
لا غرابة أن تجد هذا طاغياً في المجتمعات الرأسمالية والليبرالية واليسارية عموماً ومجتمعات الشيطان، لكن الغريب أن يتحول المسلمون ذوو الرحمة إلى ذلك.
المهن كثيرة، والأعمال وفيرة، وأبواب الرزق واسعة وخير الله باق ما بقيت الأرض، ولا حرج في السمسرة في معناها الضيق ضمن ضوابط الشرع والعرف، على ألا تكون السمة الغالبة في كل مفاصل الحياة، فتفقد الحياة معاني الأخوة والصداقة وإغاثة الملهوف، وحمل الكالّ، ورحمة المعوز، ورأفة الفقير، وحنان المسكين. والرحمة لعزيز قوم ذل ولغني قوم افتقر.
ففي الحديث النبوي: “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء”.
سمعنا زماناً بنكبة البرامكة، فمن لنا بنكبة السماسرة حتى نستريح؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

صورة مؤلمة لأب سوري وابنه تفوز بجائزة “سيينا” الدولية لعام 2021

فازت صورة مؤلمة لأب سوري بساق واحدة يحمل طفله المولود دون أطراف،أمس الخميس، بصورة العام …