أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / مفاهيم المعرفة والعلم والجهل وعلاقتها بالواقع الحقيقي وفهمه

مفاهيم المعرفة والعلم والجهل وعلاقتها بالواقع الحقيقي وفهمه

د. ياسين الحمد

أكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

مقدمة
أوراق الشهادة، وتحصيلها لا تبعد الشخص عن صفة الجهل؛ لأن من صفات الجاهل الإجابة مسبقًا قبل أن يسمع للأخير، ويعارض دائمًا قبل أن يفهم ما يقال، ودائمًا يحكم بما لا يعلم، ويردد ما يراه متوافقًا مع مزاجه الشخصي، يهتم بالقشور، ويبتعد عن جوهر وحقائق الأمور، وجاهز للتكفير، والتهجم والتخوين، والشتم أحيانًا بسبب جهله، وعجزه.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: ما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: “اللهم إني أعوذ بك أن أضلّ، أو أُضل، أو أزلّ، أو أُزل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل أو يُجهل علي”.
من لم يدَعْ قولَ الزور، والجهلَ، والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه.
●- أولاً: تعريف الجهل اصطلاحاً: أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه، هذا جهل.

  • مصطلح “الأميّة” يطلق على فرد ما في إحدى المجالات، ولكن قد يكون من العارفين في مجال آخر…. أما بالنسبة إلى الجهل، فهو مصطلح يطبق على ما هو مفروض من العلم أن يتعلمه الفرد، ولكن يجهله، أو يعلم عنه القليل، أو يدّعي معرفة ما هو خلاف هذا العلم، وهذا الجهل المركب.
    ●- تعريف العلم، وأعلى مستويات العلم “المعرفة”.
    العلم نظام معرفيّ يهتمّ بالعالم المادي، والظواهر الخاصة به، حيث إنه ينطوي على تتبع المعرفة التي تزوّد بالحقائق، والقوانين الأساسية للأمور المختلفة، ويُبنى العلم على الملاحظة، والمراقبة، ومختلف التجارب المنهجية التي لا تنحاز لفكرة، أو قانون معين، ويمكن تعريف العلم أيضاً بأنه “اتباع منهج معين في دراسة طبيعة الأمور المادية بالاعتماد على القياس، والملاحظة، والتجارب المختلفة، ومن ثم التوصل إلى قوانين عامة تصف طبيعة الأمور التي تمت دراستها، وينطوي العلم أيضاً على دراسة السلوك البشري ويهتم بالعلوم الإنسانية، إلى جانب الأمور المادية، مثل علم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة، والتاريخ…الخ ولكل علم مادي، أو فروع العلوم الإنسانية لها مناهجها البحثية الخاصة، وأساليبها وأدواتها البحثية”.
    ‏كلمة باحث عظيمة، ولذلك ليس “كل من صف صواني صار حلواني”.
    ●- علاقة العلم بالمعرفة.
    ‏ إن مفهوم المعرفة ليس مرادفًا لمفهوم العلم، فالمعرفة شيء أوسع حدودًا، ومدلولًا، وأكثر شمولًا، وامتدادًا من العلم، والمعرفة في شمولها… نقل المعرفة‏
    ‏والمعرفة هي الوصف المطابق للواقع مع الدليل، أما الجهل، فهو، أن تعتقد شيئاً، وأن تتوهم شيئاً خلاف الواقع من هنا كان دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-:
    ((اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه))
    ●- علاقة العلم والمعرفة بالجهل:
    كما قلنا إن المعرفة هي الوصف المطابق للواقع مع الدليل. والجهل: وصف لا يطابق الواقع، الواقع شيء، والوصف شيء آخر، إذاً: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، لكن بعضهم قال: هو اعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه.
    أحياناً الجاهل يخترع شيئًا لا وجود له أصلاً، فأين الشيء؟ العلماء ردوا على هذا الاعتراض بأنه شيء في ذهنه.
    ●- المحور الأول: المصادرة الثقافية للجاهل.
    •- أولا: ثقافة الجاهل سمعيّة، أو نقل، وقص من الجوجل، أو وسائل إعلام لها سياساتها، دون تمحيص، وتفكير، وتحليل المنقول وأخطاره.
    إن الغالب على ثقافة الجاهل كونها سمعية، تعتمد على السماع من الأفواه دون التحقيق، والتمحيص والاطلاع على المعارف والأفكار ومصادر موثوقة عالميًا تعتمد عليها في بحث في فكرة، أو ظاهرة ما، دون البحث في الوصول إلى الحقائق، حيث يصل إليها فقط عبر سماعه من بني جنسه. فيكون كما قال الإمام علي رضي الله عنه: “العاقل يعمل بالدراية، والجاهل يعمل بالرواية”.
    وفي حديث له (ع): “همة العاقل الدراية وهمة الجاهل الرواية”.
    •- ثانيًا: العجب بالأسماء الكبيرة.
    ورد عن علي رضي الله عنه قوله: “الجاهل حقير، وإن كان شيخاً، والعالم كبير، وإن كان حدثاً”.
    •- ثالثًا: يثق الجاهل من دون تمحيص:
    كما قال عنه علي : “ست خصال تعرف في الجاهل، الغضب من غير شر، والعطية في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، ولا يعرف صديقه من عدوه”.
    •- رابعًا: يرى الجاهل علمه هو العلم.
    وتلك هي الطامة الكبرى التي لا يريد عندها الجاهل إصلاح جهله، وتغيير فهمه، كما قال رسول -الله صلى الله عليه وسلم-: “الجاهل يرى أن علمه فوق علم غيره”. وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: “وإن الجاهل من عدَّ نفسه بما جهل من معرفة العلم عالماً وبرأيه مكتفياً”.
    •- خامسًا: الجاهل يدّعي العلم بالأمور.
    ومن المصائب العظمى أن تتجمع القناعات الفردية، والحزبية للرجال، الملتقطة من جملة الأمور السماعة، والتقاط مفاهيم وكلماتً؛ لتتحول عنده إلى ثقافة أساسية، وعلم جم يبنى عليه الحياة. يتحدث عن العلمانية وهو لا يعرف عنها إلا كم جملة عامة، يتحدث عن الديمقراطية، ولا يعرف إلا مفاهيمها، وعنوانها العام، يتحدث عن الفلسفات، مثل الماركسية، ولا يعرف منها إلا مجموعة جمل عامة لا تفيد في شيء، يتحدث في الدين رغم محدودية معرفته، والأخطر يجتهد ويفتي من خلالها.
    ●- المحور الثاني: المعالم الرئيسية للسلوك الجاهل.
    •- ‏أولًا: التطرف.
    سلوك الجاهل يتميز بالتطرّف الدائم، إذا أحبَّ تطرَف، وإذا أبغض تطرَّف، وإذا نقل أمراً يحبّه كبَّره او رجل يميلُ اليه عظَّمهُ وإذا نَقل او نُقل أمامه امراً يبغضهُ صغّره، أو ذكر رجل لا يعجبه اسقطه من أعين الناس وأهانه.
    ‏•- ثانياً: يتباعد الجاهل عن أصحاب المعرفة والعلم.
    ‏الشخص الكافر الجاحد يكره المؤمن الخلوق، والشخص الفاسد الشاذ يكره الطيب الطاهر، وكذلك الجاهل الذي يعد الجهل علماً، يكره المعرفة والفكر الجاد.
    •- ‏ثالثاً: الجاهل يخطّئ مَن يخالفه.
    الجاهل يصر على أخطائه زاعماً أنها صواباً، ويرى في غيره الخطأ، فيجرؤ على تخطئة من يخالفه سواء كان عالماً كان أو متعلماً. ويحاول أن يخرج من الموضوع الى مواضيع أخرى لكيلا يعترف بخطئه.
    •- ‏ رابعاً: ينكر الشخص الجاهل ما لا يعرفه.
    إذا ورد على الشخص الجاهل أمر لا يعرفه فسرعان ما ينكره ويتنكّر له، ويعيبه ويستصغره وإذا سئل عن رجل لا يحبه أو لا يستسيغه، فإنه ينكره ويتنكر له ويتجاهله ويجهل الناس به.
    •- خامساً: الجاهل ينكر الحق دائما
    من عادة الجاهل الميل الى مثله، الهرب من أصحاب العلم والمعرفة وأصحاب الحق والحقيقة، فيكون أبرز مصداق لمنكر الحق، والسبب اعتياده النكران وثقافته الاستبدادية، وتربيته النفاق.. الجهل لا يمكن يكون ثورياً، مناصراً للحق وضد الظلم إلا وفق مصالحه الشخصية.
    •- ‏سادساً: الجاهل يعيب ما يجهل
    يقول الشخص المعرفي والمثقف، لا أعلم في كل ما يجهل، بينما الجاهل إذا سئل عن شخص أو شيء يجهله عابه وأنكره وذلك خوفا من الحقيقة، وهرباً من تبعات المسؤولية حيث إن: الحق ثقيل مر والباطل خفيف حلو.
    •- ‏سابعاً: الجاهل سريع الحكم بما يجهل.
    بناءً على الخصال السابقة فإنك لن تجد الجاهل مسارعاً في عمل الخير، ولا مسامحاً في المعاشرة. ولا إلى الإجابة عن دراية ولا إلى الحكم عن معرفة وعلم، بل سريع الحكم على الناس، شديد الهجوم على الشرفاء والصادقين، حتى يتمادى به الغي في سبابهم. وحتى يصل إلى طعن كل شخص لا يوافق جهلة ورغباته ومصالحه.
    وأخيراً أيها الإخوة الكرام، صدقوا حينما تعرف الحقيقة تركل بقدمك ألوف المعلومات الخاطئة، وألوف التصورات، ألوف الأوهام، والجاهل عدو نفسه، والجاهل يعيش في وهم، وأنا من أدعو في كل درس وكل يوم: اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
    أنصح اقرأ، ثم اقرأ وتعلم وزد معارفك الحقيقية، وامتلك ناصية العقل العلمي المعرفي.
    الجهل هو التقدم في الأمور المبهمة بغير علم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

شهادة حفّار القبور …

د. نور الدين اللباد شاعر ودبلوماسي سوري سابق في هزيع الليل و الناس …