أخبار عاجلة

الطريق إلى الإسلام-1 مع محمد أسد في رحلة الإيمان

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

هذا هو العنوان  الذي وضعه المترجم عفيف البعبلبكي لكتاب محمد أسد المعنون بالانجليزية “الطريق إلى مكة [1]The Road to Mecca” .  وقد وُفق المترجم في تعديل العنوان العربي، فواقع الكتاب أنه يسرد، ولو في سياق تفاصيل رحلة عبر الصحراء من قصر عثيمين على الحدود السعودية العراقية إلى مكة المكرمة، رحلة عقلية في ذهن الصحفي اليهودي ليوبولد فايس الذي التمس راحة من ضجيج الساحة الاوروبية الملأى بتصدعات اجتماعية فلسفية سياسية فكرية غداة الحرب (الدولية الأولى) المتوحشة التي خاضتها أوروبا . أوروبا التي ، في ختام القرن التاسع عشر وفي أوج التقدم العلمي الصناعي الذي رُوج له أنه يطرح الحلول الناجعة لمشاكل الانسان على صعيد الفرد والمجتمع بعد طي صفحة الدين جانبا، عاشت تحطم منظومة القيم الحضارية و الاجتماعية في ذروة الحرب الضروس التي كشفت عن هشاشة المجتمع الاوروبي والأسس الفكرية التي يرتكز عليها.

في عمر 22 سنة، وبعد محاولات عديدة للحصول على أجوبة مقنعة للأسئلة الوجودية التي تفرض نفسها على كل ذي لب :من أنا، ومن أين أتيت، وإلى أين أمضي، وما سر الكون والحياة والوجود، وكيف يصل المرء إلى تحقيق غاية الوجود في الحياة، وما السبيل لتحقيق السعادة للفرد و الجماعة على حد سواء، وهل يكمن الجواب في رياضة روحية فلسفية أم دينية أم ايديولوجية مادية علمانية وما شاكل، وما صحة مذهب “عبادة التقدم” في معبد العلم والصناعة والتقدم التقني التي راجت في المجتمع الاوروبي….كل هذه الأسئلة كانت تشتعل في ذهن الصحفي الشاب وهو في طريقه إلى القدس تلبية لدعوة تلقاها من خاله، وهو طبيب نفسي في احدى مستشفيات القدس لم يكن صهيونياً  ولا من أنصار الصهيونية كما يذكر أسد في كتابه. فجاءت هذه الدعوة لتقدم فرصة لفايس يبتعد فيها عن ضوضاء منابر أوروبا الثقافية والفكرية.

وحين شرع في رحلته تلك لم يدر في خلده مطلقا أن الإسلام ، الذي لم يكن يعرف عنه الكثير في حينه، يقدم الأجوبة الشافية لما اعتور في ذهنه من أسئلة مضنية. في خطواته الأولى نحو الشرق، على ظهر سفينة تعبر به مضيق البوسفور، يسرد أسد نقاشه مع “الأب فيليس” الذي عرض على الشاب الحائر الأجوبة التي تقدمها الكنيسة من عقدة “الخطيئة الأصلية” وضرورة طلب طهارة الروح بالترفع عن ثقل المادة الدنيوية، وأن على طالب الخلاص أن يلتمس الحل بالتضرع إلى الخالق، وهو جواب لم يقنع أسد الذي اعتبره مصادرة وتعطيل للعقل الحائر الذي لم يؤمن ابتداءً بالخالق فكيف يتضرع إليه!

وأول صدمة أدهشت أسد جاءت من عربي كان يرافقه السفر في القطار من الاسكندرية إلى فلسطين، حين توقف القطار في إحدى محطات الطريق وقام زميل السفر العربي بشراء كعكة من أحد الباعة، ولما التقت عيناه بعينيّ أسد لم يتردد في تقسيم الكعكة إلى نصفين مقدما نصفها إلى أسد أرفقها بالكلمة العربية “تفضل”..كان هذا المشهد حافزاً لعقل أسد للتفكير لفهم ما جرى، وما الذي دفع رجلا غريبا لم يلتقه إلا الان لمشاطرته الكعكة[2]…هذا التساؤل رافق أسد طوال السنوات القادمة وفي كل مشهد كان يعاينه من تصرفات العرب المسلمين كان يزيد فضوله لمعرفة الأسباب الكامنة وراء السلوك الاجتماعي والتي اكتشف أسد أنها تعكس مفاهيم العقيدة الإسلامية عند هؤلاء العرب..”وعندما أفكر الآن بذلك الحادث البسيط، يخيل إلي أن حبي كله للشخصية العربية في ما بعد قد تأثر به. ذلك أن في بادرة هذا البدوي الذي شعر، رغم جميع حواجز الغربة، بصداقة رفيق عابر له في السفر فقاسمه الخبز، نفحة من الإنسانية أحسست بها خالية من أي تصنع أو تكلف”( بتصرف 96) [3].

وهكذا توسعت رحلة الصحفي فايس الذهنية لاستكشاف عالم الإسلام ومفاهيمه الاجتماعية، والأجوبة التي يقدمها للأسئلة الحائرة في ذهن الصحفي الشاب.

في كتاب “الطريق إلى الإسلام” يقدم محمد أسد وصفاً تفصيلياً لما شاهده من حياة المسلمين في المنطقة الممتدة من ليبيا غربا،حيث قام يتنفيذ مهمة محاولة إقناع أسد الصحراء عمر المختار رحمه الله بالانسحاب من ليبيا قبل فوات الآوان بعد اشتداد محاصرة المستعمر الايطالي لقوات المجاهدين، إلى مصر والشام التي كانت تئن من وطأة تنفيذ سايكس بيكو وصولا إلى العراق وايران وأفغانستان و ختاماً في نجد والحجاز، حيث مكة المكرمة قبلة المسلمين، وبجوارها جبل عرفات الذي يشهد عرس الوحدة الإيمانية السنوي لحشود الحجيج القادمين من شتى أصقاع الدنيا تلبية لرب العالمين.

وفي ثنايا ما ترسمه ريشة أسد من تفاصيل دقيقة للمشهد الاجتماعي والفكري والثقافي تجعل القاريء ينتقل قرنا من الزمن لسويعات يعيش خلالها واقع المشهد. مع أن أسد يتحسر في ختام مقدمته للكتاب، الذي كتبه في 1953، أن هذا الواقع الذي يرسمه بتفاصيله قد تصدع وتغير تغيراً جذرياً إثر الطغيان الكاسح للحضارة الغربية على هذه البلاد والمجتمعات التي يصفها في سياق رحلته. “إن الجزيرة العربية التي سأرسم صورتها في الصفحات التالية قد زالت من عالم الوجود. لقد تحطمت عزلتها و وهويتها الحضارية تحت وطأة نهر قوي من النفط و ما جلبه من الذهب. لقد تلاشت بساطتها العظيمة، كما تلاشى معها الكثير مما كان ، بحق، نسيجاً حضارياً متميزاً. بهذا الشعور المؤلم الذي يشعر به المرء حين يفقد وللأبد شيئاً ثميناً، لا زلت أذكر ذلك الارتحال الطويل عبر الصحراء، عندما سرنا وسرنا، وكنا رجلين على هجينين، عبر الضياء الذي يغمرنا…” ( بتصرف21)[4]

هذا “الصراع الحضاري” تتردد أصداؤه في ثنايا الكتاب في أكثر من موضع، وتخوف أسد من التحديات الغربية التي تطرق أبواب مجتمعات المسلمين جعله يتساءل:”إلى متى يستطيع زيد وقومه أن يحتفظوا بتماسكهم الروحي في وجه الخطر الذي يُطبق عليهم بكثير من الخداع والمكر، وبصورة لا تعرف الرحمة أو اللين؟ نحن نعيش في زمن لم يعد الشرق يستطيع فيه أن يبقى ساكناً سلبياً في وجه الغرب الآخذ بالإطباق عليه. إن آلافاً من القوى -السياسية والاجتماعية والاقتصادية- تطرق أبواب العالم الإسلامي، فهل يخضع هذا العالم ويستسلم إلى حضارة الغرب ويفقد خلال التفاعل، ليس تقاليده فحسب بل جذوره الروحية أيضا؟”(116 بتصرف)[5]


[1] تعتمد هذه القراءة على الكتاب الصادر عن دار العلم للملايين، الطريق إلى الإسلام، ترجمة عفيف البعبلبكي، بيروت، الطبعة الثامنة ، 1994، وعلى النسخة الانجليزية The Road to Makkah, Islamic Book Service, New Delhi, 1994.علما أن محمد أسد،(1900-1992) رحمه الله، صنف عددا من المصنفات الأخرى التي عالجت عددا من الموضوعات المهمة منها “منهج الإسلام في الحكم”، و “رسالة القرآن الكريم” وهو تفسير للقرآن الكريم  باللغة الانجليزية، ولكن نُعرض عنها في هذه القراءة، ولعلنا مع قابل الأيام نستعرضها في مقالات منفصلة بعون الله سبحانه.

[2] مكثت زمناً في كندا، وكان لي جار في السكن التقيه كل صباح،كل منا  في طريقه إلى موقف السيارات للذهاب إلى العمل، وكنا نكتفي بتحية الصباح المعتادة خلال فترة الدقيقة السريعة؛ وذات يوم ، وكنت أحمل في يدي فنجان قهوة، اقتربت منه فبادرني بالقول:”هل تريد أن تعزمني إلى فنجان قهوة” هو القى الكلمة مازحاً، ولكنه فوجيء بجوابي:”نعم أريد أن أعزمك إلى فنجان قهوة”، هنا ارتبك الرجل الذي لم يتوقع هذ الجواب، فقال ولكني مشغول اليوم قلت لا بأس ، نحدد وقتاً مناسباً، أنا اسمي عثمان، فقال وأنا اسمي مارك، ولم أكن أعرف اسمه حتى ساعتئذ، وكانت تعابير وجهه تكشف الارتباك الكبير لديه، ثم افترقنا…بعد أيام أخر التقينا فسألني:” هل هناك أمر ما (تريد بحثه) وراء الدعوة إلى القهوة؟” فأجبته:”كلا، لا شيء، سوى أن نتعارف ،نحن جيران وهذه فرصة للالتقاء والتعارف”، فهز برأسه وقال حسناً، وكانت هذه نهاية الدعوة وعدم التلبية!!

[3]  لقد قام المترجم بعمل يحمد عليه في نقل معاني الأصل الانجليزي إلى اللغة العربية، ومع ذلك أجد في بعض المواطن من النص ما يتطلب تعبيراً أفضل، في هذه الحال سأذكر أني “تصرفت” في النقل، أي أجريت بعض التعديل من قبلي، سيتضح للقاريء فور عودته إلى نص الكتاب.

[4]  الضمير في “سرنا” يعود إلى أسد و صاحبه في السفر زيد الذي يتكرر ذكره في تفاصيل الرحلة الصحراوية من قصر عثيمين على الحدود العراقية السعودية إلى مكة المكرمة.

[5] لا يخفى على القاريء أن هذا السؤال ما زال مطروحا بقوة أمامنا اليوم، بل أكثر إلحاحاً من قرنٍ مضى، في زمن ثورة الاتصالات الالكترونية التي اختصرت عامل الزمن، و حطمت موانع و فواصل الجغرافيا، ولم تبقَ إلا جدران المناعة الذاتية القائمة على الوعي الدقيق على رسالة الإسلام من جهة و على فهم واقع التحديات المعاصرة…وهذه الجدران يعمل الغرب بكل قواه  وبكل السبل على تحطيمها منذ غزو نابليون لمصر، يساعده في ذلك جهل كثير من المسلمين بواقع الصراع الدائر.  وأنا أرى أن كتاب أسد بما يتضمنه من سرد نقدي للحضارة الغربية و عرض لأسس الحضارة الإسلامية جدير بالقراءة العميقة والنقاش الجاد يساعد في الاجابة على هذا السؤال.الأمس جرى حديث بيني وبين طبيبٍ متمرس وكان مما ذكره الطبيب أنه يعرف كثيراً من الأبناء ضاعوا في خضم تأثير “التلفون-المربي” عليهم، رغم ما يعرفه هو من صلاح آبائهم وشدة حرصهم على الالتزام بأحكام الدين! ولكن واقع الأمر الآن وانتشار ثقافة “التلفون-المربي” قوّض حرص الآباء من حيث يشعرون أو لا يشعرون! وليس هذا بدعاً من القول فقد عاينت بنفسي الآثار المدمرة لانتشار صحون الفضائيات، و اكتساح عالم الانترنت لكل زاوية في حياة الأفراد حتى في قري الريف القاصي، مما هدم الحواجز التقليدية التي كانت من قبل كفيلة بصياغة شخصية الأجيال الناشئة.والحديث في هذا ذو شجون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العاهل الأردني وإيزنهاور وملءفراغ القوة!

جهاد الأسمر كاتب ومحامٍ سوري. التاريخ السياسي للمنطقة العربية يعيد نفسه،وذلك من خلال …