أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / حيادية الدولة بين النفاق والاقصاء

حيادية الدولة بين النفاق والاقصاء

المحامي عبد الناصر حوشان

عرض مقالات الكاتب


انتشر مفهوم حيادية الدولة في أوساط المعارضة والثورة السورية، ويتم العمل على ترويجه من خلال ورشات العمل، والندوات التي تقوم بها بعض مراكز الدراسات و المنظمات، و مؤخراً إنشغلت به غرف السوريين على منصة ” كلوب هاوس ” ، و تفرعت النقاشات حول مفاهيم العلمانية والدين وعلاقتهما بالدولة ، و قد تساءل بعض الأصدقاء من روّاد تلك المنصة عن ماهية هذا المفهوم و أبعاده ، الامر الذي اقتضى منا بيان ذلك في اجتهاد منا يحتمل الخطأ قبل احتمال الصواب ،ولكي نفهم مدلولات العنوان يجب تحليله ومعرفة معنى كل مصطلح ودلالاته ” حياد و دولة ” .
الحياد لغة: عدَمُ الميْل إِلى أي طرفٍ من أَطرافِ الخُصومة.
الحِياد السِّياسيّ: “السياسة ” مذهب سياسيّ يقوم على عدم الانحياز إلى كتلة سياسيّة من الكتل المتصارعة في الميدان السِّياسيّ.
الدَّوْلَةُ لغة: جمع كبير من الأفراد، يَقْطن بصِفة دائمة إقليمًا معيَّنًا، ويتمتع بالشخصية المعنوية وبنظام حكومي وبالاستقلال السياسي.
الدولة اصطلاحا: هي شخص معنوي يمثل قانوناً مجموعة من الأفراد يقطنون أرضاً معينة، وبيده مقاليد السلطة العامة، ومن هذا التعريف يمكن القول إن هناك ثلاثة عناصر لابد من توافرها لوجود دولة ما” شعب، إقليم، السلطة الحاكمة “.
السلطة الحاكمة: إن وجود السلطة الحاكمة ضرورة للإشراف على الإقليم ومن يقطنونه، تمارس سلطاتها باسم الدولة، إن فكرة الدولة توحي أولاً وقبل كل شيء بفكرة السلطة العامة العاملة والمنظمة، وإن وجود السلطة يتحقق حين ينقسم أفراد المجتمع إلى فئتين، فئة قوية تحكم أياً كانت مظاهر قوتها، وفئة أخرى محكومة تخضع وتتطلع، وبهذا وحده تتحول الجماعة إلى مجتمع منظم، تسيطر عليه فكرة القانون الملزم، وتتحقق فيه فكرة الصالح العام، ويتم بها التصالح بين الغرائز الفردية والغرائز الاجتماعية في الإنسان.
وحيث أن السلطة السياسية هي ظاهرة اجتماعية و نفسية وقانونية ” نظام جماعي، يقوم على الرضا ،يجمعه الصالح العام ” يُحدد أهداف الأفراد وآمالهم المستقبلية، الامر الذي يوجب وجود نصوص وقواعد قانونية آمرة ملزمة تضمن حماية الصالح العام مُعلنة ورسمية ، و وجود قوة تسهر على تنفيذها وحمايتها ضد كل محاولة للخروج عليها من جانب الأفراد ، ومن هنا انبثقت وظائف الدولة الأساسية ومن ابرزها ” تأسيس جيش لحماية مصالح الدولة والافراد و حفظ الامن والنظام وتحقيق العدالة و تنظيم القضاء وإنشاء محاكم و رعاية العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى و تمويل مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية و اصدار العملة ” ، و وظائف الخدمات ” التعليمية والثقافية ، الرعاية الصحية ، المواصلات ، خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي ، إنشاء موانئ وبناء المطارات ، الاتصالات السلكية واللا سلكية “.
إن إفتراض العلمانيون بأن الدولة ضحية الصراع بين العلمانية والدين هو الدافع وراء المطالبة بتحييد الدولة عن الصراع الأيديولوجي، افتراض خاطيء، لأنه يفرغ مفهوم الدولة من محتواه، لأن ذلك يفترض بها التخلي عن وظائفها الأساسية وعن وظائف الخدمات. فيا ترى ما هو موقف الدولة من الخلافات أو الصراعات بين الفقهاء وعلماء الدين وبين الطوائف والمذاهب والجماعات المتناحرة باسم الدين، أو باسم العلمانية والديموقراطية أو اليمين واليسار؟ ومن سيفصل في هذه الخلافات أو يضبط هذه الصراعات.
الصراع الأيديولوجي ليس حبيس العقول والنفوس حتى يمكننا المطالبة بحيادية الدولة اتجاهه، بل تمتد أدواته وآثاره لتشمل كل مناحي حياة الافراد ” السياسية، الدستورية، القانونية، الدينية، الفكرية، الثقافية، الاقتصادية ….”
وحيث أن الدين ” شعائر وطقوس وشرائع “، لذلك لا يمكن القول بأن الدولة تحترم الدين إذا اقتصر هذا الاحترام على ضمان حرية أداء الشعائر والطقوس دون احترام الشرائع، وهذا لا يفقد الدولة حيادتيها فحسب و إنما يحوّلها الى سلطة معتدية على حق حرية الافراد والجماعات في الاعتقاد ، فالسماح ببناء المساجد للمسلمين أو الكنائس للمسيحيين مظهرا من مظاهر احترام حريّة الاعتقاد ولكن منع هؤلاء من الاحتكام الى شرائعهم في احوالهم الشخصية و المدنية يّفرّغ هذا الحق من مضمونه لأن حرية الاعتقاد تعني حرية الفرد في اختيار عقيدته و حقّه بالاحتكام اليها كتشريع ينظم حياته .
وإن الدعوة الى قصر دور القانون على حماية الإنسان، دون تنظيم حياته، دعوة غير منطقية من الناحية القانونية لآن العلاقات غير المنظّمة ستنتج حتماً فوضى غير منضمّة وهذا يتنافى مع المفهوم الفقهي والقانوني للغاية من التشريع في تنظيم العلاقات والفصل في الخلافات والقضاء في الخصومات.
كما أن الادعاء بأن الانتماء إلى مجموعة دينية ما هو اختيار فردي، لا انتماء وراثي، وأن حرية الفرد وحرية المجموعات الدينية واللادينية أيضًا بالدعوة لأفكارها حريّة مطلقة يتعارض مع نصوص العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والذي يُعتبر المرجعية القانونية الدولية لدعاة حقوق الانسان، وخاصة المادة 18 منه التي قيّدت هذا الحق بعدة قيود حيث نصّت على أن ” لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة ، لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية ،. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة “. ومن هنا وجد حق الدول في التحفظ على النصوص التي تتعارض مع قوانينها وشرائعها الداخلية.
كما أن فكرة إبعاد المؤسسات والأحزاب الدينية عن العمل السياسي، و تقييدها بعدم تجاوز الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فكرة قائمة على تفسيرات خاطئة و تأويلات لا تستند الى معايير قانونية أو أصولية منضبطة في فهم النصوص الدينية ، إذ أن اغلب الداعين لذلك يخلطون عمداً أو جهلاً بين المفاهيم الدينية كشرائع سماوية تحكم علاقات معتنقيها فيما بينهم وبين ربِّهم و في علاقاتهم فيما بين بعضهم بعضاً ، و بين المفاهيم القانونية الوضعية ، فهذه المفاهيم تختلف و تتباين فيما بينها في بعض الوجوه وتتعارض في وجوه أخرى سواء من حيث طبيعتها و دلالاتها و آثارها و قوتها و إلزاميتها ، لذلك لا يمكن التوفيق بينهما ، و أن أي محاولة لتحويل المفهوم الديني الى مفهوم وضعي , أو تحويل المفهوم الوضعي الى مفهوم ديني مقدّس ” سيُنتج مفاهيم شاذّة لا يعوّل عليها في التوافق على دستور او تشريع او قانون ، لأنها ستصطدم بالواقع عند التطبيق . وفي إعلاء الشرعة الدولية لحقوق الانسان على الدستور والقانون الوطني انتهاك لمبدأ السيادة الوطنية، ومصادرة لحق الدولة بالتحفظ او عدم الانضمام الى هذه الاتفاقيات الدولية.
الخلط بين الحرية الدينية و العدالة الاجتماعية و الخلط بين الدين كمصدر للتشريع و بين مفهوم الدولة الدينية ” الحكم بموجب الحق الإلهي المقدس ” و التأسيس على ذلك للدعوة لحياد الدولة واستبعاد النص الدستوري الناظم لشرعية القوانين والرقابة عليها في بلد متعدد الأعراق و الطوائف والمذاهب والأديان وترك الامر لكل ملة ونحلة ان تسنّ تشريعاتها و قوانينها الخاصة ، أو ترك الحرية للفرد في اختيار القانون الذي يرغب في الاحتكام إليه ، سيعطّل الهدف من القانون و الدستور والذي يتجلى بتنظيم علاقات الافراد والجماعات فيما بينهم وعلاقاتهم مع الدولة ، و يحوّل الالتزام القانوني الى حرية شخصية ، مما يسقط عنها صفة الالزام وهي جوهر القواعد الآمرة التي تحفظ و تحمي النظام العام ،وحيث أن الدولة والأمة و سيادتها وسلطتها العامة من الناحية القانونية هي المظهر القانوني للسيادة الشعبية ومنه تستمد الدولة الأهلية القانونية التي تفرض ضرورة التسليم لها بقدرات مستقلة تمكنها من إتيان التصرفات القانونية المختلفة، كالاتفاقات والعقود وتصرفات الإرادة المنفردة بما يحقق مصلحة الجماعة ،
لذلك لا يمكن تصوّر أو قبول أية دعوة لتجريد الدولة من السلطة التي تُمكِّنها من القيام بواجبها في إدارة العلاقات وتنظيمها، وإن عدالة الدولة لا تأتي من حياديتها بل تأتي من خلال التوزيع العادل للحقوق والواجبات، وتحقيق المساواة للجميع أمام الدستور والقانون , وتوفير العدالة الاجتماعية , وللأسف أن هذه الدعوات تُعبِّر عن نفاق بعض و أُوكِّدْ على كلمة بعض العلمانيين السوريين الذي يتجلى في تبرير حرمان الأقليات الإسلامية في الدول العلمانية من حقهم في المساواة في الحقوق والحريّات ومنها الاحتكام الى شرائعهم فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية، و عن نهجهم الإقصائي الذي يتجلى من خلال دعوتهم الى مساواة الأقليات مع الأكثرية في الدول الإسلامية وفرض حيادية الدولة لتمرير هذا الأمر ” .
المحامي عبد الناصر حوشان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قيود الإيديولوجيا – رؤية نقدية –

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …