أخبار عاجلة
الرئيسية / سياسة / أمريكا بين إدارتين

أمريكا بين إدارتين

د. صلاح قيراطة

كاتب وباحث سياسي
عرض مقالات الكاتب

ما من شك أن من يحكم امريكا ليس الرئيس ولا إدارته، بل دولة عميقة هي من يخطط ويضع الخطوط العامة للسياسات في سياقاتها الاستراتيجية، ويكون دور الإدارة بكل مفاصلها ربما وضع الصيغ التنفيذية، مع ظهور ما لكاريزمية الرئيس الذي غالبا ماينتقي كوادر إدارته ممن يتلاقى معهم في الطباع وانماط التفكير …

لكن الذي لا أشك فيه أن الدولة العميقة كانت قد فقدت بعضاً من السيطرة ومعها التحكم والتوجيه على ( ترامب ) لتظهر كاريزميته الطاغية التي نمّت عن سلوك استعراضي اقرب للتهريج ( ربما ) فلطالما عايشنا تغريداته الأكثر من يومية في قضايا عالمية مفصلية لايجوز التعاطي معها بالطريقة الهزلية، وكذلك فقد تعايشنا مع التناقضات في التصريحات والمواقف( المعلنة ) لاهم اركان الإدارة إبان حكمه كوزير الخارجية والدفاع والامن القومي، فكنا نرى اربع اراء ومنها طبعا راي ( ترامب ) ازاء قضية بعينها، طبعا اذا تركنا عدد الاقالات والاستقالات التي شكلت الكادر الرئيسي للادارة ولشاغلي الوزرات الذين أشرت اليهم أعلاه ومعهم مستشار الأمن القومي…

شخصياً :
كنت جنحت إبان إدارة ترامب لأقول أن تعدد الآراء وتضاربها احيانا إنما شكل ( كنّه ) الادارة والغاية إرباك الطرف المستهدف بأي من القرارات الامريكية، بحيث تنعدم لديه امكانية الإمساك بواجبات الحيطة والحذر ازاء مايمكن أن يكون لاحقا من تصرف امريكي، لكن للأمانة فقد نفذ ترامب معظم وعوده الانتخابية، وكذا فقد أظهر عصيانا للدولة العيقة، وهو ما اوصل ( بايدن ) إلى البيت الابيض وهنا أقف شخصيًا مليا عند رسالته التي تركها لخلفه وهي رسالة تقليدية يتركها الرئيس السابق للرئيس اللاحق وهي طقس من الطقوس المرعية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاء في رسالة ( ترامب ) الذي لم يستقبل ( بايدن ) كماجرت العادة في تاريخ تولي الرئاسة الامريكية ( نعم ) لقد جاء في نص الرسالة وهي من عدة كلمات لاكما هو معتاد ومألوف ( جو انت تعلم اني فزت بالانتخابات )…

سأمرر الرسالة بلا تعليق، لأمضي إلى غايتي وماهو عميق، لاؤكد اننا فعلا واقله من خلال جولة ( بايدن ) الاولى عالميا، أمام تطبيق ماكان قد ردده كشعار وهو ( أميركا عادت ) الذي ما فتيء يردده حتى خلال جولته الخارجية الأولى الأخيرة، وكذا منذ وصوله للبيت الأبيض، فقد تمكنت الولايات المتحدة من العودة للساحة الدولية من خلال استعادة دورها كدولة ( محورية ) محددة للأجندة العالمية، لكن هذه المرة كانت الرؤية الامريكية أيضا بما يحمل معنى ( الكنه ) كان التحرك يحمل أفكارا وممارسات عنوانها العريض هو تشجيع التعاون وردع الأنشطة الخبيثة، وبذا كنا امام لهجة اقرب لأن تكون ( تصالحية ) بدل من ان تكون ( تصادمية ) رغم أن ( بايدن ) كان قد استخدم تصريحات ربما تجاوزت حد الصدام وذلك في اطار التمهيد للقائه برئيسي ( روسيا ) الذي وصفه بالقاتل، و ( تركيا ) التي صفعه بالاعتراف ( بالمذبحة الأرمنية )، وهنا ذروة مايمكن ان اوصفه ( الاستطلاع بالقوة )…

اجمالاً :
علينا الاقرار ان النفوذ الأميركي في العالم لطالما اعتمد على مزيج من القوة ووضوح الهدف، وقد توجه الرئيس بايدن خلال جولته الأوروبية الأخيرة مزهوا بإنجازين مهمين، أولهما النجاح في رهان التطعيمات حيث باتت أميركا الآن أول دولة كبرى تدخل عالم ما بعد الوباء، وثانيهما إقرار مشروع قانون إنعاش ضخم سيعيد للاقتصاد الأميركي عافيته….
وهنا :
يبرز سؤالا فارضًا نفسه وهو :
هل الازدهار وحده يكفي لتصدر العالم والتربع على سدة العالم ؟
الوقائع المتعلقة بالولايات المتحدة الامريكية تعلمنا أنها خير من لعب سياسة في العالم مرتكزة على قوة عظمى ( اقتصادية ) أولا و ( عسكرية ) ثانيا ومن خلال مزيجها قادت ولا زالت تقود العالم…

للعلم :
لما انهار الاتحاد السوفييتي كان يملك من العتاد العسكري وضمنا النووي بما في ذلك الصواريخ العابرة أكثر مما تملكه الولايات المتحدة الامريكية، لكنه اي الاتحاد السوفييتي كان منهكًا اقتصاديا، ومعلوم هنا ان الاتحاد السوفييتي عاش بحالة حرب خوفا من الحرب وهذا بحد ذاته حمل بطياته عوامل انفراط عقده وضياع المنظومة الاشتراكية…

على اي حال فقد قاد فريق بايدن جولته الأخيرة من خلال التركيز على القضايا الكبرى التي تحظى بالاتفاق بين الحلفاء، وهي تعزيز العلاقات بين دول العالم الحر ومكافحة التغير المناخي وردع العدوان الروسي بأشكال متعددة والاستعداد لمجابهة التحدي الصيني، وهذا ماكان بعيداً كل البعد عن نهج ترامب الذي كان مسرورا بتشويه سمعة حلف شمال الأطلسي وأعضائه…

كما تعامل ( بايدن ) مع نظيره الروسي بمهارة وحرفية مما دفع ( بوتين ) لان يصفه بأنه ( رجل دولة يتمتع بخبرة كبيرة ) ورجل ( متوازن ومحترف )، على عكس تعليقاته السابقة حول كون ترامب ( شخصا متلونا ) يتخذ قراراته باندفاع…

هنا :
علينا ان نقر بأنه ورغم أن سلوك ترامب كان وديًا تجاه بوتين، الا انه وبلا شك اقصد الرئيس الروسي يدرك أنه من الأفضل أن يكون أمامه رئيس أميركي هادئ وعقلاني بدلا من ( رجل استعراض )لا يمكن التنبؤ بمواقفه وسلوكياته وكذا ردود أفعاله، ومن هذه الزاوية كان أداء ( بايدن ) المرتكز على انه لا ينبغي أن يكون العداء المستمر بمثابة هدف لواشنطن نحو روسيا، لذا راينا التوجه للبحث عن نوع من العلاقة المستقرة التي يمكن من خلالها مناقشة المشكلات وإدارتها والتفاوض بشأنها…

استطراداً اقول :
أن رحلة بايدن الأخيرة كانت ذات أهداف واقعية وتم تحقيق معظمها، حيث بات العالم ينظر للولايات المتحدة مجددًا على أنها ( قوة بناءة ) لكن الصورة ليست وردية تماما، فما يزال أحد جوانب القوة الأميركية متضائلا بشكل كبير، وهو النظر لأميركا باعتبارها منارة للديمقراطية…

فقد أظهر استطلاع للرأي نظمته إحدى الجهات المختصة أن ٥٧ ٪ ممن استطلعت اراؤهم في عدد من دول العالم، انهم لم يعودوا يعتبرون الولايات المتحدة نموذجا يحتذى للديمقراطية كما كانت سابقًا، ويزداد هذا الشك في جدوى وقيمة المؤسسات الديمقراطية الأميركية عالميا بخاصة في صفوف الشباب…
فهناك من يرى :
أن الأمور في أمريكا الآن أسوأ مما كانت عليه خلال أزمات سابقة، فمثلا وفي أعقاب فضيحة ووترغيت عام ١٩٦٨ واجهت الإدارة الجمهورية الحدث الاهم وقتها بما جسد قدرة البلاد على تصحيح مسارها، فقط تصوروا لو أن الحزب الجمهوري آنذاك أصر بعد الفضيحة، بدلًا من إدانة ( نيكسون )، ولنتخيل أيضا أن الأشخاص الوحيدين الذين قمعهم واستبعدهم الحزب هم أولئك الذين انتقدوا الرئيس نيكسون…
إن هذا المثال يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن تراجع الديمقراطية الأميركية بعد ٤ سنوات من حكم ترامب بات ( امرا حقيقيا )وليس مجرد خطأ في التشخيص، ولا أظن هنا انه لنا أن نقول إن ( أميركا عادت )، فلايزال أمام ( بايدن ) سيل من الجهود لترميم ما أفسده زمن أمريكا خلال الفترة الماضية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الوعي التونسي!

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي تتمتع تونس بوعي نسبي مقارنة …