أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / الثقافة بين النوع والكم

الثقافة بين النوع والكم

صالح موسى الحمزة

محام وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

تشبه ثقافة الفيس بوك بيئة الطعام التي نشأت فيها إلى حد التوأمة ، فهي وليدة ثقافة الهمبرغر والهوت دوغ وكنتاكي ….. وجبات سريعة ومكونات مشبوهة تعطيك شبعا وهميا وترفع نسبة الكوليسترول والسكر في دمك وتضاف إلى قائمة المدمنين عليها دون أن تدري .

المتابع العادي على صفحات الفيس يصاب بالإحباط و الإكتئاب لمجرد زيادة المنشور عن ثلاثة أسطر تعودت زاوية النظر في عينيه على رؤية المساحة المعرفية في قالب الوجبات السريعة المضغوطة بورقة سوليفان مقرمش ضمن صحن كرتوني صغير بألوان حمراء وبرتقالية مدروسة بعناية لزيادة ضخ اللعاب وفتح الشهية إلى جانب علبة البيبسي ، فالهمبرغر مرتبط عندهم بالبيبسي ولا ينفع معه اللبن أو الماء أو الشاي . البيبسي فقط وهي هدية مجانية مع الوجبة والبشر عموما يحبون الأشياء المجانية لأنها تحرك فيهم الحنين إلى نوازع الطفولة وعشق الهدايا .

بالمقابل هناك فئة أخرى تعودت على الوجبات الدسمة فلا يملأ فكرها النهم إلا تلك المقالات المطولة التي تنقلهم إلى زمن المجلة أو عمود الصحيفة ، هؤلاء القوم هم أنفسهم الذواقين محبي الثريد والمناسف والأكل البطيء المتوزع على أماكن حليمات الذوق في اللسان .

الأكل السريع يسبب لهم متلازمة الكولون العصبي والإرتجاع المريئي و تحتاج اللقمة لديهم في الفم زمنا من العذاب ما بين الطحن والعجن حتى تتفلت هاربة الى المعدة .

في ما مضى يتفاخر أحدنا أمام أقرانه بأنه يحفظ مائة بيت من شعر المتنبي أو إحدى معلقات الشعر الجاهلي ويعرف كل عواصم الدول ويقرأ في كل اسبوع رواية و أعداد مجلة العربي كلها عنده وقد يضطر لشراء العدد الناقص منها بسعر يفوق ثمنها بثلاث مرات المهم أن لا تنقص مجموعته عددا واحدا ، كانت الفترة الذهبية لعصر الكتب و المكتبات وكان الكتاب أفضل هدية يقدم لمن نجى من حادث السيارة أو أنجبت زوجته بنتا أو أستأجر منزلا على أطراف المدينة .

أصبح وجود الكتاب في المنزل جزءا أساسيا من الأثاث والديكور وقلما تجد بيتا إلا وفيه رف صغير إستندت عليه بعض الكتب والقصص بفخر وكبرياء متصدرة واجهة الغرفة أو زاويتها .
وحملك للكتاب أو المجلة في الشارع أو في باص البلدية يعطي لشخصيتك قيمة مضافة و خاصة اذا كنت ترتدي نظارات طبية .

في زمن الإنترنت أصبح الكتاب موضة قديمة كموضة قبة القميص العالية والشارب الغليظ المتدلي فوق الفم وبنطال الشلصتو مع حذاء رعاة البقر .
بلمسة لطيفة على جهاز الجوال خاصتك يصبح بين يديك ملايين الكتب بصيغة PDF وأي معلومة تبحث عنها تأتيك قبل أن يرتد إليك طرفك أو تقوم من مكانك .
لاشك أننا اليوم نعيش زمن العلم والمعرفة بأبهى تجلياتها ويختصر عليك الإنترنيت الوقت و البحث والمال ، أي مدرس وفي أي مادة أو صنعة ما تحتاجه تجده بثواني معدودة منتصبا أمامك يشرح لك ما تريد وبالطريقة التي تريد وإن لم يرق لك شكل المدرس او تسريحة شعره تستبدله بآخر أكثر وسامة .

يعلمك الإنترنيت اليوم كيف تغتال رئيس الدولة وكيف تختطف طائرة بوينغ 777 تربل سفن مع ركابها البالغ عددهم 283 و كيف تصنع قنبلة شديدة الإنفجار بمواد أولية موجودة في مطبخك من الطحين والفلفل وكلور التنظيف .

العالم اليوم يعيش خطر إنتشار المعرفة العشوائية بهذا الكم الهائل المخيف ويقف متأرجحا عند حافة الإنفجار بسبب هذا السيل الجارف من المعلومات السهلة و المجانية التي باتت تهدد وجود البشر وأمنهم هذه التقنيات صنعت في البداية لأهداف إستخباراتية دولية بحتة وعندما فضحت أسرارها وأضمحلت أهميتها طرحت في الأسواق كسلعة إقتصادية تدر شلالات من المليارات على مستثمريها إلى درجة الإختناق وأصبحت في متناول العامة مع المحافظة على خاصيتها الاستخباراتية الأساسية لكنها تحولت من التجسس على الدول إلى التجسس على الأفراد ، أذكر مرة أني كنت أتحدث للأهل عن رغبتي بشراء التين المجفف و عندما فتحت صفحة الفيس ظهر بوجهي إعلان عن أفضل أماكن تواجد التين المجفف قريبا مني وحدثت صديقي مرة عن رغبتي في شراء سيارة ألمانية فتحولت صفحة الفيس بوك لدي إلى كراج للسيارات الألمانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القول الصحيح في وسائل الإعلام سلسلة مقالات تهدف إلى تقويم اللسان وتصحيح الأخطاء الشائعة في وسائل الإعلام 40

نصير محمد إعلامي وباحث في اللغة العربية. من أخطاء الترجمة تغطية coverage يطرق …