أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / عوامل سقوط الأرض المقدَّسة في أيدي الاحتلال: رؤية معاصرة 6 من 7

عوامل سقوط الأرض المقدَّسة في أيدي الاحتلال: رؤية معاصرة 6 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

حُلم “سوريا الكبرى” ودوره في نكبة فلسطين

لم يعد من الشَّائع، على الأقل بين المؤرّخين المتخصّصين في دراسة منطقة الشَّرق الأوسط، أنَّ احتلال فلسطين بعد تهجير سُكَّانها ثمرة انتصار الجيش الصُّهيوني في مواجهة العدوان العربي الرَّافض للوجود اليهودي في الأرض المقدَّسة، ولو في مساحة محدودة تشكّل وطنهم القومي. فقد أثبتت الوثائق التَّاريخيَّة الإسرائيليَّة أنَّ هزيمة الجيوش العربيَّة في حرب 1948م كانت نتيجة مفاوضات وتفاهمات دارت بين زعماء الحركة الصُّهيونيَّة وبعض الزَّعماء العرب، وعلى رأسهم عبد الله بن الحسين، حاكم الأردن، الَّذي كوَّن علاقات سريَّة مع الصَّهاينة تحت مبرّر التَّعاون الاقتصادي والتّقني، بينما كان هدفه الحقيقي توسيع مساحة أراضيه، لتضمَّ إلى الأردن القسم العربي من فلسطين وسوريا ولبنان، في مشروع عُرف بـ “سوريا الكبرى”. وبرغم ما قدَّمه بن الحسين من تنازلات، سواءً بالموافقة على تأسيس دولة يهوديَّة في فلسطين بل وتقديم الأراضي العربيَّة لليهود خدمةً لذلك الهدف، لم يُعطَ مؤسّس دولة الأردن سُؤله، ولم يُنفَّذ مشروعه التَّوسُّعي، بل إنَّ ضمَّ الضَّفَّة الغربيَّة إلى أراضيه لم يصمد طويلًا، وكانت نهايته مع حرب 5 يونيو 1967م. ويناقش جوشوا لانديس، المؤرّخ الأمريكي وأستاذ دراسات الشَّرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما الأمريكيَّة، في دراسة يضمُّها كتاب حرب فلسطين: إعادة كتابة تاريخ 1948 (2001م)، عنوانها “Syria and the Palestine War: fighting King Abdullah’s ((Greater Syria Plan))-سوريا وحرب فلسطين: القتال ضدَّ ((مخطط سوريا الكبرى)) لصاحبه الملك عبد الله”، موقف الحُكَّام العرب المعنيين، وبخاصَّة الرَّئيس السُّوري، من مخطط عبد الله، وما شكَّله من خطورة على النّظام القائم وقتها.

يعتقد لانديس أنَّ القتال من أجل إنقاذ فلسطين من الاحتلال اليهودي كان آخر همّ الجيوش العربيَّة في حرب 1948م، معتبرًا أنَّ “الشَّغل الشَّاغل للدُّول العربيَّة” كان “صراعاتها الدَّاخليَّة”؛ فالقتال كان بشأن “توازن القوى في المنطقة”، وليس “تدمير الدَّولة اليهوديَّة” (ص183). بعد تسرُّب الأنباء عن اجتماع عبد الله بن الحسين بقيادات من الوكالة اليهوديَّة، على رأسهم جولدا مائير، وعرضه مخطَّط سوريا الكبرى، بدأ الرَّئيس السُّوري شكري القوتلي (1943-1949م/1955-1958م) يشعر بخطورة تعاظُم قوَّة الأردن في المنطقة، وقد شاركه كلٌّ من ملكي مصر والسَّعوديَّة في ذلك الشُّعور، وإن كان الخطر الأكبر يواجه سوريا حينها، خاصَّة مع عدم ولاء الجيش للرَّئيس، وتواطؤ العاهل الأردني مع بريطانيا والحركة الصُّهيونيَّة، بل واصطفاف قبائل الدُّروز في سوريا مع عبد الله بن الحسين وحثّهم إيَّاه تنفيذ مخطَّط سوريا الكبرى. كما سبقت الإشارة، لم يمس اليهود البلدات والقرى ذات الأغلبيَّة الدُّرزيَّة خلال حملة التَّهجير القسري المصاحبة لحرب 1948م، وقد دأب الدُّروز على عقْد تحالفات سريَّة مع الاحتلالين البريطاني واليهودي ضدَّ المسلمين من أهل الشَّام، ما يعكس دور التَّقارب العقدي بين غير المسلمين في تحريك دفَّة السّياسة. وكان عبد الله بن الحسين قد وعَد الدُّروز في سوريا ولبنان بتوحيد مناطقهم ومنحْهم الاستقلال داخل سوريا الكبرى، في حال ساعدوه في تأسيسها، وكان من بين قادة الجيش السُّوري من يساندون مشروعه التَّوسُّعي على حساب الجمهوريَّة السُّوريَّة.

سارَع شكري القوتلي بتشكيل تحالُف عسكري مع مصر والسَّعوديَّة بهدف إحباط مخطَّط الهاشميين، وذلك بعد فوز المرشَّحين المناصرين للمخطَّط في انتخابات البرلمان السُّوري بأغلبيَّة ساحقة. قرَّر عبد الله بن الحسين التَّدخُّل المباشر في السّياسة الدَّاخليَّة في سوريا بأن طالَب في نداء رسمي في 4 أغسطس 1947م، بتأسيس مجلس دستوري يسهّل توحيد سوريا الكبرى مع العراق، بل وأرسل ذلك الطَّلب إلى القوتلي نفسه وإلى كافَّة أعضاء البرلمان. لم يجد القوتلي وسيلة لمواجهة مخطَّط عبد الله سوى تأسيس ما عُرف باسم جيش الإنقاذ، الَّذي تولَّى مهمَّة مقاومة مشروع تأسيس دولة يهوديَّة في فلسطين، وذلك بمشاركة مصر والسَّعوديَّة والعراق، وبالطَّبع كان من أهمّ أهدافه غير المعلنة تشكيل قوَّة عسكريَّة موالية للنّظام الحاكم في سوريا يمكنها مواجهة الفيلق العربي، إذا ما شرع في تنفيذ مخطَّط سوريا الكبرى. ما يثبت أنَّ جيش الإنقاذ لم يؤسَّس بهدف نُصرة المقاومة الفلسطينيَّة في مواجهة الاحتلال الصُّهيوني أنَّه لمَّا حاول عبد القادر الحسيني، قائد قوَّات الجهاد المقدَّس الفلسطينيَّة غير النّظاميَّة بزعامة الحاج أمين الحسيني، الحصول على مساعدات عسكريَّة من جيش الإنقاذ، رُفض طلبه. أمَّا عن سبب الرَّفض، فهو أنَّ أمين الحسيني رفض الاعتراف بأيّ سُلطة لجامعة الدُّول العربيَّة على فلسطين. لم يتوقَّف الأمر على الرَّفض، فقد تعرَّض عبد القادر الحسيني للقتل وهو في طريق العودة إلى موقعه في القتال. ويُنسب إلى شكري القوتلي أنَّه قال للجنة العسكريَّة لجيش الإنقاذ بعد تلك الواقعة “إنَّكم جميعًا خونة والتَّاريخ سوف يسجّل أنَّكم أضعتم فلسطين” (ص203).

لم يكن لشكري القوتلي، كما ينقل لانديس، همٌّ أكبر من الحفاظ على الدّفاعات السُّوريَّة خلال أشهر حرب 1948م، خشية أن يستغلَّ عبد الله بن الحسين انشغال الجيش السُّوري بالقتال في فلسطين في التَّقدُّم إلى سوريا لتنفيذ مخطّطه. لذلك، لم يلعب الجيش السُّوري دورًا فعَّالًا في الحرب، ولم يكن القوتلي يخطّط لشيء أبعد من السَّيطرة على بعض المدن شمال فلسطين، وكان للتَّهديد الَّذي شكَّله عبد الله بن الحسين بمشروعه التَّوسُّعي، وما ترتَّب عليه من تواطؤ من قياديات في الجيش السُّوري مع بن الحسين ضدَّ القوتلي، التَّأثير الأكبر في إثناء الرَّئيس السُّوري عن الدَّفع بجيشه النّظامي بثقل في الحرب. يُقدَّر عدد المقاتلين السُّوريين المشاركين في الحرب بما لا يزيد على 4500 مقاتل، وإن كانت بعض التَّقديرات تشير إلى أنَّ عددهم لم يتجاوز 1000 مقاتل. وكانت الهزيمة مصير القوَّات السُّوريَّة في بداية مشاركتها في الحرب، وإن لم يمنعها ذلك عن احتلال شريط ضيّق من الأراضي الفلسطينيَّة لاحقًا، ثمَّ مساحات محدودة في محيط بحيرة طبرية وفي المنطقة الحدوديَّة مع الأردن. غير أنَّ الحكومة السُّوريَّة رفضت دعْم جيش الإنقاذ، بقيادة الجنرال السُّوري فوزي القاوقجي؛ بسبب تآمر الأخير لإسقاط الحكومة والإطاحة بالقوتلي، تنفيذًا لمخطَّط سوريا الكبرى. روي أنَّ القاوقجي، المعروف عنه انتماؤه للتَّيَّار الاشتراكي القومي، استعان بضبَّاط لبنانيين وسوريين من المؤمنين بفكره السّياسي، وبآخرين موالين للهاشميين، في تنفيذ مخطّط لإسقاط النّظام في لبنان، ثم في سوريا، ومن ثمَّ ضمّ سوريا الكبرى إلى العراق. اعتقد القاوقجي أنَّ من الممكن تأسيس دولة قوميَّة عربيَّة موحَّدة يمكنها محاربة اليهود وإخراجهم من فلسطين، ولكن أثبتت التَّجربة أنَّ الحركة القوميَّة لم تقدّم أبدًا أيّ حلّ للقضيَّة الفلسطينيَّة، لن نقول أنَّ نكبة فلسطين من تبعات تسرُّب الفكر القومي إلى الذهنيَّة العربيَّة.

3.حقيقة النَّازيَّة وعدائها الزَّائف للصُّهيونيَّة

يشير آفي شليم في كتابه تواطؤ عبر نهر الأردن: الملك عبد الله والحركة الصُّهيونية وتقسيم فلسطين (1988م)، وكذلك بيني موريس في دراسته “إعادة تقييم الخروج الفلسطيني في 1948” (2001م)، الَّذي أعاد التَّذكير بذلك في كتابه دولة واحدة…دولتان: حل الصّراع الإسرائيلي–الفلسطيني (2009م)، كما أشار مؤرّخون آخرون، إلى أنَّ اضطهاد الجيش النَّازي في ألمانيا لليهود في الثَّلاثينات ومطلع الأربعينات من القرن الماضي، والَّذي تتجلى أبشع صوره في المحرقة الشَّهيرة (الهولوكوست) المفترض أنَّ عدد ضحاياها من اليهود يبلغ 6 ملايين ضمن 11 مليون ضحيَّة، كان من أهمّ محفّزات الهجرة اليهوديَّة إلى فلسطين باعتبارها حصنًا آمنًا لا تطوله يد البطش النَّازيَّة. غير أنَّ الحقيقة المؤسفة الَّتي يجهلها كثيرون هي أنَّ النَّازيَّة، الاشتراكيَّة القوميَّة الألمانيَّة، وما هي إلَّا إحدى صنائع اليهود والحركات السّريَّة، أراد أذناب القوَّة الخفيَّة في العالم من خلالها تبرير استيطان اليهود لفلسطين، الَّتي حُرّمت عليهم بمقتضى نصوص العهد القديم نفسه. ويتناول الدُّكتور بهاء الأمير، مؤرّخ الحركات السّريَّة الخبير في العقائد الباطنيَّة، حقيقة النَّازيَّة في كتابه النَّازيَّة واليهود والحركات السّريَّة (2018م)، نشأة العقيدة الآريَّة النَّازيَّة بتدبير وتمويل من الحركات السّريَّة وعلى يد زمرة من اليهود الخفيين، متَّخذي هويَّات خادعة لإخفاء حقيقتهم، وعلى رأس هؤلاء أدولف هتلر، الَّذي يُعتبر من أشهر مضطهديّ اليهود وناشري العداء تجاههم، بينما هو في الأصل يهودي!

يربط الأمير بين قصَّة النَّازيَّة واستغلال اليهود الخفيين لها في تأسيس الدَّولة العبريَّة، وبين قصَّة نشأة بني إسرائيل في سورة يوسف، حيث يرى أنَّ من أهم ما كشفت عنه السُّورة الكريمة هو التَّكوين النَّفسي لبني إسرائيل، الَّذي يتجلَّى في تبرير شتَّى الوسائل في سبيل تحقيق الغايات، كما ينطبق على إقدام إخوة يوسف على التَّخلُّص منه بأيّ وسيلة كانت “اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا”، لتحقيق غاية هي “يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ” (سورة يوسف: الآية 9). تكشف السُّورة كذلك جانبًا هامًّا آخر من جوانب التَّكوين النَّفسي لبني إسرائيل، وهو اختلاق الأكاذيب وحياكتها بصورة قابلة للتَّصديق للتَّغطية على سوء فعلهم وإقناع أبيهم ببراءتهم، كما يذكر الله تعالى “وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)” (سورة يوسف: الآيتان 16-17). يقف الأمير عن قول الله تعالى “يَبْكُونَ” في وصْف حالة أبناء نبيّ الله يعقوب (عليه وعلى سائر أنبياء الله ورُسُله أتمُّ الصلوات وأزكي التَّسليم) عند توجُّههم إليه لسرْد كذبتهم، وفي هذا الوصف ما يكشف عن اقتناع أبناء يعقوب بفعلهم وتصديقهم لكذبتهم؛ لأنَّ من أدوات إقناع النَّاس بالكذب أن يصدّق الكاذب نفسه أوَّلًا!

أصل النَّازيَّة

يوضح الأمير أنَّ النَّازيَّة هي إحدى صور عقيدة القوميَّة الاشتراكيَّة، الَّتي كان اليهود هم أوَّل مَن صاغها وروَّج لها، حيث أراد اليهود بواسطة تلك العقيدة إشعال الثَّورات في شتَّى أنحاء العالم لإعادة تشكيله بما يتَّفق مع مفهوم النّظام العالمي الجديد الَّذي يجعلهم سادةً للعالم ويحكم سيطرتهم على رقاب البشر أجمعين. في دراسة له تحت عنوان “اليهود والاشتراكيَّة” (2019م)، يؤكّد الأمير على أنَّ “الاشتراكيَّة يهوديَّة من ألفها إلى يائها، وكلُّ ثوراتها ودولها من إنجازات عالم السّر والخفاء”، مضيفًا أنَّ اليهودي الألماني موشيه هِس هو أوَّل من صاغ مصطلح “الاشتراكيَّة القوميَّة” بهدف إيقاظ الحسّ القومي لدى اليهود في أوروبا وتشجيعهم على الهجرة إلى الأرض المقدَّسة (ص5). تطوَّر مفهوم الاشتراكيَّة على يد مواطنه وشريكه في المعتقَد الدّيني، حاييم هيرشل مردخاي، الشَّهير بكارل ماركس، المنحدر من أسرة يهوديَّة متديّنة ترتبط بأشهر عائلات المرابين اليهود، روتشيلد، بالمصاهرة. لم تقتصر القوميَّة الاشتراكيَّة الألمانيَّة (Nationalsozialismus) على النّشاط السّياسي؛ بل كانت فلسفة شاملة، اعتقدت في سموّ العرق الآري، الَّذي ينتمي إليه الألمان، وبرَّرت الزَّحف الألماني لإخضاع البشريَّة.

تسلَّلت تلك العقيدة تدريجيًّا حتَّى صارت بديلًا عن الدّين، وما هي في أصلها سوى نسخة من عقيدة العرق والجنس الَّتي آمن بها بنو إسرائيل بعد عودتهم من السَّبي البابلي (587-539 ق.م.)، بعد إعادة كتابه أسفار الوحي الإلهي وفق عقيدة المجوس من سكَّان بلاد فارس. على ذلك، يصحُّ القول بأنَّ النَّازيَّة في حقيقتها لم تكن معادية لليهود، بل كانت متوافقة مع أهدافهم؛ وهذا ما يجعل الأمير (2018م) يؤكّد (ص40):

لولا النَّازيَّة وعقيدتها وسياساتها مـا تمكنـت الحركـة الصُّهيونيَّة مـن تحريك يهود أوروبـا فـي اتجـاه فلسطين ولا أقيمت إسرائيل، فهمـا حليفان فـي مشـروع واحـد ويتمّم كلٌّ طرف منهما عمل الآخر.

وما يثبت صحَّة افتراض الدُّكتور بهاء الأمير ما سبق وأن صرَّح به المؤرّخ اليهودي بولندي الأصل إميل لودفيج، كما ينقل عنه ليني برينر في كتابه Zionism in the Age of the Dictators-الصُّهيونيَّة في زمن الدّيكتاتوريَّة (1983م، ص59):

سيُنسى هتلر خلال سنوات، ولكن يجب أن يُقام له نُصب تذكاري في فلسطين، فظهور النَّازيَّة وما فعله قادتها أعاد الآلاف من اليهود إلى اليهوديَّة بعد أن ابتعدوا عنها، وأنا شخصيًّا شديد الامتنان له.

يعتقد الأمير أنَّ مفهوم ارتقاء الجنس الآري على كافَّة الأجناس البشريَّة مستقى من تعاليم هيلينا بلافاتسكي، مؤسّسة جمعيَّة الحكمة الإلهيَّة، الَّتي روَّجت لفكرة أنَّ تطوُّر البشريَّة عبر العصور أفضى إلى ظهور جنس راقٍ يتولَّى مهمَّة ريادة البشريَّة وتأسيس الحضارة في الطُّور المخصَّص، معتبرةً أنَّ الجنس الآري هو الجنس المخوَّل بتنفيذ تلك المهمَّة في العصر الحالي.

شعار الحكمة الإلهية

يُلاحظ أنَّ شعار جمعيَّة الحكمة الإلهيَّة يعلوه رمز الصَّليب المعقوف في دائرة تقع ما بين فم الأفعى وذيلها، وهو في الأصل رمز لثالوث الذَّكر (قضيب له طرفان) يقع داخل دائرة ترمز إلى وَحدة الأنثى، في تجسيد لعقيدة الألوهيَّة المستمدَّة من القبَّالة، الَّتي تعتقد أنَّ الكون خُلق نتيجة اقتران ثنائي إلهي من ذكر وأنثى. وينطبق الأمر ذاته على الرمز الَّذي يتوسَّط النَّجمة السُّداسيَّة.

شعار الحزب النازي

أصول هتلر اليهوديَّة

ليس من الخفيّ أنَّ المنظّر الأوَّل للنَّازيَّة وللحزب المنبثق عنها، وهو حزب العمَّال القومي الاشتراكي، ورئيس تحرير الصَّحيفة الرَّسميَّة النَّاطقة باسم الحزب، وصاحب كتاب أسطورة القرن العشرين (1930م) الَّذي اعتبره هتلر المعبّر عن عقيدة الحزب، هو اليهودي ألفريد روزنبرغ. في محاكاة جليَّة لعقيدة نقاء السُّلالة اليهوديَّة وتميُّزها عن سائر السُّلالات البشريَّة واختصاص اليهود بصفات بشريَّة خاصَّة، أشاع روزنبرغ في كتابه (1930م) فكرة أنَّ الدَّم هو العقيدة الأجدر بالاتّباع، وهو الأسطورة الجديدة المفترض أن تشكّل هويَّة الشَّعب الألماني خلال القرن الماضي. قد يتساءل البعض عن سبب زعْم دعاة الآريَّة اعتناقهم تلك العقيدة بوصفها بديلًا عن الدّين، والرَّدُّ هو أنَّ فعْل هؤلاء هو فعْل كافَّة اليهود الخفيين، ممَّن يتظاهرون باعتناق غير عقيدتهم عند التَّوجُّه إلى أيّ مجتمع جديد يستهدفونه. يستند الأمير إلى ما أورده الكاتب اليهودي الألماني ديترش بروندر في كتابه قبل مجيء هتلر: دراسة تاريخيَّة (1964م) في قوله بأنَّ أهمَّ زعماء النَّازيَّة ومنظّريها من أصول يهوديَّة، ويأتي على رأس هؤلاء رودولف هِس، وكيل الحزب النَّازي ونائب هتلر، وهِرمان جورنج، وهو مؤسّس البوليس السّرّي النَّازي وقائد عسكري تولَّى وزارة الطَّيران المدني والحربي، وجوزيف جوبلز، وزير الإعلام والدَّعاية النَّازيَّة، بينما يأتي أدولف هتلر على رأس تلك القائمة!

لم يكن ألفريد روزنبرغ هو الوحيد الَّذي تناول أصول هتلر بالبحث؛ فقد أثار رون روزنباوم في كتابه Explaining Hitler: The Search for the Origins of His Evil-تفس هتلر: البحث عن أصوله الخبيثة (1998م) مسألة شائكة، وهي أنَّ أبَّ أدولف هتلر، وهو ألويس هتلر، لم يكن ابنًا شرعيًّا، وكان يحمل اسم زوج أمّه، وهو يوهان جورج هيدلر، ليتحوَّر اللقب لاحقًا إلى هتلر. لم يكن ذلك الأمر خفيًّا عن خصوم هتلر، الَّذي استغلُّوه ضدَّه لدحض مزاعمه بشأن نقاء العرق الآري، في محاولة لإثبات أنَّه لم يكن ينتمي إلى ذلك العرق. وما كان من الديكتاتور الألماني إلَّا أن أمر المـــــؤرّخ وأســـــتاذ الأنثروبولـــــوجي رودولـــــف كوبنشتاینر بتأليف كتاب، صدر عام 1937م، يثبت فيه الأصول الألمانيَّة لهتلر، وكان يحمل عنوان نسب الفوهرر. ومن المفارقات أنَّ الكتاب أشار إلى يوهان جورج هيدلر على أنَّه جدُّ الديكتاتور النَّازي من جهة الأب، بينما تشير الوثائق إلى أنَّ هيدلر تزوَّج ماریا أنَّا شیكلجروبر، جدَّته، بينما كان ابنها ألويس ابن خمس سنين، وهناك أقاويل غير مؤكَّدة تشير إلى أنَّ جدَّة هتلر قد حملت سفاحًا في ابنها أثناء عملها خادمة في منزل البارون روتشيلد، ولكن لا توجد وثائق تؤكّد ذلك، وقد اعتقد البعض أنَّ نشْر مثل تلك الأقاويل كان من باب الدَّعاية السَّلبيَّة الَّتي استهدفت هتلر خلال سنوات الحرب العالميَّة الثَّانية (1939-1945م). جدير بالذّكر أنَّ اثنين من أشهر منظّري عقيدة الآريَّة من أعضاء جمعيَّة الحكمة الإلهيَّة، وهما جويدو فون ليست ويورج لانز فون ليبنفيلز. أسَّس فون ليبنفيلز جمعيَّة سريَّة خاصَّة أطلق عليها منظَّمة الهيكل الجديد، وينقل المؤرّخ اليهودي الألماني ديترش بروندر قبل مجيء هتلر: دراسة تاريخيَّة (1964م) أنَّ فون ليبنفيلز قد أرسل إلى أحد أعضاء الجمعيَّة في عام 1932م، أي تزامنًا مع صعود نجم هتلر وسيطرة حزبه على الحُكم في ألمانيا، يقول له عنه “وأنت تعلم أن هتلر أحد تلاميذنا“، نقلًا عن الأمير (ص54).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حقائق مرعبة حول انتصار الداروينية والعلمانية

الدكتور عزت السيد أحمد كاتب ومفكر سوري كيف انتصرت الدَّراوينية ولماذا؟ سؤال يرنُّ …