صحافة

فوز الأسد وهزيمة الإنسانية!

اختار رئيس النظام السوري بشار الأسد منطقة دوما، التي كانت وحداته العسكرية قد نفّذت ضد سكانها غارة بسلاح للإبادة الجماعية في 21 آب/أغسطس 2013، فسقط ضحيتها المئات إثر استنشاقهم غازات سامة ناتجة عن هجوم بغاز الأعصاب، وقد تم توقيت الهجوم حينها بعد وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق بثلاثة أيام، وقد استخدم النظام حينها روايات متناقضة، منها اتهامه المعارضة بتزوير صور ضحايا الهجوم، ثم بأنها هي المسؤولة عن الهجوم، لكنّ النظام اضطر بعدها، لابتلاع رواياته المتناقضة، والتفاوض مع المنظومة الدولية على نزع ترسانته الكيميائية لوقف هجوم غربي عليه.
باختياره تلك المنطقة المنكوب أهاليها، لإعادة فرض «الدرس» على السوريين والعالم، يستعيد الأسد، عمليا، المشهد المرعب الذي يسخر من مواطنيه الذين ورثهم عن أبيه الراحل حافظ الأسد منذ عام 2000، ويسخر أيضا من العالم الذي أمل السوريون أن يوقف المذبحة الجارية المستمرة ضدهم.
تكشف تصريحات الأسد التي أطلقها من دوما خلال عملية «الانتخاب» جوهر ذلك الحدث، بدءا من قوله إن الانتخابات في دوما «تأكيد على أن سوريا ليست منطقة ضد منطقة أو طائفة ضد طائفة» وهو قول لا يصعب على السوريين (وحتى على العالم) فهم معناه المضمر، فالغارات الكيميائية لم تستهدف «الإرهابيين» كما وصفهم، بل المدنيين الذين يويدونهم والذين وصل عدد ضحاياهم إلى 1466، وشملت أعدادا كبيرة من الأطفال والنساء.
كان مدهشا، حينها، أن مستشارة الأسد، بثينة شعبان، ابتدعت فكرة لسرقة مظلومية الضحايا أولئك حتى، بادعائها أن الأطفال الذين قتلوا في تلك الحادثة خطفوا من مناطق مؤيدة للنظام (أي مناطق الحاضنة العلوية) وبذلك لم يكتف النظام السوري بقتل الضحايا فحسب بل أراد أيضا سرقة جثامينهم، وتحويل التعاطف العالمي معهم إلى «حاضنة النظام» ومؤيديه، في إشارة إلى أن الشخصيات القيادية في ذلك النظام كانت تفكر فعلا بعقلية «منطقة ضد منطقة وطائفة ضد طائفة».
التصريح الرمزيّ الثاني للأسد من دوما توجّه إلى المنظومة الدولية التي اعتبرت انتخاباته غير شرعيّة وشككت في نزاهتها فرد على ذلك بالقول إن «قيمة آرائكم صفر، وقيمتكم عشرة أصفار» وهو تصريح إباديّ بمعنى ما، فاعتبار المنظومة الدولية صفرا، يحيل إلى عقلية الإلغاء التام للآخرين، وهي إحدى الأفكار الرئيسية التي ترتكز عمليات الإبادة الجماعية لشعب أو قومية أو دين.
التصريح يسخر أيضا من فاعلية تلك المنظومة العالمية التي لم تتمكن من إزاحته عن كرسيّه، من ناحية، أو من إنقاذ ضحاياه الذين وصل تعدادهم إلى مئات الآلاف من القتلى والملايين من المهجرين واللاجئين والنازحين، ولماذا بعد كل ذلك لا يتحدث عن «انتخابات حرة» ويزور المناطق التي أباد أهلها، رغم أنه تحوّل إلى قائمقام لقوتي احتلال كبيرتين: روسيا وإيران؟
فوز الأسد المعلوم مسبقا، بهذه المعاني، هزيمة ليس للسوريين فحسب، من الذين حلموا بنظام آخر لا يعاملهم كرهائن وسجناء ومشاريع خطف وقتل وتعذيب، بل للعالم أيضا، الذي عجز عن إيقاف المجازر على مدى عشر سنوات، وهو ما جعل الأسد أنموذجا للطغاة، بمن فيهم إسرائيل، التي تحلم نخبها العنصرية المتطرفة بتنفيذ عمليات التهجير الجماعي ضد الفلسطينيين، وباستخدام ترسانتها الحربية ضدهم.

المصدر : القدس العربي

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. المطلوب تحديد معنى الفوز ، و سيتبين بالوقائع الجارية أن بشار و عصابته و من يسنده و من يقوم بتنفيذ قراراتهم أوامرهم لم يفوزوا بشيء بالمطلق .
    لو افترضنا أن طالباً محترفاً بالغش و مدعوماً من جهة شريرة حقق ، بطرق ملتوية منها البلطجة ، في امتحان الثانوية العامة نتيجة 99% فإنه لا يمكن بالعقل و بالمنطق أن نصفه بالفوز . هذا طالب خاسر ، في حقيقة الأمر ، خدع نفسه قبل أن يخدع أو يخادع الآخرين .
    ما يجري في الأعمال السياسية يشبه كثيراً مثال هذا الطالب الخائب ، و خاصة في سلوك من ارتضى لنفسه أن يكون طرطوراً ناطوراً و عبداً مأموراً لسيد يحتقره . لا توجد في مفردات السياسة الدولية علاقة ندَية بين السيد و عبده و لا علاقة صداقة و بالطبع لا مكان للمودة . العبد أداة ، مثل أية أداة ، له موعد انتهاء الصلاحية و عند الوصول إلى الموعد فلا يتردد بأن يرميه كالنفاية .
    قيل عن هذه المسماة “انتخابات” أنها مسرحية هزلية أو كوميديا سوداء و قيل عنها أنها محاولة تدوير كما يجري للنفايات الورقية مثلاً . قال البعض أن الاستعمار الفرعوني لم يجد أحقر منه حتى يقوم بفرضه بالقهر على شعب سوريا و إن كنت أستبعد ذلك في تحليلي المتواضع .
    أن يكون العبد أحمقاً وأن يكون غير متردد في إهلاك العباد و تدمير البلاد و أن يقوم بتنفيذ المطلوب منه و أكثر ، فسيكون موضع الرضا و تستمر وظيفته علماً بأن الاستعمار يعتبر قهر الشعب و اضطهاده و إخضاعه ضرورة لاستمرار سيطرته . إحدى فلتات لسان الرئيس ترامب “ديكتاتوري المفضل” ، لذلك فالعبيد الحمقى موجودون في مباريات من يكون مستبداً أكثر لينال الحظوة و القبول من السيد الذي يرتعدون منه . هذا أبعد من أن يكون فوزاً ، و هو انحدار في القيم الإنسانية و الأخلاقية .

  2. لاحقاً بتعليقي السابق :
    لم ينتظر العقلاء تحضيرات المسرحية و سيرها و إنما تطلعوا إلى الجديد في إعلان نتائجها . يوجد في المناطق التي جرت فيها المسرحية أقل من 11 مليون من البشر و يوجد خارج سوريا حوالي نصف العدد ، فإذا جرى حساب عدد المصوتين للحيوان – كما وصفه أحد الروس الكبار – ، فيكون العدد الأقصى 8 مليون لمن له حق التصويت مع افتراض أن كلهم صوتوا لصالحه. أن يكون قد أيَده 13 مليون شخص فهذا يعني السيناريو السخيف التالي : أن الأموات الطائفيين منذ 100 عام و حتى اليوم قد خرجوا من قبورهم و ذهبوا لمراكز الاقتراع و أدلوا بأصواتهم ثم عادوا لقبورهم !!
    هذا الطرطور الناطور المعتوه لا يملك من الأمر شيئاً و لا يقدح شيئاً من رأسه و إنما هو عبد مأمور للاستعمار الفرعوني الأقوى في عالم اليوم . توجد رسالة في قرار هذا الاستعمار مفادها أنها تتشبث بعاهتها و بقهر الشعب الذي يرزح تحت عصابة العاهة و الرديف من العصابات و بخططها . لكن هذه الرسالة تبرهن على انحدار عقلية هذا الاستعمار بتحول من وضع “ذكاء” إلى وضع “غباء” عند “الأعداء” و هذا التغيير فيه خير ، إن شاء الله ، في المستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى