أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / أدونيس والإسهال اللفظي (2-2) إطلالة على كتابه: «مقدمة للشعر العربي»

أدونيس والإسهال اللفظي (2-2) إطلالة على كتابه: «مقدمة للشعر العربي»

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب


كذلك كانت الغيلة معروفة بين العرب. ومن ذلك على سبيل التمثيل، وغيره كثير، ما جاء فى ترجمة قيس بن الخطيم من كتاب “الأغانى” من أن قيسا، وهو من فرسان العرب وشعرائهم، “لما بلغ مبلغ الرجال وعرف أخبار قومه وأن أباه وجده قبله ماتا مقتولين لم يزل يلتمس غِرّةً من قاتل أبيه وجده في المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، وظفر بقاتل جده بذي المجاز. فلما أصابه وَجَدَه في رَكْبٍ عظيمٍ من قومه، ولم يكن معه إلا رَهْطٌ من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدار الفزاري، فاستنجده فلم ينجده. فأتى خداش بن زهير، فنهض معه ببني عامر حتى أَتَوْا قاتل عدي، فإذا هو واقف على راحلته في السوق، فطعنه قيس بحرية فقتله، ثم استمر. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه، فقال في ذلك قيس بن الخطيم:
ثأرتُ عَدِيًّا والخطيمَ فلم أُضِعْ * ولاية أشياخ جُعِلْتُ إزاءها”
وبطبيعة الحال لم يُقْتَل أبوه ولا جده أيضا فى حرب، وإلا لشنت القبيلة على قاتليْه حربا ولم يلجأ قيس إلى الاغتيال لِدَرْك ثأره.
وفى النص التالى يصف صاحب “الأغانى” الطريقة التى اتبعها قيس فى اغتيال قاتلى أبيه وجده مستعينا بالتخطيط والمكر والمباغتة والخداع، إذ ذهب إلى صديق أبيه خُدَاش بن زهير و”سأله أن يعينه وأن يشير عليه في أمره، فرحب به خداش وذكر نعمة أبيه عنده، وقال: إن هذا الأمر مازلت أتوقعه منك منذ حينٍ. فأما قاتل جدك فهو ابن عم لي، وأنا أعينك عليه. فإذا اجتمعنا في نادينا جلستُ إلى جنبه وتحدثتُ معه. فإذا ضربتُ فخذه فثِبْ إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلتُ معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش. فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له: ذو الخرصين. فثار إليَّ القوم ليقتلوني، فحال خداش بينهم وبيني وقال: دَعُوه، فإنه والله ما قَتَل إلا قاتلَ جده. ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه، وانطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه، حتى إذا كانا قريبا من هَجَر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه، فإذا دُلَّ عليه قال له: إن لصا من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعا لي، فسألتُ: مَنْ سيد قومه؟ فدُلِلْتُ عليك. فانطلقْ معي حتى تأخذ متاعي منه. فإن اتبعك وحده فستنال ما تريد منه، وإن أخرج معه غيره فاضحك، فإن سألك: مِمَّ ضحكتَ؟ فقل: إن الشريف عندنا لا يصنع كما صنعتَ إذا دُعِيَ إلى اللص من قوم. إنما يخرج وحده بسوطه دون سيفه. فإذا رآه اللص أعطى كل شيء أخذ هيبةً له. فإنْ أَمَرَ أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك، وإن أبى إلا أن يمضوا معه فأتني به، فإني أرجو أن تقتله وتقتل أصحابه. ونزل خداش تحت ظل شجرة، وخرج قيس حتى أتى العبدي فقال له ما أمره خداش فأَحْفَظَه، فأمر أصحابه فرجعوا ومضى مع قيس. فلما طلع على خداش قال له: اختر يا قيس إما أن أعينك وإما أن أكفيك. قال: لا أريد واحدة منهما، ولكن إنْ قتلني فلا يفلتنك. ثم ثار إليه فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر، فمات مكانه. فلما فرغ منه قال له خداش: إنا إنْ فررنا الآن طَلَبَنا قومُه. ولكن ادخل بنا مكانا قريبا من مقتله، فإن قومه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريبا منه. ولكنهم إذا افتقدوه اقْتَفَوْا أثره. فإذا وجدوه قتيلا خرجوا في طلبنا في كل وجه، فإذا يئسوا رجعوا. قال: فدخلا في دارات من رمال هناك، وفقد العبديَّ قومُه، فاقتفَوْا أثره فوجدوه قتيلاً، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا. فكان من أمرهم ما قال خداش. وأقاما مكانهما أياما ثم خرجا فلم يتكلما حتى أتيا منزل خداش، ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع الى أهله”.
ثم إن قيسا مات بنفس الطريقة، إذ اغتاله أهل أحد مقتوليه، لينهض للأخذ بثأره رجل من قبيلته فيغتال رجلا من قبيلة القاتل، إذ نقرأ فى “الأغانى” أن “حرب الأوس والخزرج لما هدأت تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم، فتوامروا وتواعدو قتله. فخرج عشية من منزله في ملاءتين يريد مالاً له بالشوط حتى مر بأُطُم بني حارثة، فرُمِيَ من الأطم بثلاثة أسهم، فوقع أحدها في صدره، فصاح صيحة سمعها رهطه، فجاؤوا فحملوه الى منزله، فلم يروا له كفئا إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النجاري، فاندس إليه رجل حتى اغتاله في منزله، فضرب عنقه واشتمل على رأسه، فأتى به قيسا وهو بآخر رمق، فألقاه بين يديه وقال: يا قيس، قد أدركتُ بثأرك. فقال: عضضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة! فقال: هو أبو صعصعة. وأراه الرأس، فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات”.
على أن المسرحية الفروسية لما تنته فصولا، إذ لا يزال فيها فصل عن النساء يرينا أن الأمر لم يكن كله فروسية كما يتخيل أدونيس وهو جالس إلى مكتبه يؤلف من دماغه رأسا دون أن يتعب نفسه قليلا ليتيقن من صحة ما يكتب. فها هو ذا قيس بن الخطيم وحسان بن ثابت فى الجاهلية يتهاجيان بالنساء، فيتغزل حسان بليلى بنت الخطيم أخت قيس بعد أن احتك بها فى الطريق وأهانها، ويرد قيس التحية بأسوأ منها فيتغزل بزوجته عَمْرَة. يقول صاحب “الأغانى”: “مر حسان بن ثابت بليلى بنت الخطيم، وقيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريش، فقال لها حسان: اظعني فالحقي بالحي، فقد ظعنوا. وليت شعري ما خَلَّفَك؟ وما شأنك؟ أقَلَّ ناصِرُك أم راثَ رافِدُك؟ فلم تكلمه، وشتمه نساؤها. فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه:
لقد هاج نفسَك أشجانُها * وعاودها اليومَ أديانُها
تذكرتُ ليلى، وأَنَّي بها * إذا قطعت منك أقرانُها
وحَجَّل في الدار غربانها * وخف من الدار سكانُها
وغَيَّرها مُعْصِراتُ الرياح * وسَحُّ الجنوب وتهتانُها؟
مهاة من العِين تمشي بها * وتتبعها ثَمَّ غزلانها
وقفت عليها فساءلتها * وقد ظعن الحي: ما شأنها؟
فعَيَّتْ، وجاوبني دونها * بما راع قلبيَ أعوانُها
وهي طويلة. فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أولها:
“أجد بعمرة غنيانها”، وفخر فيها بيوم الربيع، وكان لهم، فقال:
ونحن الفوارس يوم الربيـــــــــــ*ـــــــــــع قد علموا كيف فرسانُها
حسان الوجوه، حداد السيو * ف، يبتدر المجد شبانُها
وهي أيضا طويلة”.
ثم هذه قصة أخرى من قصص الغدر. ففى “الأغانى” أن “رجلاً من بني مازن بن النجار يقال له: كعب بن عمروـ تزوج امرأةً من بني سالم بن عوفـ فكان يختلف إليها. فقعد له رهط من بني جحجبى بمرصد، فضربوه حتى قتلوه أو كادوا، فأدركه القوافل فاستنقذوه. فلما بلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو خرج، وخرج معه بنو النجار، وخرج أُحَيْحَة بن الـجُلاَح ببني عمرو بن عوف، فالْتَقَوْا بالرحابة، فاقتلوا قتالاً شديدًا، فقتل أخا عاصم يومئذ أحيحةُ بن الجلاح، وكان يُكْنَى: أبا وحوحة، فأصابه في أصحابه حين انهزموا. وطلب عاصم أحيحة حتى انتهى إلى البيوت، فأدركه عاصم عند باب داره فزجه بالرمح، ودخل أحيحة الباب، ووقع الرمح في الباب، ورجع عاصم وأصحابه فمكث أيامًا. ثم إن عاصما طلب أحيحة ليلاً ليقتله في داره، فبلغ ذلك أحيحة، وقيل له: إن عاصما قد رُئِيَ البارحة عند الضَّحْيَان والغابة، وهي أرض لأحيحة، والضَّحْيَان أطم له. وكان أحيحة إذ ذاك سيد قومه من الأوس، وكان رجلاً صَنَعًا للمال، شحيحًا عليه، يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم. وكان له تسع وتسعون بعيرا كلها ينضح عليها. وكان له بالجرف أصوار من نخل قَلَّ يومٌ يمر به إلا يطلع فيه. وكان له أُطُمان: أُطُمٌ في قومه يقال له: المستظل، وهو الذي تحصن فيه حين قاتل تُبَّعًا أسعد أبا كرب الحميري، وأُطُمُه: “الضَّحْيَان” بالعصبة في أرضه التي يقال لها: الغابة، بناه بحجارة سود وبنى عليه نبرةً بيضاء مثل الفضة، ثم جعل عليها مثلها يراها الراكب من مسيرة يوم أو نحوه. وكانت الآطام هي عزهم ومنعتهم وحصونهم التي يتحرزون فيها من عدوهم. ويزعمون أنه لما بناه أشرف هو وغلام له، ثم قال: لقد بنيتُ حصنا حصينا ما بنى مثلَه رجلٌ من العرب أمنع ولا أكرم. ولقد عرفتُ موضع حجر منه لو نُزِع لوقع جميعا! فقال غلامه: أنا أعرفه. فقال: فأرنيه يابني. قال: هو هذا. وصرف إليه رأسه. فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات. وإنما قتله إرادة ألا يعرف ذلك الحجر أحد. ولما بناه قال:
بنيتُ بعد مستظلٍّ ضاحيا * بنيتُه بعصبة من ماليا
والسر مما يتبع القواصيا * أخشى ركيبًا أو رُجَيْلاً عاديا
وكان أحيحة إذا أمسى جلس بحذاء حصنه: “الضَّحْيَان”، ثم أرسل كلابا له تنبح دونه على من يأتيه ممن لايعرف، حذرًا أن يأتيه عدو يصيب منه غرة. فأقبل عاصم بن عمرو يريده في مجلسه ذلك ليقتله بأخيه، وقد أخذ معه تمرا. فلما نبحته الكلاب حين دنا منه ألقى لها التمر فوقفت. فلما رآها أحيحة قد سكنت حَذِر فقام فدخل حصنه، ورماه عاصم بسهم فأحرزه من الباب، فوقع السهم بالباب. فلما سمع أحيحة وقع السهم صرخ في قومه، فخرج عاصم بن عمرو فأعجزهم حتى أتى قومه. ثم إن أحيحة جمع لبني النجار، فأراد أن يغترَّهم فواعدهم وقومه لذلك. وكانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عدي بن النجار، له منها عمرو بن أحيحة… وكانت امرأةً شريفة لا تنكح الرجال إلا وأمرها بيدها، إذا كرهت من رجل شيئا تركته. فزعم ابن إسحاق أنه حدثه أيوب بن عبد الرحمن، وهو أحد رهطها، قال: حدثني شيخ منا أن أحيحة لما أجمع بالغارة على قومها ومعها ابنها عمرو بن أحيحة، وهو يومئذ فَطِيمٌ أو دون الفطيم، وهو مع أحيحة في حصنه، عمدت إلى ابنها فربطته بخيط، حتى إذا أوجعت الصبي تركته فبات يبكي، وهي تحمله، وبات أحيحة معها ساهرا يقول: ويحك! ما لابني؟ فتقول: والله ما أدري ماله. حتى إذا ذهب الليل أطلقت الخيط عن الصبي فنام… فلما هدأ الصبي قالت: وارأساه! فقال أحيحة: هذا والله ما لقيتِ من سهر هذه الليلة. فبات يعصب لها رأسها ويقول: ليس بك بأس. حتى إذا لم يبق من الليل إلا أقله قالت له: قُمْ فَنَمْ، فإني أجدني صالحة قد ذهب عني ماكنت أجده. وإنما فعلتْ به ذلك ليثقل رأسه، وليشتد نومه على طول السهر. فلما نام قامت وأخذت حبلاً شديدًا وأوثقته برأس الحصن، ثم تدلت منه وانطلقت إلى قومها، فأنذرتهم وأخبرتهم بالذي أجمع هو وقومه من ذلك، فحذر القوم وأعدوا واجتمعوا. فأقبل أحيحة في قومه فوجد القوم على حذر قد استعدوا، فلم يكن بينهم كبير قتال. ثم رجع أحيحة فرجعوا عنه. وقد فقدها أحيحة حين أصبح. فلما رأى القوم على حذر قال: هذا عمل سلمى! خدعتْني حتى بلغتْ ما أرادت. وسماها قومها: المتدلية، لتدليها من رأس الحصن. فقال في ذلك أحيحة وذكر ما صنعت به سلمى:
تفهَّمْ أيها الرجل الجهولُ * ولا يذهبْ بك الرأي الوبيلُ
فإن الجهل محمله خفيفٌ * وإن الحِلْم محمله ثقيلُ”
وفى أخبار الفِنْد الزِّمّاني فى “الأغانى” أيضا، وكان فارسا شاعرا، نقرأ ما يلى: “أرسلتْ بنو شيبان في محاربتهم بني تغلب إلى بني حنيفة يستنجدونهم، فوجهوا إليهم بالفند الزماني في سبعين رجلاً، وأرسلوا إليهم: إنا قد بعثنا إليكم ألف رجل. وقال ابن الكلبي: لما كان يوم التحالق أقبل الفِنْد الزِّمَّانِيّ إلى بني شيبان، وهو شيخ كبير قد جاوز مائة سنة، ومعه بنتان له شيطانتان من شياطين الإنس، فكشفت إحداهما عنها وتجردت، وجعلت تصيح ببني شيبان ومن معهم من بني بكر:
وعا وعا وعا وعا
حرَّ الجوادُ والتظى
وملئت منه الربا
يا حبذا يا حبذا
الملحقون بالضحى
ثم تجردت الأخرى وأقبلت تقول:
إن تُقْبِلوا نعانقْ * ونفرش النمارقْ
أو تُدْبِروا نفارقْ * فِرَاقَ غَيْرِ وامقْ
قال: والتقى الناس يومئذ، فأصعد عوفد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، ابنته على جمل له في ثنية قضة، حتى إذا توسطها ضرب عرقوبي الجمل ثم نادى:
أنا البرك أنا البرك
أنزل حيث أدرك
ثم نادى: ومحلوفه لا يمر بي رجل من بكر بن وائل إلا ضربته بسيفي هذا. أفي كل يوم تفرّون فيعطف القوم؟ فقاتلوا حتى ظفروا فانهزمت تغلب”. فكما نرى لم يكن الأمر دائما مع النساء على النحو الذى ذكر حاتم الطائى أنه يعامل به أسيرات قومه. فإن بِنْتَىِ الفِنْد الزِّمّانِىّ قد تصرفتا تصرفا يناقض تلك الصورة الكريمة، ولم ينكر عليهما أبوهما فى شىء مما أتتاه. فما بالنا لو أنه كان عليه أن يتعامل مع أسيرات أعدائه؟
وقد تناول عبد الله عفيفى فى كتابه: “نساء العرب فى الجاهلية والإسلام” هذا الموضوع فقال تحت عنوان “السِّبَاء والوَأْد” ذاكرا الحالين: “أما بعد، فإنا لا نخدع التاريخ في ماضيه، فنمثله زهرا لا أشواك فيه. فلئن كان من الحب ما يُمضُّ ويؤذي، ومن الصداقة ما يضر ويؤلم، لقد أصيبت المرأة العربية في سبيل إعزازها والحرص عليها بلواذع بلغت في بعض المواطن حبة قلبها ومستقرّ حياتها. فمن ذلك السباء. وذلك أن العرب كانوا يُعْقِبون صفوف القتال بنسائهم وذوات أرحامهم تثبيتا لأنفسهم، وتشديدا لعزائمهم. وربما أُحِيط بهم، وغُلِبوا على أمرهم، فيكون هَمّ الظافر أن يتخذ نساء المقهور سبايا يسوقهن إلى بيته، ويتحكم فيهن كما يتحكم في ماله، لا لحاجته إليهن، بل ليقطع باستلابهن آخر عرق ينبض من قلب عدوه فيعيش ذليل الناصية، مُقَنَّع الوجه أمد الحياة. على أنهم، وإن غلظت إلى هذا الحد أكبادهم على أعدائهم، فهم يعرفون لسباياهم منازلهم بين قومهن فيخلطونهن بأنفسهم، إلا قليلا ممن أرّث الحقد صدورهم، وملكت الضغينة منازع الرحمة من قلوبهم. وفي أولى الحالتين يقول حاتم بن عبد الله الطائي:
فما أنكحونا طائعين بناتِهِم * ولكن خطبناها بأسيافنا قَسْرا
فما زادها فينا السِّبَاء مذلةً * ولا كُلَِّفَتْ خَبْزًا ولا طبختْ قِدْرا
ولكنْ خلطناها بخير نسائنا * فجاءت بهم بِيضًا وجوهُهمُ زُهْرا
وكائِنْ ترى فينا من ابن سَبِيَّةٍ * إذا لقي الأبطال يطعنهم عذْرا
ويأخذ رايات الطعان بكفه * فيوردها بِيضًا، ويُصدرُها حمرا
كريم إذا اعتز اللئيم تخاله * إذا ما سرى الدجى قمرا بدرا
وهنالك الكثير من سادات العرب وذوي زعامتهم انكشفت عنهم السبايا، فلم يَضَعْ ذلك من منازلهم أو يُهَجَّنْ من أحسابهم. ومن بين أولئك دُرَيدُ بن الصَمَةِ حكيم العرب وشاعر فرسانهم وفارس شعرائهم، وأمُّهُ ريحانة بنت معد يكرب. أسرها الصّمَّةُ بن عبد الله وتزوجها فأنجبت دُرَيْدًا وإخوته. وهي التي يقول عمرو في حديث إسارِها:
أمن ريحانة الداعي السَّميعُ * يُؤرَّقُني وأصحابي هُجُوعُ؟
سباها الصَّمَّةُ الْجُشَمِيُّ غَصْبًا * كأن بياض غُرّتها صديعُ
وحالت دونها فرسان قيسٍ * تَكَشَّفُ عن سواعدها الدروعُ
إذا لم تستطع شيئا فدَعْهُ * وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ”
وفى حوادث يوم أوارة الثانى قَتَل الملك الحيرى عمرو بن هند امرأةً وهى حامل فبَقَرَ بطنها. ثم أحرق تسعة وتسعين رجلا من قبيلة “البراجم”، وأكمل المائة بواحدة من نسائهم لقاء اعتزازها بزوجها ووقوفها فى وجه الملك متماسكةً لا تخاف .
ويذكر المرزبانى فى “أشعار النساء” أنه فى يوم العداب أغار بنو عبد مناة بن أد بن طابخة على بني عِجْل وحنيفة بالأراكة من أرض جو اليمامة، وسُبِيَتْ حسينة بنت جابر بن بجير العجلي أخت أبجر بن جابر، وكانت تحت تمّام بن سوادة مُعْرِسًا بها. وكان الذى سباها هو عَمْرو بن الحارث بن أقيش العُكْلِيّ. ثم إن زوجها وأباه أتياها ليفادياها، فاختارت عَمْرو بن الحارث، وقالت تعيّر زوجها:
تمَّامُ، قد أسلمتَني لرماحهم * وخرجتَ تركض في عَجَاج القَسْطَلِ
وتلومني ألا أَكُرَّ عليكمُ * هيهات ذلك مِنْكُمُ. لا أفعلُ
إني وجدتُكُمُ تكون نساؤكم * يوم اللقاء لمن أتاكم أَوَّلُ
ثم إن أخاها أبجر بن جابر أتاها بعدما ردت تمّامًا وأباه، فلامها على اختيارها على قومها، فرَضِيَتْ بالرجوع مع أخيها، ففاداها بمائة من الإبل وخمسة أفراس. وسار معها عمرو بن الحارث حتى أرض بني تميم، وقال في ذلك:
وخَيَّرْنا حُسَيْنةَ إذْ أتاها * سوادةُ ضارعًا مَعَهُ الفِداء
فقالت: إن رجعتُ إلى لُجَيْمٍ * مخايَرَةً، فقد ذهب الحياء
فما صبروا ولا عطفوا علينا * وندعوهم، فما سُمِعَ النداء
وكنتُ مَهِيرةً فيكم، فأُمْسِي * ومَهْرِي فيكمُ الأسَلُ الظِمَاء
وكانَتْ صفوتي من سَبْيِ عِجْلٍ * حُسَيْنَةُ من كواعِبَ كالظباء
وهبناها لأَبْجَرَ إذْ أتانا * وفينا غَيْرَها منهم نساء
وفى “الأغانى” لأبى الفرج: “كان عروة (بن الورد) قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زمانا وهي معجبة له تريه أنها تحبه. ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها. فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه، وتوعده قومها بالقتل فانصرف عنهم، وأقبل عليها فقال لها: يا ليلى، خبري صواحبك عني كيف أنا. فقالت: ما أرى لك عقلاً! أتراني قد اخترت عليك وتقول: خبري عني؟ فقال يخاطب نفسه ويخاطبها:
تحنّ إلى ليلى بجوّ بلادها * وأنتَ عليها بالملاَ كنتَ أَقْدَرا؟
وكيف تُرَجّيها وقد حيل دونها * وقد جاوزتْ حَيًّا بتيماءَ منكرا؟
لعلكِ يومًا أن تُسِرِّي ندامةً * عليَّ بما جَشَّمْتِني يوم غضْوَرا
… ثم إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها: أسماء. فما لبثت عندهم إلا يوما حتى استنقذها قومها. فبلغ عروةَ أن عامر بن الطفيل فخَر بذلك وذكر أخذه إياها، فقال عروة يعيرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية:
إن تأخذوا أسماءَ موقفَ ساعةٍ * فمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب
لبسنا زمانا حسنَها وشبابَها * ورُدَّتْ إلى شعواءَ والرأس أشيبُ
كمأخذنا حسناءَ كَرْهًا ودمعها * غداة اللوي معصوية يتصبب”
كان المجتمع الجاهلى إذن يعرف الإماء. لكن لا بد أن نضيف أن السِّباء لم يكن شأنًا خاصًّا بالعرب، بل كان يمارَس من قِبَل الأمم الأخرى كما هو معلوم. ومع ذلك كان الشعوبيون يلمزون العرب من هذه الناحية يريدون الإيهام بأنهم هم وحدهم الذين كانت نساؤهم تُسْبَى. فمن ذلك ما جاء فى كتاب “العِقْد الفَرِيد” لابن عبد ربه نقلا عن الشعوبية على النحو التالى مما يمكن الرد عليه، وإن كنا لا ننكر وجود السباء عند العرب، شأنهم فى ذلك شأن الأمم كلها فى العصور القديمة من يونان وفرس ورومان وزنوج وعبريين وصينيين وهنود. قالت الشعوبية: “ما الذي تَفْخر به العَرب على العجم، وإنما هي كالذّئاب العادية، والوُحوش النَّافرة، يَأْكل بعضُها بعضًا، ويُغِير بعضها على بَعْض. فرجالُها مَوْثوقون في حَلَق الأسْر، ونساؤها سَبَايا مُرْدَفات على حَقائب الإبلِ، فإذا أدركهنَّ الصَّرِيخ فاستُنْقِذن بالعشيّ، وقد وُطِئْن كما تُوطَأ الطَّريقُ المَهيْع، فَخَر بذلك الشاعر فقال:
وأَلْحَقُ رَكْب الـمُرْدَفات عَشِيّةً
فقيل له: وَيْحك! وأيّ فَخْر لك في أن تَلْحقهن بالعشى، وقد نُكِحْن وامْتُهِنَّ؟
وقال جَرِير يعيّر بني دارم بغَلَبَةِ قَيْسٍ عليهم يومَ رَحْرَحَان:
وبَرحْرحانَ غَدَاةَ كُبِّل مَعْبدُ * نُكِحت نِساؤُكم بغير مُهُورِ
وقال عَنترة لامرأته:
إنَّ الرِّجال لهم إليكِ وَسيلةٌ * إِنْ يَأخذُوك تَكحَّلي وتَخضَّبِي
وأنا امرؤ إن يَأخذُوني عَنْوَةً * أُقْرَنْ إلى سَيْر الرِّكاب وأُجْنَبِ
ويكونُ مَرْكبَك القَعُودُ ورحلُه * وابن النَّعامة عند ذلك مَرْكبي
أراد بابن النعامة: باطنَ القَدم. وسَبَى ابنُ هَبُولة الغَسَّاني امرأةَ الحارث بن عَمْرو الكِنْديّ، فَلحِقه الحارث فَقَتله وارتَجع المرأة، وقد كان نالَ منها. فقال لها: هل كان أصابَك؟ قالت: نعم واللّه، فما اشتملت النِّساء على مِثْله. فأوْثقَها بين فَرَسين، ثم استَحْضَرَهما حيث قَطّعاها، وقال في ذلك:
كل أنْثى، وإنْ بدَا لك مِنها * آيةُ الوُدِّ، عَهدُها خَيْتَعُورُ
إنَّ مَن غَرَّه النساءُ بوُدٍّ * بعد هِنْد لجاهلٌ مَغْرُورُ
وسَبَت بنو سليم ريحانة أختَ عمرو بن مَعْدِ يكرب فارس العَرب، فقال فيها عمرو:
أَمِنْ رَيْحانةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ * يُؤرِّقني وأصْحابي هُجُوعُ؟
وفيها يقول:
إذا لم تَسْتَطع أمرًا فَدَعْهُ * وَجَاوِزْه إلى ما تَسْتَطِيعُ
وأغار الحَوْفزان على بَنِي سَعْد بن زَيْد مَناة، فاحتمل الزرْقاءَ من بَني ربيع بن الحارث فأعْجبته وأعجبها، فوَقع بها. ثم لَحِقَه قَيْس بن عاصم، فاستَنْقَذها ورَدّها إلى أهلها بعد أن وقع بها”.
ولقد علقت على هذا فى كتابى: “هوامش على “تاريخ العرب” لفيليب حِتِّى” فقلت ما نصه: “أما ما قَرَفَ به الشعوبيون أعراضَ العرب مدعين أن السَّبِيّة العربية فى الجاهلية كان سُبَاتُها ينتهكون عرضها فى الطريق، ثم إذا ما استخلصها زوجها من أيدى الآسرين شرع يطنطن بأنه قد حمى عرضه وأنقذه من التلوث بعد أن يكون الآسرون قد اعتدَوْا على عرضه وانتهى الأمر، فهو زعم لا يصمد للتحليل. إذ من المفهوم أن الزوج فى هذه الحالة لا يضيع وقتا بل يهب لساعته مطاردا من خطفوا زوجته، ومعه بعض أفراد قبيلته بطبيعة الحال. وفى مثل تلك الظروف لا يكون هناك وقت أمام الخاطف كى ينزل عن ناقته أو فرسه فى الطريق ويستمتع بأسيرته، بل يعمل بكل طاقته على الاستمرار فى الهرب حتى لا يدركه الزوج المطارِد، بل لا تكون عنده فى الحقيقة أية رغبة سوى النجاة بنفسه وبخطيفته. ثم إنه ليس من المعقول أن تمكنه السبيّة من نفسها دون أية مقاومة. ذاك شىء يخالف الفِطَر. وعلى ذلك فما قاله العائبون على العرب فى هذه النقطة هو كلام فى الهواء غالبا، فلا يُلْتَفَت إليه. وإلا فلو كان ذلك الكلام صحيحا أكان يجد العربى فى نفسه الرغبة فى الافتخار بإنقاذ زوجته، بينما هو يعلم، وكذلك الجميع يعلمون، وأولهم الخاطف، أن العدوان على العِرْض قد وقع، أو كان يسكت عنه خصوم القبيلة فلا يردوا عليه ويسخروا منه ومن أوهامه وطنطناته التى لا تسمن ولا تغنى من جوع؟
أما الحكاية التى تقول إن ابن هَبُولة الغَسَّاني قد سبى امرأةَ الحارث بن عَمْرو الكِنْديّ، فَلحِقه الحارث فَقَتله وارتَجع المرأة، وقد كان نالَ منها، فقال لها: “هل كان أصابَك؟”، قالت: “نعم واللّه، فما اشتملت النِّساء على مِثْله”، فهو كلام لا يدخل العقل، إذ أين هى الزوجة التى تردّ بهذا الرد على زوجها فى ظروف كهذه؟ ودعك من معرفتها أن مصيرها حينئذ هو القتل الوَحِىّ. إنما هى حكاية ملفقة للإساءة إلى زوجها.
كذلك هل يمكن أن تكون صحيحة تلك الحكاية التى تقول إن بنى سليم قد سَبَوْا ريحانةَ أختَ عمرو بن مَعْدِيكَرِب فارس العرب، فاكتفى عمرو بنظم بضعة أبيات يفضح نفسه وأخته وبيته بل قبيلته كلها، وكان الله يحب المحسنين، ثم مضى فتغزل فى سلمى متدلها فى حسنها، متذكرا لهوه فى شبابه بأمثالها، بدلا من أن يكفأ على الخبر ماجورا ويكفى نفسه الخزى والعار؟ بالله أهذا وقت غزل واستعادة ذكريات وافتخار بلهو الشباب؟ أم هل من المعقول أن يكون هذا هو كل ما فعله الشاعر حين سُبِيَتْ أخته، لينساها بعد ذلك إلى الأبد فلا ثأر ولا محاولة لاستعادتها كرة أخرى؟
على أن التفسير الذى يصحب هذه الأبيات يتحدث عن زواج دريد بن الصمة لريحانة لا اعتدائه على عِرْضها غَصْبًا كما يقول الشعوبيون. وهناك تفسير آخر للأبيات يختلف عن هذا ويَفْضُله فى الإقناع، ولا صلة بينه وبين سَبْى أخت الشاعر بحال من الأحوال، إذ يتحدث عن زوجة للشاعر طلقها بتأثير بعض المخادعين، ثم لما استبان له أنه وقع ضحية للخداع أنشأ القصيدة المذكورة” .
لكن ليس معنى ردى على هذا السخف الشعوبى أن العرب لم يكن عندهم سِبَاء، بل كان هذا جزءا من نظامهم الاجتماعى كباقى الأمم الأخرى فى تلك الأعصر القديمة. فهل يُعْقَل أن العرب جميعا كانوا يعاملون الأسيرات عندهم دائما أبدا بالاحترام الذى افتخر حاتم الطائى بأنه كان يعامل به أسيراته من القبائل المعادية؟ بكل يقين هم لم يكونوا ملائكة مبرأين من كل مأخذ.
ومثلُ ذلك القولُ بأن كل انتصارات العرب كانت فى معارك واضحة صريحة لا خداع فيها ولا غدر ولا تضليل. ذلك مما لا يشاكل طبائع البشر. والحرب خدعة كما يعرف الناس جميعا. بل إن القبائل كان يُغِير بعضها على بعض ويُبَيِّت بعضهم بعضا، والغارة والتبييت عبارة عن هجوم مباغت، فلا صراحة فيه ولا وضوح. ثم إن الحروب لم تكن كلها سيوفا ورماحا حتى تكون المواجهة مباشرة دائما، بل هناك أيضا السهام مثلا، وهو سلاح يصوَّب من بعيد، ومن ثم لا اعتبار للمساواة بين القِرْنين، ولا مجال للفروسية وأخلاقها. بل لقد كان الملوك أنفسهم لا يتنزهون عن الغدر، فما بالنا بغير الملوك؟ ففى “الأغانى” أن تُبَّعًا استدعى أُحَيْحَة بن الجلاح من يثرب ومعه بعض رجال قومه، فظنوا أنه يريد أن يملّكهم على يثرب بلدهم. إلا أن أحيحة أكد لهم أنه إنما يريد الغدر بهم واغتيالهم ومصادرة ممتلكاتهم، وهو ما كاد أن يقع لولا أنه كان قد أخذ حذره لذلك مسبقا، وهرب من تبع قبل أن يضع يده عليه، إذ ترك قَيْنَته وفر راجعا يحتمى بأُطُمٍ لأهله بعدما لقن القينة كيف تتصرف عقب فراره حتى تشغل رجال تبع فلا يستطيعوا اللحاق به. وهذا كله، وهو مجرد عينة ضئيلة مما كان يقع فى الجاهلية، يبين لنا بقوةٍ أن الأمر على غير ما وصفه لنا أدونيس، الذى لم يكن يوثِّق ما يقول أو يستوثق منه، بل ينطلق فى كلام إنشائى يسود به الصفحات ليس له فى العلم كبير قيمة.
وبالنسبة للحب يذكر أدونيس أن تلك العاطفة عند العربى كانت تنطلق من الجسد، وأن العيد الأول فى حياة العربى هو عيد الجسد حيث تتوحد الشهوة واللذة والنشوة . لكن أدونيس لا يتركنا نهدأ، بل سرعان ما يضيف أن هناك، إلى جانب هذاالنوع من الحب، الذى جعله هو الحب الوحيد كما رأينا، حبا عذريا . ولو كان دقيق الفكر والعبارة لقال منذ البداية إن هناك لونين من الحب. لكن لأنه مندفع لا يبالى أين يقع كلامه وجدناه يقول بجسدانية الحب العربى، وهو ما يدل على إيمانه بأنه هو اللون الوحيد من الحب لديهم، لنفاجأ كعادتنا مع ما يكتبه أدونيس أن هناك نوعا آخر من الحب هو الحب العذرى. وهذا تناقض سببه عدم الدقة فى الكلام بل عدم الدقة فى التفكير. وهناك عيب آخر فى أدونيس ظهر أثناء تناوله لهذه القضية أيضا هو أنه يلجأ إلى العبارات المهوشة التى لا يحصِّل منها القارئ شيئا، فأدونيس مغرم بالكلام المجعلص الذى يصدع الدماغ ثم لا يخرج الإنسان منه بطائل، فمعظم ما كتبه فى الموضوع الذى نحن بصدده هو، فى الواقع، قشر لا وظيفة له.
ومن كلام أدونيس الإنشائى الذى يكذبه الواقع أيضا قوله إن “العالم بالنسبة إلى الشاعر العذرى صورة شفافة لحبيبته. كل شىء فيه يصير على مثال حبه: يصفو، يتلألأ، يخلع ثوبه الكثيف المعتم ويصير روحا”. وبعد عدد من الشقلباظات البهلوانية التى لا نخرج منها بشىء يضيف قائلا إن الشاعر العذرى “يدرك بفطرته الميل الغريزى عند المرأة للمعذَّبين الذين صعقهم القدر، وبالتالى لمواساتهم والتخفيف من آلامهم. لهذا كان يقدم نفسه لحبيبته فى حركة من التعاطف الأولى، ويصور نفسه جريحا معذبا ويدعوها إلى أن تبادله حبه ليتم شفاؤه. إنه بذلك يصور لها أعماقها، فهى بغريزتها لا تريد أن ترى فى العالم إلا الطفولة التى لا يجوز لها أن تعذَّب أوتشوَّه”. ثم يعود أدونيس بعد هذه الأسطر، التى استطعت أن أستخلصها من بين كثير من الجمل التى لا أحقق لها معنى، إلى ما كان فيه من شقلباظات بهلوانية.
ولكن هل الأمر كما صوره أدونيس؟ هل عند المرأة، المرأة بإطلاق، أى بـ”ألف ولام” الماهية، ميل غريزى للمعذبين الذين يصعقهم القدر تواسيهم وتخفف آلامهم… إلى آخر ما قاله؟ فمن إذن يا ترى كان يعذب هؤلاء الشعراء العذريين؟ إنها المرأة. لو أن أدونيس قال إن لدى بعض النساء هذا الميل المشار إليه لكان مصيبا، أما أن يعمم هذا على كل النساء فهو مصيبة. وفرق بين أن يكون الإنسان مصيبا وبين أن يكون مصيبة بل كارثة. ولو ذهبنا نستقصى أخبار العذريين لوجدناهم فى الأغلب الأعم يحبون من طرف واحد ولا تبادلهم حبيباتهم حبا بحب، فهن لا يهتممن بهم ولا يلتفتن إلى صراخهم ولا يبالين بهم أوبالنيران المشبوبة فى قلوبهم، تلك التى تحول حياتهم إلى سعير، بل يتزوجن رجالا آخرين غيرهم. والمرأة، فيما يبدو، تميل إلى الرجل المقتحم لا الذى يبقى فى مكانه يولول وينظم الشعر فى التعبير عن هيامه بها تاركا الآخرين يفوزون بها قبله.
ولو كان المحبون يفوزون بقلوب حبائبهم بسبب ما يقولونه لهن من كلام جميل رائع فى التعلق بهن والثناء على حسنهن لكان الشعراء العذريون أول الناجحين فى دنيا الغرام. لكن الواقع غير ذلك. فكم من امرأة نظم عاشقها أشعارا ملتهبة فيها لكنها لم تستجب له، بل ربما زادتها تلك الأشعار نفورا منه على نفور. وفى أحسن الأحوال قد تفرح، زَهْوًا منها وتِيهًا على بنات جنسها، بما ينظم من شعر يعبر عن تعلقه العنيف بها، ثم لا شىء بعد ذلك. ذلك أن الحب ليس هو الناحية النفسية وحدها تلك التى يركز عليها الشعراء العذريون، بل الناحيتين: النفسية والجسدية. أما الحب النفسى وحده فحب ناقص لا يلبى نداء الطبيعة البشرية كما ينبغى أن تكون التلبية.
وأذكر أن الشاعر كامل الشناوى كان مغرما بإحدى المطربات، ثم رآها ذات مرة مع قَصّاص فى مكان بعيد عن العيون يناجيها وتناجيه، ويمسك بيدها ويميل عليها وما إلى ذلك مما يفعله بعض العشاق فى الخلوات أو شبه الخلوات، فانصرف متألما غاية الألم ونظم قصيدة رائعة يعبر فيها عن لهيب الحب الذى يقاسى نيرانه وما صنعته تلك المطربة بقلبه جراء ما فعلته مع القصاص الذئب. ثم زاد فأعطاها القصيدة كى تقرأها فتفهم ما يجنه قلبه لها من وله، فما كان منها بعدما قرأت القصيدة الجميلة إلا أن أبدت إعجابها بها ورغبتها فى غنائها، وهو ما كان، ثم لم تنوّله قلبها رغم هذا، بل بقيت العلاقة بينهما كما كانت قبلا: هى تعطى قلبها لسواه، أما هو فللشعر والحرمان والآلام.
هذا، ولا ينبغى أبدا أن يغيب عن بالنا أنه متى ما نال الشخص قلب حبيبته وصار مطمئنا من جانبها فإن الحب يهدأ عنده، وقد يخبو. ومن هنا لا نجد، إلا فى الشذوذ الذى لا يقاس عليه، حبا ملتهبا ولا شعرا مولها بين الأزواج، اللهم إلا أن تكون الزوجة قاسية لا تبذل قلبها، أو لا تبذله بما فيه الكفاية، لزوجها. وكثيرا ما أقول: لو أن ابن زيدون مثلا كُتِبَ له أن يحصل على ولادة ويتزوجها لخبت نيران ذلك الحب العبقرى الذى كان وراء نونيته العجيبة التى لا يوجد مِثْلَها كثير من الشعر إبداعا فنيا وتوهجا عاطفيا وروعة أسلوبية. ومن ثم فإن القصائد التى ينظمها العذريون هى أكبر دليل على نقيض ما يقوله أدونيس، إذ لو كانت المرأة التى يقع العذرى فى هواها تعطف عليه لانتهى عذابه فى الحال. وأخيرا هل كان هناك شعراء “عذريون” (بهذا الاسم) جاهليون خالصو الجاهلية؟ إن الدارسين يقولون إن أولئك الشعراء إنما ظهروا فى عصر بنى أمية، ولم يكن منهم قبل ذلك إلا عروة بن حزام، كما هو الحال لدى د. طه حسين فى الجزء الأول من كتابه: “حديث الأربعاء”. وقد مات عروة سنة30 للهجرة، فهو إذن مخضرم لا جاهلى. أما صاحب “الأغانى” فقد وصفه (فى الفصل الخاص بأخباره) بأنه أحد “المتيَّمين”، مَثَلُه فى ذلك مَثَلُ المرقّش الأكبر وعبد الله بن العجلان، وإن كان قد جعله إسلاميا لا مخضرما، كما نص على أنه من قبيلة بنى عُذْرة. لكنْ هناك فى المقابل د. يوسف خليف، الذى يرى أن الجاهلية عرفت شعراء يشبهون الشعراء العذريين يسمَّوْن: “المتيَّمين” ، وهو ما وجدناه عند الأصفهانى. إلا أننا حتى لو قلنا بما يقوله د. خليف لقد كان أحرى بأدونيس أن يعرف أن مصطلح “العذريين” لم يكن معروفا فى الجاهلية، ومن ثم لم يكن ينبغى أن يتحدث عن حب عذرى ولا محبين عذريين قبل الإسلام، بل عن “متيَّمين”. فهو، فى أحسن الأحوال، قد استعمل مصطلح “العذريين” فى غير موضعه ولا سياقه الصحيح. وبالمناسبة فإننا لا نذهب مذهب د. طه حسين، الذى يؤكد أن الشعراء العذريين ليس لهم وجود أصلا . وقد سبق أن رددت عليه فى كتابى: “من قضايا الدراسة الأدبية المقارنة” فى الفصل الخاص بقصة مجنون ليلى وانتقالها من الأدب العربى إلى غيره من الآداب كالأدب الفارسى والأدب الأوردى والأدب التركى.
وبعدكل هذا الذى قاله أدونيس فى موضوعنا الحالى يعود فيقول إن فى الجسدية، شأن العذرية، بعدا روحيا ونارا سحرية تدفئ وتضىء. ثم يعود مرة أخرى فيقول إن الحب الجسدى هو إله يُعْبَد، وإن كان إلها ملعونا. ثم يقفز قفزة أخرى من قفزاته البهلوانية قائلا إن المرأة هى، بالنسبة إلى الشاعر الجاهلى، مكان يتصالح فيه مع الزمان والموت. أما كيف ذلك فهو كلام، والسلام. وإذا كنا قد قرأنا عند أدونيس أن الشاعر الجاهلى كان يعيش حياته منفصلا عن العالم لا تربطه به آصرة، بل تفصل بينه وبين العالم وأشيائه هاوية تشعره بنقصه، وتجعله كئيبا معتزلا منتظرا متململا مغامرا، فها هو ذا أدونيس نفسه لا أحدٌ آخرُ يعود فيقول إن غاية الشاعر الجاهلى هى التحدث مع الواقع ووصفه والشهادة له دون أية محاولة من جانبه أن يرى فى ذلك الواقع أكثر مما فيه فعلا. ثم يضيف أنه كان بريئا أمام الطبيعة، واقعيا غنائيا صافيا، يشهد للأشياء المحيطة به بروح التعاطف، ويغنى للفرح والمأساة، وللغبطة والكآبة، وللحب والكراهية، وللتمرد والرضا، وللرجاء واليأس . ولا أدرى فى الواقع كيف يتسق هذا الذى يقوله الآن مع ذاك الذى قاله قبلا! أما قوله عقب ذلك إن الشاعر الجاهلى كان يريد أن يتشيأ فيكون خيمة وامتدادا صحراويا وليلا فهذا ليس نقدا ولا علما، بل هو بهلوانيات، ولا داعى لأن أقول شيئا آخر.
ثم يعود مرة ثالثة ليقول إن الشاعر الجاهلى، لكونه يرى الأشياء تعبر كالغيم وسرعان ما تضيع، كان يتشبث بالحاضر ويملأ المسافة بينه وبين العالم فيشعر بالسيادة على الطبيعة بعد أن يثأر منها. ثم يقول كذلك إن الصحراء فضاء متشابه أو يكاد لا يتغير، فما نراه أمس نراه اليوم، وسوف نراه غدا . وكما يرى القارئ الكريم لا يستقر أدونيس على كلام واحد، إنما هى خطرات من وساوسه تنشأ ثم تذهب لتعقبها خطرات أو وساوس أخرى تنشأ ثم تذهب… وهكذا دواليك. أما قوله إن الصحراء من حول الشاعر الجاهلى كانت ثابتة لا تتغير أو لا تكاد، فهو كلام غير صحيح، إذ التغير فى الصحراء أسرع منه فى الحضر. كيف؟ إن الرياح تحمل الرمال من مكان إلى آخر، والسيول تجرف أمامها كل شىء، والكثيب الذى كان موجودا أمس فى هذا المكان أو ذاك سرعان ما يزول متى ما هبت الريح أو هطلت السيول ولا يعود هناك، فتتغير معالم الصحراء سريعا. وهذا يفسر لنا الشكوى التى نسمعها من ذلك الشاعر حين يمر على مضارب قبيلة حبيبته فيجدها قد تغيرت بسبب الريح والأمطار، ويصير من الصعب عليه أن يتعرفها. لنستمع إلى النابغة الذبيانى إذ يقول:
أَهاجَكَ مِن سُعداكَ مَغْنَى المَعاهِدِ * بِرَوْضَةِ نُعْمِيٍّ فَذاتِ الأَساوِد؟ِ
تَعاوَرَها الأَرْواحُ يَنسِفنَ تُرْبَها * وَكُلُّ مُلِثٍّ ذي أَهاضيبَ راعِدِ
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وَخَنساءَ تَرعَوي * إِلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَملِ فارِدِ
أو إلى زهير بن أبى سلمى:
قِفْ بِالدِّيارِ الَّتي لَم يَعْفُها القِدَمُ * بَلَى، وَغَيَّرَها الأَرْواحُ وَالدِّيَمُ
أو إلى طرفة بن العبد:
أَشَجاكَ الرَّبْعُ أَم قِدَمُه * أَمْ رَمادٌ دارِسٌ حُمَمُه
كَسُطُورِ الرّقِّ رَقَّشَهُ * بِالضُّحَى مُرَقِّشٌ يَشِمُه
لَعِبَت بَعْدِيَ السُّيُولُ بِهِ * وَجَرَى في رَيِّقٍ رِهَمُه
أو إلى لبيد بن ربيعة (وهو، رغم خضرمته، يصح الاستشهاد به فى هذا السياق لأننا نتحدث عن ظاهرة مستمرة لم تنته بانتهاء العصر الجاهلى):
عَفَتِ الدِيارُ مَحَلُّها فَمُقامُها * بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُها
فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها * خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعدَ عَهدِ أَنيسِها * حِجَجٌ خَلَونَ: حَلالُها وَحَرامُها
رُزِقَت مَرابيعَ النُجومِ وَصابَها * وَدقُ الرَواعِدِ جَوْدُها فَرِهامُها
مِن كُلِّ سارِيَةٍ وَغادٍ مُدْجِنٍ * وَعَشيَّةٍ مُتَجاوِبٍ إِرزامُها
فَعَلا فُرُوع الأَيهُقانِ، وَأَطفَلَت * بِالجَهْلَتَينِ ظِباؤها وَنَعامُها
وَالعِينُ ساكِنَةٌ عَلى أَطلائِها * عُوذًا تَأَجَّلُ بِالفَضاءِ بِهامُها
وَجَلا السُيولُ عَنِ الطُلولِ كَأَنَّها * زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أَقلامُها
أَو رَجْعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نُؤُورُها * كِفَفًا تَعَرَّضَ فَوقَهُنَّ وِشامُها
ومن يقرأ معلقة امرئ القيس مثلا يَرَ كيف جرفت السيول أمامها كل شىء، واقتلعت الأشجار الضخام وأغرقت الحيوانات الوحشية فبدت “كأنها أنابيش عُنْصُل”… إلخ:
أَحارِ، تَرَى بَرْقًا أُريكَ وَميضَهُ * كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضيءُ سَناهُ أَو مَصابيحَ راهِبٍ * أَهانَ السَّلِيطَ في الذُّبَالِ المُفَتَّلِ
قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بَينَ حامِرٍ * وَبَينَ إِكامٍ. بُعْدَ ما مُتَأَمَّلِ!
وَأَضْحَى يَسُحُّ الماءُ عَن كُلِّ فِيقَةٍ * يَكُبُّ عَلى الأَذقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وَتَيْماءَ لَم يَتْرُك بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ * وَلا أُطُمًا إِلا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً * مِنَ السَّيْلِ وَالغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
كَأَنَّ أَبانًا في أَفانينِ وَدْقِهِ * كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
وَأَلْقَى بِصَحْراءِ الغَبيطِ بَعَاعَهُ * نُزُولَ اليَمَانِي ذي العِيَابِ المُخَوَّلِ
كَأَنَّ سِباعًا فيهِ غَرْقَى غُدَيَّةً * بِأَرجائِهِ القُصْوَى أَنابيشُ عُنْصُلِ
عَلى قَطَنٍ بِالشَيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِ * وَأَيْسَرُهُ عَلى السِّتارِ فَيَذْبُلِ
وَأَلقى بِبَيْسانٍ مَعَ اللَيلِ بَرْكَهُ * فَأَنزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ
ثم إن العرب المتبدِّين لا يسكنون الصحارى القاحلة التى ليس فيها عشب ولا ماء، بل ينزلون الأماكن المعشبة التى توجد فيها آبار المياه كى تأكل ماشيتهم وتشرب. حتى إذا جفت الآبار وأتت الإبل والأغنام على الأعشاب رحلوا عنها وخلَّفوها إلى غيرها حيث يوجد العشب والماء. فالبدو إذن لا يسكنون بيئة ثابتة لا يعتريها أى تغير كما يتصور بعض الناس. أما فى القرى والمدن فالمبانى والشوارع والمعالم ثابتة إلى حد بعيد، ولا تتغير إلا بعد مرور وقت طويل، وبالتدريج، بحيث لا يحس الإنسان بذلك التغيير. ولهذا لا نسمع أن رجلا قد ضل الطريق وضاع فى الحضر، بخلاف ما يقع كثيرا فى الصحراء من تَيَهَان الكثيرين وضياعهم وهلاكهم ما لم تتداركهم رحمة الله، فعندئذ تُكْتَب لهم حياة جديدة. وعلى هذا فإننى لا أستطيع أن أفهم أدونيس، الذى يبدو وكأنه يتعمد مدابرة المنطق والحكمة فى كل ما يكتب.
ومرة أخرى كعادة أدونيس فى الاندفاع الأهوج نحو إصدار الأحكام نراه يؤكد أن شعور الجاهلى بالقوة الخارقة للدهر التى لا يمكن مقاومتها، إذ تأخذ كل شىء وتغير كل شىء ، قد أدى إلى انغراس الكآبة فى الروح العربية والشعر العربى حتى لقد صارت الكآبة فطرة فيها وطبيعة، إذ ثمة حسرة فى الشعر الجاهلى تبطِّن حتى الفرح . وكعادة أدونيس أيضا لا يحاول أن يسوق ولو دليلا واحدا من ذلك الشعر الذى يدعى عليه الدعاوى. لقد بذل الرجل ما فى وسعه فأورد بضع جمل وأنصاف جمل فى بداية الفصل حسمت الأمر بالضربة القاضية، وانتهى الأمر. وكل ما علينا بعد ذلك أن نتجرع ما يقوله دون أية محاولة للتحقق أو المراجعة، إذ يكفى أن يقوله أدونيس حتى نصدقه من فورنا مهما تكن مناطحته لواقع الحياة. ترى أين الكآبة فى الشعر العربى؟ لاحظ أنه يتحدث عن الروح العربية والشعر العربى كله لا الشعر الجاهلى وحده. أما محاولة إقناعنا أن العربى حتى فى أشد لحظات الفرح يظل كئيبا فلا أدرى كيف تدخل العقل. نعم، كيف يكون الإنسان فرحا، وفى ذات الوقت مكتئبا؟ وحتى لو قصرنا هذا الحكم المضحك على الشعر الجاهلى وحده، فأين الدليل يا ترى؟ أمن الممكن أن يكون الاكتئاب هو سمة عصر بكامله؟ فكيف يا ترى؟ هل كان الجاهليون كلهم، ودعنا من بقية عصور التاريخ العربى، يمضون حياتهم جمعاء فى الحزن والصمت واليأس قد وضعوا أيديهم على خدودهم وغرقوا فى آبار أنفسهم منسحبين من الحياة كما هو حال المكتئبين؟ أَوَكانوا، حتى حين يقامرون ويمارسون الجنس ويشربون الخمر ويتعاركون وينتقمون ويتفاخرون ويمدون يد العون للمستضعفين والمكسورين وينظمون الشعر ويخطبون ويرعَوْن ماشيتهم ويسافرون ويتاجرون، حزانى مكتئبين لا يضحكون ولا تَفْتَرّ شفاههم عن أسنانهم ولو ببصيص ابتسامة؟ لقد رأينا أدونيس قبل قليل يؤكد أن الشاعر الجاهلى كان يشهد الأشياء المحيطة به بروح التعاطف، ويغنى للفرح والمأساة، وللغبطة والكآبة، وللحب والكراهية، وللتمرد والرضا، وللرجاء واليأس. فكيف يتسق هذا مع ما قاله عن الاكتئاب المزمن عند ذلك الشاعر؟ والغريب أن أدونيس بعد ذلك كله يزعم أن حس الفروسية الجاهلية هو حس الكفاح ضد الدهر . أى كفاح يا ترى بعدما جَعَلْتَ الكآبة والخنوع لحوادث الدهر سمتين من سمات الشخصية العربية آنذاك؟
ثم بعد بضع شقلباظات أدونيسية أخرى ينتهى إلى القول بأن حس الجاهلى بالدهر يتضمن حس التقطع، فقد كان الشاعر قبل الإسلام إنسانا متقطع الحياة والحساسية، فاللحظات التى يعيها متفتتة مبعثرة تجهل سآمة اللذة الطويلة، ولا تعرف غير شرارها المفاجئ والسريع التلاشى فى آن. كما أنه كان يجهل النظام جهلا تاما سواء كان هذا النظام عقليا أو اجتماعيا. هذا ما قاله أدونيس، ولا أريد أن أدخل فى مناقشة كلامه هذا، وإلا ما انتهيت. لكنى أريد أن أناقش ما سوف يقوله عقب ذلك، وهو أن هذا الوضع الوجودى قد انعكس فى شكل الشعر آنذاك، إذ كيف “يتأتى لشاعرٍ هذه حياته أن ينصرف إلى بناء القصيدة والمؤالفة بين أجزائها؟ هكذا كانت القصيدة الجاهلية دون تأليف: لا تلاحم فى أجزائها، وليس لها إطار بنائى. إنها قصيدة متحركة تتبع منحى انفعاليا، وتمضى حيث يحملها شعور دائم التغير. إن تفكيكها الخارجى طبيعى إذن. هو رداء الشعور المتحرك الداخلى. إنها قصيدة ترسم أيام القلب. إنها صورة بالكلمات عن المكان- المتاه، المكان- الصحراء. أعنى أنها أشكال واحدة رتيبة، لكن الرتابة هنا طريفة، وتمكن تسميتها: رتابة التنوع”…” .
ولقد سبق أن قلنا إن الصحراء لم تكن ثابتة على النحو الذى يتوهمه، بل كانت تخضع للتغير، وإن الجاهليين على كل حال لم يكونوا يسكنون المناطق الرملية القاحلة، وإلا لماتوا هم وأنعامهم، إذ من أين لهم أو لحيواناتهم بالطعام والشراب فى مثل هذه الرمال التى تخلو من الكلإ والماء؟ لقد كانوا ينزلون حيث يتوفر الماء والكلأ لا وسط الرمال الجافة. ثم هل كان العربى فى الجاهلية يجهل النظام جهلا تاما؟ ألم يكن يخضع للنظام القبلى بعاداته وتقاليده وأعرافه ودينه وكاهنه وشيخ قبيلته؟ ألم يكن مصيره الخلع من القبيلة إذا خرج على هذا النظام؟ لقد كان عرب الجاهلية يعرفون النظام فى حياتهم، لكنه نظام مختلف عن النظام الذى نعرفه نحن. إلا أن هذا الاختلاف لا يسوغ لنا الزعم بأن حياتهم كانت تفتقر إلى النظام. ولنفترض أنهم لم يكونوا يعرفون النظام فعلا، ألم يعرفه العرب بعدما جاء الإسلام وأسسوا دولة لها حكومة وشريعة؟ فكيف يفسر أدونيس استمرار الشعراء العرب حتى أوائل العصر الحديث فى تعديد موضوعات قصائدهم فى بعض الأحيان؟ بل كيف يفسر لنا أدونيس تفكك شعره هو نفسه لا بتعدد موضوعاته، بل بانفصال كل كلمة فيه عن جارتها بحيث يستحيل فى كثير من الأحيان الخروج بشىء من قصائده رغم أنه لا يعيش فى العصر الجاهلى، بل يعيش فى عصرنا وفى فرنسا؟ وكيف يا ترى يفسر أدونيس تفكك أفكاره على النحو الذى استبان لنا فى كتابه هذا فلا تؤدى فكرة فيه إلى ما يليها، إذ كثير منها لا يزيد عن أن يكون مجرد شقلباظات فى دنيا الفكر، أوبالأحرى: فى دنيا اللافكر؟ ثم هل كانت القصائد فى الجاهلية كلها متعددة الأغراض؟ صحيح أن بعض القصائد كانت تشتمل على عدة موضوعات، لكنْ صحيح أيضا أن بعض القصائد الأخرى لم تكن تعرف هذا التعدد. وقد استمر الأمر على هذا الوضع طوال تاريخ الشعر العربى حتى بدايات العصر الحديث.
أما قوله بعد ذلك بقليل إن “القصيدة الجاهلية خيمة. هى كذلك مليئة بأصوات النهار وأشباح الليل، بالسكون والحركة، بالحسرة وانتظار الوعد. هى شىء يحيط به الفضاء من كل جانب، ملىء بالتجاويف، يتخلل ويترنح، ويجلس فى الحرارة الشاغرة. إنها فضاء الشاعر إلى جانب الفضاء الآخر المحيط” ، أما قوله هذا فقد أوردتُه فقط لتسلية القراء والترفيه عنهم، فهو كلام لا معنى له، ومن هنا كان مضحكا مسليا. إنه هلوسات كهلوسات المحموم حين يذهب فى غيبوبة لا يدرى فيها ما يقول. ثم يضيف أن “الشعر الجاهلى صورة الحياة الجاهلية: حِسِّىٌّ غَنِىٌّ بالتشابيه والصور المادية” . فهل هناك شعر بدون تشابيه وصور مادية؟ ثم ما المقصود بالحسية هنا؟ أتراه يقصد أن الجاهليين لم تكن لهم اهتمامات عاطفية وفكرية وأخلاقية؟ لكن هل هناك بشر ليس لهم عواطف ولا أفكار ولا أخلاق؟ ألم يكن الجاهليون يحبون ويسعدون لهذا الحب إذا أقبلت عليهم حبائبهم، ويتألمون إذا هجرنهم وغدرن بهم؟ ألم تقل أنت نفسك يا أدونيس إنهم كانوا ذوى موقف وجودى من الحياة؟ ألم تكن لهم قيمهم الأخلاقية التى يحرصون أشد الحرص على احترامها والانصياع لها؟ فكيف يقال عنهم إنهم كانوا حسيين تامى الحسية؟ كذلك نرى أدونيس يؤكد أن القصيدة الجاهلية لم تكن تحاول خلق الواقع بل تكتفى بالتحدث عنه دون أن يفكر صاحبها فى تغيير حياته . ترى كيف نسى بهذه السرعة ما قاله قبلا من أن الشاعر الجاهلى كان يسعى إلى إخضاع هذا العالم؟
ويختم أدونيس فصله هذا عن الشعر الجاهلى بقوله إن الحياة، بالنسبة للشاعر الجاهلى، “فرح مقبول سلفا، وإيمان يوجه الحياة والحساسية. الوضع أولا، ثم يأتى الشعر فيثبته ويغنيه ويمجده ويهلل له. الشعر الجاهلى سهم مرشوق لا ينظر إلا أمامه: لا يحيد ولا يلتفت إلى الوراء” . فأما أن الشعر الجاهلى سهم مرشوق… إلخ، وإن كنت لا أدرى أين بالضبط تم رشقه، فأرجو من القراء أن يُعَدّوا عنه لأنه كلام لا معنى له مما يبرع فيه أدونيس وأمثاله من أصحاب الكلام المجعلص الذى لا يشير إلى شىء. وأما أن الحياة بالنسبة للشاعر الجاهلى فرح مقبول سلفا وإيمان يوجه الحياة والحساسية فمن الواضح أنه لا يمكن أن يستقيم مع القول بأن الشاعر الجاهلى كان فى حالة اكتئاب. وهذا تناقض آخر من تناقضات أدونيس، الذى يكتب من وحى اللحظة ولا يفكر فيما سبق ولا فيما هو آت من كلامه. إنه يكتب كتابة مفتتة لا يتصل بها ببعض، كتابةً ذَرِّيّة، أى مكونة من ذرات متناثرة غير متماسكة، كل ذرة منها تمضى فى اتجاهها الخاص لا تربطها بالذرات الأخرى أية وشيجة. والمصيبة أن الرجل يتكلم جادا، والمصيبة الأشد أن هناك حواريين له يَرَوْن فى هذا الكلام الفارغ فكرا تقدميا حداثيا ينبغى الأخذ به لتغيير وجه العالم إلى الأفضل. أَىّ “أفضل”، والحكاية من أولها لا تطمئن ولا تنبئ بخير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القول الصحيح في وسائل الإعلام سلسلة مقالات تهدف إلى تقويم اللسان وتصحيح الأخطاء الشائعة في وسائل الإعلام 40

نصير محمد إعلامي وباحث في اللغة العربية. من أخطاء الترجمة تغطية coverage يطرق …