أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / من خصائص الإسلام : الربانية

من خصائص الإسلام : الربانية

الدكتور منير جمعة

الأستاذ المساعد بجامعة أم القرى سابقا
عرض مقالات الكاتب


رمضان شهر التربية ، والتربية مصطلح جميل ، ومعنى جليل ، وهي من خصائص الإسلام التي لا يقوم الإسلام في نفس العبد بدونها ، ولا غنى لكل المسلمين عن الإلمام بها .
أولاً : مدلول الربانية ومعناها :
الربانية نسبة إلي الرب ، وقد وردت هذه الكلمة في قوله تعالي : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79) .
والرباني علي قول سيبويه منسوب إلي الرب علي معني التخصص بمعرفة الرب وبطاعته وعلي قول المبرد منسوب إلي التربية ، علي معني أن الربانية أرباب العلم ، فهم الذين يربون الناس ويعلمونهم ويصلحونهم. ( انظر تفسير مفاتيح الغيب للرازى 8/122-123).
وجاء في الظلال : ” كونوا ربانيين : منتسبين إلي الرب عباداً له وعبيداً ، توجهوا إليه وحده بالعبادة ، وخذوا عنه وحده منهج حياتكم حتى تخلصوا له فتكونوا ربانيين …. ” ( الظلال 1/621 ) .
ثانياً : أنواع الربانية وصورها :
1- ربانية المصدر :
معناها:أن الشريعة – كالعقيدة – مصدرها خالق الكون سبحانه ، الذي يعلم ما ينفع وما يضر: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: من الآية216) وليست ناشئة من تصور بشري ، أو إرادة فرد أو طبقة أو حزب : ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (النمل:6) .
الدليل عليها: كثير من النصوص القرآنية كقوله تعالي : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثـية:18) وقوله تعالي : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِن ْأَمْرِنَا)(الشورى: من الآية52) .
ومصادر الشريعة إما مصادر أصلية منشئة للأحكام كالقرآن الكريم ، أو مصادر تبعية كالسنة التي تكشف عن حكم الله ، ولا تنشئه لقوله تعالي : ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ )(المائدة: من الآية99) وكذلك الإجماع والقياس …. إلخ .
ولا يصح القول بأن من مصادر التشريع ما هو نقلي سماعي ، ومنها ما هو عقلي لأن العقلي هو ما استقل العقل بإيجاده ، وانفرد بإحداثه ، وليس من مصادر الشريعة ولا من أحكامها ما هو كذلك ، فليس للعقل مدخل في إيجاد شريعة بأمر أو نهي ، إذ كل مسألة لا دليل عليها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الصحيح لا تلزمنا وليست حجة علينا.
2- ربانية الغاية :
معناها : أن سائر التشريعات الإسلامية لها غاية واحدة تتجسد في مرضاة الله سبحانه ، وربط الناس به ، مهما تعددت مجالاتها ، وتنوعت صورها وأشكالها.
الدليل علي ربانية الغاية كثير من النصوص القرآنية التي تصرح بأن عبادة الله ، وابتغاء وجهه هي هدف كل جهد بشري فردي أو جماعي ، يقول سبحانه : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) ، ويقول سبحانه : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ)(البقرة: من الآية207) .
والمأمورات والمنهيات الواردة في القرآن الكريم ، لا يتصور الامتثال لما فيها إلا من غمر الإيمان قلبه ، وجعل من الفوز برضا خالقه غاية الغايات التي يعمل لها في جلوته وخلوته .
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الغاية باصطلاحات متعددة ، فتارة يطلق عليها ( سبيل الله ) كما في قوله تعالي : ( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )(النساء: من الآية76) وتارة يسميها ( ابتغاء وجه الله ) كقوله سبحانه : ( وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ)(البقرة: من الآية272) وقوله : ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ )(الرعد: من الآية22) وتارة يسميها الإخلاص : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(البينة: من الآية5) .
3- ربانية الوسيلة :
معناها : أن الوسائل التي يراد التوصل بها إلي رضا الله سبحانه ، يجب أن تكون وسائل يرضاها الله سبحانه ، ويقرها شرعه الحنيف ، فالغاية الشريفة لابد لها من وسيلة شريفة فما عند الله لا ينال بغير طاعته : ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(لأعراف: من الآية43) .
الدليل عليها : أن الله سبحانه رفض التحايل لعدم تطبيق الأحكام ، كما في قصة أصحاب السبت ، إذ سمي صيدهم فيه عدوانا ، فقال سبحانه : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف:163) .
ومن الأدلة أيضاً رفض البدعة ، مع أن صاحبها يريد بها التقرب إلي الله ، فقد جاء في الحديث المتفق عليه : ” من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ” .
ومن الأدلة أيضاً : رفض التصدق بالمال الحرام علي الفقراء والمساكين : “ إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ” ( رواه مسلم عن أبي هريرة ) .
ثالثاً : آثار الإيمان بالربانية :
الإيمان بربانية المصدر يعني أنه لا خيار للمسلم في قبول أحكام الإسلام لأنها من عند اللطيف الخبير ، قال سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) .
والإيمان بربانية الغاية يحرر الإنسان من عبودية غير الله ، فلا تستعبده أنانيته وشهواته ، ولا يستهويه مال أو منصب ، فقد جاء في الحديث : ” تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض ” ( رواه البخاري ) .
والإيمان بربانية الوسيلة ، يحقق للمسلم الانضباط في حركته في الحياة ، فلا يقدم علي عمل حتى يتحقق من مشروعيته ، بل يجعله يفر من الشبهات لأنها تؤدي إلي الحرام ، كما جاء في الحديث الصحيح : ” …. فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمي يوشك أن يقع فيه ” .
والإيمان بالربانية عموماً يفجر في الفرد طاقات ثلاث :
طاقة الفعل – وطاقة التحدي – وطاقة الاستمرار
وهو ما ظهر في قصة سحرة فرعون ، فقد ولد إيمانهم بأن ما جاء به موسى مصدره الله سبحانه وتعالي وليس البشر – ولد طاقة الفعل فخروا ساجدين ، ثم لما تحداهم فرعون قبلوا التحدي ولم يتراجعوا ، ثم ثبتوا علي ما هم عليه واستمروا إلي أن نفذ فرعون تهديده ، لأنهم أيقنوا أن ما عند الله خير وأبقي فالربانية إذن تفجر هذه الطاقات الثلاث وتترك هذا الأثر الجليل . وهذا الأثر هو الذي يجعل المؤمنين في زماننا هذا يثبتون علي الحق ، علي الرغم من العقبات والمحن الشديدة ، ويتحدون الباطل بكل غروره وصلفه ، والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تفسير الآية الثامنة من سورة “الرعد بين الشعراوي ود . إبراهيم عوض

أ.د. إبراهيم عوض كاتب ومفكر مصري. تفسير الشيخ الشعراوى رحمه الله: يقول الحق …