أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / (ما شقيتش بيهم!)

(ما شقيتش بيهم!)

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

في كل عام تتسابق وسائل الإعلام بغثها وسمينها وملياراتها وقنواتها لإنتاج الأعمال الدرامية، وتلميع أناس لو كان للأمة إمام أو قاض لحجر عليهم.

هؤلاء الذين يأخذون الملايين مقابل أعمال أحسن ما يقال فيها أنها مبتذلة، مقابل العري ونشر الرذيلة، وجلَّ ما يفعلونه عمل لو قِيس بمقاييس الأعمال والأجور لما استحق قيمة.

يأذن الله تعالى لمقطع فيديو بسيط انتشر كالشمس في الأفق، والنار في الهشيم، لمذيع يجوب الشوارع ويرصد ردات الفعل، يريد أن يقدم مساعدة لأرملة، مات عنها زوجها، ولا يعلم حالها الا الله، ولكي لا تشعر بالمهانة اخترع سؤالا صوريا فأجابت عليه، فقدم لها المال، وقال لها لقد ربحتِ معنا، فارتابت قليلاً في تناوله، وقالت له كلمة اهتزت لها صفحات التواصل، وقلوب الملايين، وأفئدة السالكين، وأيدي الملكين:

(هي كدا حلال؟ عشان أنا ما اشقيتش بيها)..

جملة لن يفهما المفسدون في الأرض أهل الشرور..

امرأة أرملة وربما تسعى على أيتام، وتشقى لتكسب قوتها، فتأكله حلالا صرفا لا يشوبه ريبة، أو تخالطه مظنة شك..

سيدة لم تفتنها روعة النقود ولا الثلاثة آلاف جنيه.

لم تغرها المكاسب الهينة.

لم تعرف في حياتها- احسب – غير الحلال الطيب.

لم يشغلها المال بل شغلها الحلال.

لم تفكر في الأخذ بل برضا الرزاق سبحانه.

لم تستعمل كلمة (ما اشتغلت) ولا (ما استحققت)، بل كلمة (ما اشقيتش) أي (لم أشقى بهم).

هي بمفهومها لا مال بلا شقاء وتعب..

ولعل تجاعيد وجهها البسيطة -التي رسمتها معالم الشقاء لأجل الحلال وفي سبيل ارضاء الله عز وجل- كانت أجمل ما في الأرض من جمال..

دموعها وعرق جبينها ذرفتهما في الجهد مقابل رغيف خبز تأكله فتنام قريرة العين هانئة…

كلمات ليست غريبة ولا نادرة، ولكنها خرج من قلب عرف قيمة الحلال فلامس القلوب..

وما ذاك الا لقلة الصادقين..

عندما كنا نقرأ أن والياً على المسلمين لعمر بن الخطاب ليس له إلا ثوب واحد يغسله وينتظر حتى يجف ليخرج على الناس، وأن أحد السلف ترك ميراث أبيه لأنه كان يقول بالقدر، وآخر شقى بصنوف العذاب والسجون وخسر متع الدنيا وضحى بحريته وراحته، ورد أموالا طائلة كان قد أرسلها الخليفة رشوة له ليشتري ولاءه..

كنا نقول: (تلك أمة قد خلت)

وذاك زمان غابر لا يأتي به الله إلا قليلاً..

لقلة الصادقين المخلصين، وكثرة الفساد، وانتشار الحرام، وشيوع الربا، وذيوع المكاسب المحرمة صارت المكارم- وهي الأصل-  تلفت الأنظار وتفتن القلوب.

هنا تفهم مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتيَنَّ على الناسِ زمانٌ، لا يُبالي المرءُ بما أخذَ المالَ، أمِن حلالٍ أمْ من حرامٍ)..

 وحينما قال: (إن الأمانة ترتفع في آخر الزمان من القلوب، وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها، فيقال: إن في بني فلان رجل أميناً)!

أي كناية عن التعجب! لقلة أهل الأمانة والورع..

هم موجودون، لكنهم قلة قليلة في هذا الزمان. 

فالمؤمنون قليل بين المسلمين، وأهل الورع قلة بين المؤمنين..

انتشرت هذه الكلمات لتشكل صفعة على رؤوس كثيرين، وليقيم الله تعالى بها الحجة على أهل هذا العصر.

على الذين يجعلون من فساد العصر مبرراً لفسادهم. على الذين يجعلون الظروف السيئة وكاء لسرقاتهم ومسوغاً لضلالهم. 

على العلماء أصحاب الفخامة والسماحة الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، من الذين يأكلون بدينهم ويبيعون مبادئهم، من الذين يكتمون ما أنزل الله ويبيعون أنفسهم للشيطان، ويصطفون مع القتلة ويبررون لهم مقابل حفنة من الدراهم أو غسالة من المال أو بقايا من المنزلة..

على الحكام والمسؤولين والنخب (لصوص المال العام) الذين يبيعون البلاد ويسفكون الدماء، ويجلبون الاحتلال، ويطبِّعون مع اليهود والصليبيين مقابل الكرسي والمنصب والجاه. 

على التجار الذين تكدست خزائنهم بالمال الحرام، وانتفشت أوداجهم من كثرة الغش والخداع، ومع ذلك لا يشبعون فيتضلعون حتى الثمالة في نجاسة المال الحرام دون مراعاة لشيء.

على الذين تركوا بلادهم وبلاد الإسلام، وفروا ولحقوا ببلاد الكفر غير آبهين بدينهم وعقيدتهم ومستقبل عائلاتهم وأبناءهم، مقابل أن يجلسوا في الكامب فيرتاحوا من شقاء العمل، وجهد السعي والكسب، ويحصلوا على وفرة أكبر من المال، من الكنيسة التي هي نفسها من تمول القتلة والجرمين لينتهكوا عرض أخته وابنته ويقتلوا عائلته الصغيرة والكبيرة ويدمروا حضارته وبلاده، فيأخذ الفتات والقروش وقلبه مطمئن وعيناه تلمع بالشكر والامتنان..

على المتسولين الذين يأخذون المال بلا جهد أو مشقة أو تعب وهو ممن لا يحل له أخذه لأنه (قوي ذو مرة سوي)..

على السيدات والبنات اللواتي سلكن السبيل السهل للكسب، فضيعن الفضيلة وأسرفن في امتهان الشرف وسقطن في امتحان الأخلاق..

وقد قالت العرب قديما: (تموت الحرة ولا تأكل بثديها).

إلى الاصدقاء الذين يأخذون الاشياء بسيف الحياء والخجل، دون خوف أو وجل، وهم يعلمون أن (ما أخذ بسيف الحياء فهو عند الله حرام)..

كل هؤلاء ينامون وقد أكلوا أموال اليتامى والأرامل، واستحلوا ما حرم الله، وعبثوا في مقدرات الأمة، ونهبوا البلاد والعباد.

لعلي بك وأنت تنظر يوم القيامة حولك، ترى أناساً بسطاء كانوا يعيشون على هامش الحياة، كنت تمر في الطرقات والأسواق أو زوايا المساجد فتراهم ولا تعير لهم اي انتباه. تراهم يوم القيامة ملوكاً لا كالملوك، وترى ملائكة الله تعالى تحفهم وترعى مكانتهم وترى تكريم الله تعالى لهم وإعزازه، هم مجهولون في الدنيا معروفون عند الله.

شكرا لك يا سيدتي:

فقد علمتنا أن الورع والتقوى ليس في خطب رنانة، ودروس طنانة، ومحاضرات متلفزة، وشعارات براقة، وكلمات منمقة، ولحى طويلة، وعمائم مسرجة وادعاءات الفارغة.

ذكرتنا أن نلتفت الى البسطاء الذين لا يسألون الناس إلحافاً يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وأن الفقير ليس من ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان بل المتعفف، وكان بوسعك أن تفعلي كما السائلين، أو تأخذي المال من سكات وتمضي.

نبهتنا أن الفقر والخراب هو فقر القلوب لا فقر الجيوب، وأن الخراب خراب النفوس لا ذهاب الفلوس..

هنيئا لك يا سيدتي فأنت عندي نجمة العام دون منازع، ولو كره الإعلاميون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

انتخابات العراق المبكرة القشة التي قصمت ظهر إيران 2

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري الجزء الثاني         يمثل …