أخبار عاجلة
الرئيسية / تحقيقات / أطفالنا في المهجر بين الانتماء والاندماج !

أطفالنا في المهجر بين الانتماء والاندماج !

باسل المحمد

محرر القسم الثقافي – رسالة بوست
عرض مقالات الكاتب

لا يخفى على أحد حجم الصعوبات التي يعاني منها اللاجئون العرب في دول المهجر، بدءاً من صعوبة الاندماج بالمجتمعات الجديدة، وصعوبة تعلُّم اللغة إلى العادات والتقاليد والعمل وغيرها من الصعوبات.

وكردَّة فعل على هذا الواقع يسعى اللاجئون إلى دمج أطفالهم بالمجتمعات الجديدة دمجاً كلياً، يصل درجة التماهي المطلق مع هذه المجتمعات، تماهٍ يصل إلى حد ضياع الهوية الدينية والقومية للإنسان، حتى يصل الإنسان في النهاية إلى نسيان وطنه الأصلي وعدم التفكير بالرجوع إليه مطلقاً.

لذلك كان لابد من إيجاد طريقة تُسهم في ربط هذا الطفل بهويته وتاريخه، ومن ثمَّ ربطه بوطنه وأرضه. وتتمثل هذه الطريقة –برأيي- بتعليم الأطفال اللغة العربية بشكل صحيح وجذَّاب؛ وذلك لأنها لغتنا القومية التي تحمل في ثناياها القيم النبيلة، والمُثل الأصيلة التي نفتخر بها، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فاللغة العربية هي الحامل الثقافي والحضاري للدين الإسلامي الحنيف، وهذا ما يفسِّر سعي المسلمين من غير العرب لتعلُّمها، وهنا نستذكر قول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: “تعلَّموا العربية فإنها من الدين، وتعلَّموا الفرائض فإنها من الدين”. فهو يساوي بينها وبين الفرائض في الأهمية بالنسبة للدين. نعم نحن هنا لا نبالغ في أهمية أي لغة، سواءً كانت العربية أم غيرها من لغات العالم؛ لأن اللغة أصل الحضارة وهي السبيل الوحيد لمعرفة هذه الحضارة ونشرها بين المجتمعات الإنسانية، والخطأ الذي وقع فيه الكثير من اللاجئين أنهم ركَّزوا اهتمامهم على تعليم أطفالهم اللغات الأجنبية وأهملوا تعليمهم اللغة العربية، حتى أصبحنا نرى أطفالنا يتقنون الألمانية والفرنسية قراءةً وكتابة، بينما لا يستطيعون كتابة جملة باللغة العربية، أو قراءة آية من القرآن الكريم.

وحتى لا يبقى الكلام نظرياً كان لابدَّ من التواصل من عدد من المقيمين في الغرب؛ للوقوف على حال أولادهم في تلك المجتمعات. إبراهيم شاكر وهو عراقي مقيم في السويد منذ عام 2008 يقول: إنه بالإضافة إلى عدم وجود مدارس خاصة لتعليم اللغة العربية، فإن ضيق الوقت الذي يعاني منه الأطفال يقف عائقاً أمام تعلُّمهم للغتهم الأم، إذ إن الأطفال يقضون أكثر من 9 ساعات في المدارس، ويخشى الأهل من زيادة الضغط عليهم في تعليم العربية؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى ترك التعليم بالمجمل كما حدث مع بعض الأسر، وأشار شاكر إلى أن كل هذا يؤدي إلى اندماجهم بالمجتمع السويدي بشكل أكبر مقابل تراجع واضح لهويتهم الأصلية ولغتهم الأم، وأضاف أن أطفاله تعرفوا على عادات وتقاليد العراق من خلال زياراتهم الصيفية المتكررة له، بينما لا توجد هذه المعرفة والارتباط عند الأطفال الذين لم يزوروا العراق أبداً.

أما رشيد الدندل وهو سوري مقيم ألمانيا فقد قال: إن أطفالي لا يعرفون شيئاً عن وطنهم سوى ما يشاهدونه على وسائل الإعلام، وأضاف إننا نعمل على تعليم أطفالنا اللغة العربية والقرآن الكريم في البيت؛ لأن المدارس المختصة بتعليم العربية لا توجد إلا في المدن الكبرى، ولكنه أكد أن أطفاله يتقنون اللغة الألمانية بشكل أسرع رغم كل الجهود التي يبذلها في تعليمهم العربية، ويستذكر رشيد المدة الطويلة التي قضاها وهو يتعلم الألمانية ويحاول التأقلم مع المجتمع الجديد، في حين أن أولاده لم يواجهوا أي صعوبة تذكر في هذا المجال، وأضاف رشيد أنه يشجع أولاده على الاندماج في المجتمع الألماني، ولكنه يخشى في الوقت نفسه من أن يؤدي هذا الاندماج مع مرور الزمن إلى ضياع هويتهم ولغتهم الأصلية.

أما بالنسبة للأستاذ ياسين فاضل وهو عراقي مقيم في فلندا، فيوضح أن الأطفال عندما بدؤوا يندمجون بالمجتمع الجديد بدأت تتغير لغتهم وعاداتهم، وأصبحوا يعتبرون أن هذا البلد هو بلدهم الأصلي، وأضاف أنه بالنسبة لتعليم اللغة العربية فإن هذا الأمر يرجع للأهل ومدى اهتمامهم بهذا الأمر، وأكد أن ارتباط الأطفال بالدين الإسلامي أدى إلى محافظتهم على لغتهم الأم الأمر الذي شكَّل لهم جسراً يربطهم بتاريخهم وحضارتهم.

وبما أني مقيم في تركيا فإنا أغلب الأطفال العرب يتقنون العربية إلى جانب التركية؛ وذلك لانتشار تعليم العربية في المساجد والمدارس، ولاهتمام الحكومة في هذا الأمر، ولوجود نسبة معقولة من الأتراك يتحدثون العربية كما في مدن ماردين وأورفه، كما أن التقارب الحضاري والديني بين تركيا والبلاد العربية أدَّى إلى تسهيل الاندماج بالمجتمع التركي مع المحافظة على الخصوصية الثقافية والحضارية للعرب فيها.

 ولابد من الإشارة أننا هنا لا ندعو إلى التقوقع وعدم الاندماج، والعزوف عن تعلُّم لغة المجتمع الذي نعيش فيه، فهذا ضروري للتواصل وللعيش المشترك معهم بشكل فعّال ومفيد، ولكن يجب ألَّا يؤدي هذا الاندماج إلى الانصهار الكلي في المجتمعات الجديدة، لأن كثير من الناس يخلطون بين “الاندماج” الذي هو أمر حتمي وضروي لكل مغترب أو لاجئ أراد العمل والإنجاز في المجتمع الجديد، فالتمسك بالهوية لا يعني أبداً انعزالاً أو تناقضاً مع هويات أخرى، بل على العكس فهو يسهم في إثراء وإغناء الثقافة العامة، وبين “الانصهار” الذي يعني التخلي عن اللغة والقيم الثقافية والحضارية للإنسان تحت مبرر الاندماج بالمجتمع، فنحن بالنهاية نريد أن نندمج لا أن ننصهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشيخ صبحي الطفيلي إيران هي مخلب الغرب في المنطقة العربية

أحمد مراد رئيس تحرير مؤسسة INFOGRAT الاعلامية – النمسا في لقاء في مساحة …