أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / زراعة الخوف وزراعة الحياة

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار

كاتب صحفي ومحلل سياسي
عرض مقالات الكاتب

مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه عن كل ما سبق من مقالات لكنه يسير بالنهج نفسه الذي اتبعه من حث للفكر وإعمال للعقل .

وردني قبل فترة قصيرة مقطع فيديو في إحدى المدارس الإبتدائية و قد تجمع الطلاب في باحتها كأنهم قطيع ذاهب للذبح ويدور بينهم جزار بعصا التأديب ، لا يترك واحداً منهم  إلا ويناله من هذه العصا الألم والصراخ ، سادية تشبع غريزة ذاك الجزار وقد تم وصفه بالمدرس والمربي والمعلم لكن هيهات …هيهات أن تنطبق عليه هذه الصفات .

فمهما كانت خطيئة هؤلاء الطلاب و مهما عَظُمت جريرتهم فلا يمكن أن تقابل بتلك السادية من هذا الرجل و كأنه ينتقم منهم ،فربما أكلوا مال والده ، وربما كانوا خطراً عليه وربما ….وربما .

إن زراعة الخوف من الخطأ وشدة العقاب عليه مهما كان هذا الخطأ لهو أشد خطراً على بناء الأمة ، فلا يوجد معصوم من الأخطاء سوى الأنبياء ، وتصحيح الخطأ لا يكون بخطأ أكبر ، فأين التعليم من الخطأ ، وأين زرع الثقة في الطلاب ، وأين القدوة الصالحة ؟

المدارس للتربية والتعليم وليس للعقاب والتجريح ، فلا يمكن لسادية شخص ما أن تنشأ جيل واعِ ومدرك لمخاطر الأمة ، ولا يمكن للعقاب أن يصلح فساد الأخلاق .

وكعادتي أتابع أولادي في تعليمهم وكذلك في أحوالهم العامة ونتكلم في أصغر الأمور و أهمها ، بالطبع الغاية التوجيه والإرشاد .

هذه الحادثة أعادتني لموقف روته لي إبنتي البالغة ثلاثة عشرة ربيعاً حصلت معهم في مدرستهم ، فهم بالإضافة لباقي العلوم يدرسون مادة تسمى المواطنة ( Citizenship ) أو ( Obywatelstwo ) في هذه المادة يعطونهم فكرة كاملة عن  معنى المواطنة وكيفية ممارسة الفرد لحقوقه وعدم تعديه على الأخرين والوصول بالبلد لمصاف الدول المتقدمة و المتطورة بالطرق الديمقراطية الصحيحة وحرية الإختيار .

فيما روته لي : أنه في أحد الدروس طلبت المشرفة منهم أن يتوافق كل إثنان أو أكثر على العمل معاً ، فتم الإختيار وشرحت لهم أن تعتبر كل مجموعة نفسها حزباً يريد الوصول للبرلمان والحكومة وعليهم أن يتصرفوا على هذا الأساس .

وبدأ كل فريق بالعمل وفق المنهج الذي درسوه سابقاً ، فقاموا بإختيار إسماً للحزب يعبر عن رؤيتهم هم ووضعوا له إختصاراً وكذلك شعاراً إختاروه بأنفسهم ، ثم حددوا الرؤية العامة للحزب من خلال أفكارهم و أهدافهم التي يريدون الوصول لها ، وضعوا كل هذا على ورق وجعلوه كورقة عمل ( بوستر إنتخابي ) وقاموا بتوزيعه على الأخرين ، تعددت الأفكار التي طرحوها بتعدد رؤيتهم .

و أتت لجنة مصغرة من المدرسة لتتابع هذا العمل و كان على كل حزب أن يقوم بطرح ما لديه وشرحه أمام الجميع و أن يجيب على التساؤلات حول كيفية التنفيذ و أليته .

بعد العرض السابق يتم إجراء إنتخابات فيما بينهم لاختيار الحزب الذي يعبر عن تطلعات ورغبات الطلاب ، وبعد نجاح الحزب بمعدل الأصوات الأعلى عليه أن ينتقل للغرفة الأولى ( المجلس الأولي ) ليشكل الحكومة ويقود البلد وفي حال عدم إمتلاكه الحد الأدنى للتشكيل يجب عليه أن يتحد مع أحزاب أخرى ليستطيعون قيادة الحكومة وبالتالي ينتقلون للغرفة الثانية ( تحالف الأحزاب ) .

أين نحن من كل هذا ؟ هل فُرض علينا أم فرضناه على أنفسنا ؟ وهل نحن قادرون على كسر الطوق ؟

إن بقي لدينا مثل ذاك المدرس يزرع الخوف لدى الطلاب فسنبقى تحت نير الاستعباد ، وإن تصرف هذا السادي مع كل الطلاب بالطريقة نفسها فلا أمل من الوصول لحياة حرة شريفة ، إن هؤلاء الطلاب أمانة لدى المدرسين ولا يحق لهم بحال من الأحوال تعنيفهم بهذا الشكل ، فالوصول للمجتمع الصحيح يكون بالتعليم ، والوصول لمعرفة الحقوق والواجبات يكون بالتجربة .

إن بناء المجتمعات يكون ببناء الأفراد ،ذاك البناء القوي ذو الأساس المتين المبني على الفهم والإدراك وليس الخوف والعقاب .

فالمجتمعات العربية متمرسة بزراعة كل فاسد ، ومجتهدة بتحطيم كل هادف ،أفلا ينبغي للطوق أن ينكسر ، ولليل أن ينجلي ، وللشمس أن تسطع؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حكّام مأسورة وشعوب مقهورة!

د. حسين محمد الكعود دكتوراه في العقيدة الإسلامية ما زالت القدس في يد …