أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مدى جدوى اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل أزمة سد النهضة؟

مدى جدوى اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل أزمة سد النهضة؟

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

     عندما بدأت أزمة جزر فوكلاند فى الثانى من إبريل / نيسان عام 1982م بين الأرجنتين وبريطانيا، قامت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بأستخدام القوة العسكرية وأستعادة الجزر بالقوة، دون أنتظار اللجوء إلى الأمم المتحدة، وعندما سألت رئيسة الوزراء البريطانية عن عدم عدم لجوئها للأمم المتحدة قالت (لسنا عرب حتى نلجأ للأمم المتحدة) تذكرت هذه العبارة حينما صرحت مصر بأنها لجأت إلى الأمم المتحدة خاصة الجمعية العامة للأمم والمتحدة ومجلس الأمن بمفردها دون السودان دولة المصب الثانية للنيل والمتضرة قد يكون أكثر من مصر ذاتها. فى هذا المقال سوف نوضح مدى جدوى اللجوء إلى الأمم المتحدة من قبل مصر بمفردها لحل أزمة سد النهضة.

     قسم القانون الدولى المنازعات الدولية إلى منازعات سياسية ومنازعات قانونية، وقد فرق بينهم ميثاق الأمم المتحدة بين نوعين من المنازعات الدولية، المنازعات السياسية والمنازعات القانونية وذلك فى المادة (33) منه حيث نصت على (يجب على أطراف أى نزاع من شأن أستمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولى للخطر أن يلتمسوا حله بادئ دى بدء بطريقة المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التى يقع عليها أختيارهم). بينما فرضت الفقرة الثالثة من المادة (36) من الميثاق على مجلس الأمن وهو يقدم توصياته وفقا لهذه المادة ( أن يراعى أيضا أن المنازعات القانونية يجب على أطراف النزاع، بصفة عامة، أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية وفقا لأحكام النظام الأساسى لهذه المحكمة).  

     ترتيبا على ما سلف، فقد وضع ميثاق الأمم المتحدة توزيعا للأختصاص بالفصل فى المنازعات السياسية لكل من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، أما الفصل فى المنازعات القانونية فقد أوكل بها الجهاز القضائى لهيئة الأمم المتحدة وهى محكمة العدل الدولية، التى تختص بالفصل وفقا لنظامها الأساسى بالمنازعات القانونية الدولية.

 وهناك صعوبة فى القانون الدولى للتفرقة بين النزاع السياسى والنزاع القانونى خاصة وأن أغلب المنازعات الدولية ذات طبيعة مختلطة لأنها تجمع بين العناصر السياسية والعناصر القانونية، وقد قال الفقه الدولى بأكثر من معيار للتفرقة بين النزاع القانونى والنزاع السياسى، ولكن هناك معيارا اعتمده أغلب الفقه الدولى ومفاده أن التفرقة بينهما يجب أن ألا تستند على طبيعة المسألة     موضوع النزاع ولكن يجب أن تستند على القواعد التى تطبق لتسوية النزاع، فالنزاع يعتبر قانونا إذا تمت تسويته بتطبيق القواعد القانونية الدولية، أى يطبق عليها القانون الدولى القائم، والنزاع يعتبر سياسيا وليس قانونيا إذا تمت تسويته بتطبيق قواعد أخرى مثل قواعد العدالة والإنصاف وما شابهها، كما أن المنازعات القانونية هى المنازعات التى تؤسس فيها ادعاءات واعتراضات طرفى النزاع على القانون الدولى الوضعى، فى حين أن المنازعات السياسية هى المنازعات التى يقوم فيها أحد طرفى النزاع على الأقل بتأسيس أدعاءاته أو دفاعه ليس على القانون الدولى الوضعى، وعلى على مبادئ أخرى، أو لا يستند على أى مبدأ على الإطلاق.

     وبتطبيق ما سلف على أزمة سد النهضة ولجوء مصر منفردة إلى الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن والجمعية العامة، يتبين الآتى:

     إن طبيعة النزاع وأزمة سد النهضة قانونية وليست سياسية على الإطلاق، فالخلاف هنا على تطبيق اتفاق المبادئ لعام 2005م وتفسيره، والخلاف ينسحب على كافة الاتفاقيات الدولية التى عقدت لتنظيم الإنتفاع بمياة نهر النيل، ومدى ألتزام اثيوبيا بتلك الاتفاقيات بداية من يروتوكول عام 1891م التى اعترفت بحقوق مصر التاريخية فى مياة النهر، والمبرم بين ايطاليا صاحبة الولاية على الحبشة وقتها، وقد تمسكت أثيوبيا بهذا البروتوكول فى خلافها مع الصومال، كما تمسكت اثيوبيا باتفاقية عام 1902م واتفاقية عام 1929م واتفاقية عام 1959م، لذلك فهى تلتزم بهم وبالحفاظ على حصة مصر التاريخية فى مياة النيل. كما أن الخلاف هنا ايضا على تطبيق وتفسير اتفاق المبادئ لعاك 2015م.

     وتختص محكمة العدل الدولية بالفصل فى هذا طبقا للفقرة الأولى ألف من المادة (38) من النظام الاساسى لمحكمة العدل الدولية التى نصت على (1 – وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقا لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا الشأن:

(أ) الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفا بها صراحة من جانب الدول المتنازعة،). وأزمة سد النهضة يمكن فى تطبيق وتفسير ما سبق ذكره من اتفاقيات دولية.

     لذلك لجوء مصر منفردة للأمم المتحدة وخاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة تكييف غير صحيح للنزاع، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر للدول الأعضاء توصيات غير ملزمة، كما أن مجلس الأمن يحيل مثل هذه المنازعات للتنظيمات الإقليمية المختصة وهى هنا منظمة الاتحاد الإفريقى وبالأخص المحكمة الإفريقية لحقوق والشعوب المنشأة ببروتوكول الميثاق الإفريقى لعام 1997م، طبقا للمادة الثالثة منه التى نصت على (1 – يمتد اختصاص المحكمة إلى كافة القضايا والنزاعات التى تقدم إليها والتى تتعلق بتفسير وتطبيق الميثاق وهذا البروتوكول أو أى اتفاقية إفريقية أخرىتتعلق بحقوق الإنسان التى تصدر أحكاما ملزمة للدول الأعضاء. 2- فى حالة النزاع حيث يكون للمحكمة اختصاص تسوى المسألة بقرار تصدره المحكمة.)

     وطبقا للمادة السادسة من بروتوكول المحكمة يجوز أن تسمح المحكمة للأفراد والمنظمات غير الحكومية ومجموعات من الأفراد برفع القضايا أمام المحكمة، وطبقا للمادة (26) تتعهد الدول أطراف هذا البروتوكول بالامتثال للحكم فى اى قضية تكون أطرافا فيها وضمان تنفيذه، لذلك تكون هلى المختصة بالفصل فى نزاع سد النهضة.   

     كما أن مجلس الأمن لن يستطيع أن يصدر قرارا ملزما تطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لأنه سوف يصطدم أكيد بالفيتو من أحدى الدول الخمس لأن منها دول مساهمة ماليا وفنيا فى إنشاء السد ، كما أن المادة العاشرة من اتفاق المبادئ جعل حل أى نزاع بشأن هذه المسألة يجب أن يكون جماعيا أى توافق عليه الدول الثلاث مصر وأثيوبيا والسودان.

     كما أن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للفصل فى هذا النزاع مرهون بموافقة أطراف النزاع الثلاث وهذا يمنع اللجوء إلى المحكمة للفصل فى هذا النزاع، لذلك فلن تستطيع المحكمة التعرض بالفصل للنزاع.

     اعتقد أن الحل القانونى فى ذلك هو الانسحاب من اتفاق المبادئ لعام 2015م لعدم التزام اثيوبيا بما جاء فيه طبقا للمادة (60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حكّام مأسورة وشعوب مقهورة!

د. حسين محمد الكعود دكتوراه في العقيدة الإسلامية ما زالت القدس في يد …