أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الشرق الأوسط الكبير وعودة ظاهرة الأحلاف!

الشرق الأوسط الكبير وعودة ظاهرة الأحلاف!

صلاح قيراطة

كاتب وباحث سياسي
عرض مقالات الكاتب

كنت جريئاً عندما كنت سبَّاقاً وربطت بين  الربيع العربي، ونظرية (الشرق الأوسط الكبير)، وكذا كنت قد تعمقتُ في هذا؛ لأصل لنتيجة مفادها أن نظرية (الفوضى الخلاقة) وهي اللازمة الضرورية للوصول بالمنطقة لشرق يلبي سياسات التحالف (الصهيو – أمريكي) الذي أعاد ويعيد رسم الخرائط ويحيي تحالفات قديمة، ويولّد تحالفات جديدة، بتغييب كلي لأي فعل جماهيري خلاق ومبدع وعقلاني يربط بين المقدمة والنتيجة، ويتحرك بطريقة تكون له بالمحصلة الغلبة التي تنتج أن يصوغ فجر عدالته بِحُر إرادته، من خلال مواجهة أنظمة شمولية ديكتاتورية واستبدادية، إنما كانت امتداداً موضوعياً للحقبة الاستعمارية، بعضها نتيجة انعدام قدرة وغياب اقتدار، ومنها عبر ارتباط ناتج عن سابق عزيمة وإصرار، وفي كل الحالات هي أي الأنظمة وفق ماهي عليه من رؤى وأفكار وأساليب عمل أتت بطرق مختلفة امتداداً لفترات الاستعمار هي من وضعت الجماهير على عتبات التلاعب بعواطفها واستثارة غرائزها، مع تهميش لعقولها، إضافة لمصادرة طاقاتها وصدقية معاناتها مع رغبتها المشروعة بالانتقال من حالة موضوعية ما إلى حالة موضوعية أخرى أكثر نضوج واستقرار، فكان أن تم تحريكها في وقت لازالت فيه غير قادرة أن تغير واقعها بطرق أنقى وأرقى وأكثر وعّياً، وأشد حسماً بأقل خسائر مع المحافظة على خيرات البلاد البشرية والمادية من الأذية، لتثبت الأحداث أن الأنظمة العربية في كليتها العظمى إنما هي امتداد لإرادات المستعمر، وإن إشارة البدء التي ارتكزت مؤسسة انطلاقتها على مآسي داخلية، باتت مع الوقت تراكمية يستحيل معها إصلاحها إلا بطرائق أُريد لها أن تكون (راديكالية)…

إشارة البدء هذه استغلت معاناة الجماهير، ورمت شباك الآخر الشيطانية، والغاية كما أسلفت أعلاه هي إعادة رسم خرائط المنطقة ليكون الشرق الأوسط الكبير شرق أوسط (صهيو – أمريكي) بامتياز…

والآن وبعد أن ذاب الثلج ليظهر مرج المنطقة مضرَّجاً بدماء ملايين الأبرياء دون أي نتائج مرجوة، سوى ما لحق ببلاد المنطقة وخراب ديار بدأ يظهر للعيان آثار هذا الانهيار الذي يبدو لبعض الأنظمة من خلال (براغماتية) مرعبة و(ميكيافيلة) ساقطة أنه انتصار، وهذه الأنظمة وفق أدوارها الوظيفية المستمرة ربما تبرر لنفسها ما تعتقده انتصار، سيما أنها تعيش ظروف انفصال مرضي عن الواقع، وهي محقّة، لكن ضمن مفهوم (كلام حق يراد به باطل).

 إن المنطقة برمتها كانت تعيش تحت سلطة أنظمة ديكتاتورية، وقد أدى هذا القمع إلى قيام ثورات شعبية تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية، وقد تم استغلال هذا التحرك الشعبي من قبل أطراف خارجية لها أهداف ومصالح في منطقتنا العربية، وهذا ليس خافٍ على أحد لجهة إعلان أمريكا أنها ترنو لشرق أوسط كبير، وأنها من أجل الوصول لهذا تقوم بكل التدابير، ولن ننسى أن وزيرة خارجية أمريكا (كوندو ليزا رايس) إبان عدوان الكيان على لبنان في العام ٢٠٠٦، كانت قد قالت ومن على مائدة السنيورة: “إنه مخاض الشرق الأوسط الكبير”…

معلوم أن من ضمن مفاعيل الشرق الأوسط بالمقياس (الأمريكي – الإسرائيلي) أن يتم إنتاج صفقة القرن والمضي بالتطبيع مع الكيان من خلال استخدام إيران كنظام وظيفي أدَّى دوراً ولازال في أماكن الصراع لم يكن لأمريكا ولا لإسرائيل أن يؤديانه بهذه البراعة وبهذه النجاعة دون إيران …

وطبعاً لازلنا مع أول ذوبان للمرج، إلا أن ما ظهر من معالم صفقة قرن كان من الضروري لها أن يُدمَّر العراق وسورية، وأن يتم استغلال الثورة المصرية بإقالة (مبارك) والمجيء بالسيسي، وهي ثلاث بلاد عربية حاربت (إسرائيل) عام 1973، ومع هذا انطلاق قطار التطبيع مع الكيان بسرعة استثنائية أعتقد أن مقصده من كانت تسمى إعلامياً قلب العروبة النابض (دمشق) على انقاض بلد كان يسمى (سورية) الذي ساهمت قيادته “الخائنة” في تدميره وتشريد شعبه، ليكون ما جرى في سوريا أسوأ كارثة انسانية عاشها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ليؤكد هذا ما سبق واعترف به النظام السوري أنه (مؤامرة كونية)، وهو هنا ادَّعى مواجهتها ليثبت (عملياً) أنه كان جزءاً لا يتجزأ منها، وقد كرست هذه النتائج اغتصاب (دولة سورية العميقة) ذات الولاءات والاستطالات الخارجية لسورية الوطن لسورية البشر والحجر، لسورية التاريخ والحغرافيا، لسورية المولاة والمعارضة والدليل أن من استفاد من كل ما حدث هو (الدولة العميقة) لا (النظام) ولا (الدولة) ولا (مؤسساتها)، وانتظروا فقط إلى ما بعد الانتخابات وفوز بشار الأسد لتروا الفصل القادم من المسرحة الدموية، والتي سترى فيه سورية إقالة وتغييب كثيرين من أركان من يروق لكم أن تسموه نظاماً بعد أن استثمرت بهم (العائلة) افظع استثمار، وذلك في مسعى غايته أن يتمكن بشار الأسد أن ينقل حكمه لحافظ بشار الأسد…

استمرار موضوعي لما قدمت له أؤشر في التالي عن بعض نتائج الربيع العربي، والذي تم استغلاله من خلال أنظمة عالمية لتنفيذ مشروع ما يسمى (الشرق الأوسط الكبير)، في هذا السياق كانت قبرص قد استضافت أمس الجمعة اجتماعاً لكبار دبلوماسيي (إسرائيل –  والإمارات – واليونان) أُجريت خلاله محادثات وصفت بأنها تعكس (الوجه المتغيّر) للشرق الأوسط، وفي ذلك أراه أنه استهداف لعدة دول في الإقليم من بينها تركيا وإيران، والفلسطينيين…

واستطراداً كان وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي، والمتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة كان قد قال في مؤتمر صحفي جنباً إلى جنب مع أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي في مدينة بافوس الساحلية: “هذه الشراكة الاستراتيجية الجديدة تمتد من سواحل الخليج العربي إلى البحر المتوسط وأوروبا”…

ليضيف أشكنازي:

“إن الاجتماع يشكل مؤشراً على ما أسماه الوجه المتغيّر للشرق الأوسط” …

ليدعو الوزير الإسرائيلي إلى (شراكة استراتيجية في مجال الطاقة بين شرق المتوسط والخليج) بعد اتفاق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات وُقّع العام الماضي…

من جهتها صحيفة (جيروزاليم بوست) قالت:

 “لدى إسرائيل وقبرص واليونان بالفعل شراكة إقليمية، توسعت يوم الجمعة للمرة الأولى لتشمل الإمارات العربية المتحدة، كعلامة على التحالفات المتغيرة التي أحدثتها اتفاقيات أبراهام” …

وبحسب ما جاء في الصحيفة، فقد ناقش الدبلوماسيون الأربعة قضايا تتعلق بتركيا وليبيا وسورية، هذا إلى جانب إيران والقضية الفلسطينية…

بدوره قال قرقاش:

“إن الروابط مع الدولة العبرية ترقى إلى مصاف (نظرة استراتيجية بديلة) ترمي إلى تعزيز الأمن الإقليمي، مضيفاً أن محادثات بافوس تناولت التنسيق الاقتصادي والسياسي، واستخدام التكنولوجيا لمكافحة (كوفيد- ١٩) …

وحول إيران وبرنامجها النووي، شدَّد (أشكنازي) في إشارة منه إلى انتهاء دور إيران بتنفيذ كل ما أُسند إليها في سياق إعادة صياغة الشرق الأوسط وإنتاج تحالفات جديدة، لتكون إيران كما (الأجير بكعكة)، أو ما يمكن توصيفه (سموك مسحر انتهى رمضان)، وهذا ما أفقد إيران صوابها، حيث يبدو أنها خدعت وباتت تتصرف كما الصبيان لتخرج بالمحصلة من مولد الربيع العربي بلا حمص، في إطار شيء من هذا قال الوزير الإسرائيلي: “إن بلاده ستفعل كل ما يتطلّبه الأمر لمنع هذا النظام الراديكالي والمعادي للسامية من امتلاك أسلحة نووية” …

ليضيف:

“أخذنا أيضاً وقتاً لبحث التحديات التي تشكلها إيران وحزب الله والمتطرفون الآخرون على استقرار الشرق الأوسط وعلى السلام الإقليمي، سنفعل كل ما يلزم لمنع هذا التطرف”. متجاهلاً أن الكيان هو من أسس، وهو من كان خلف التطرف في المنطقة وهو من قام به وهو رسخه كنمط تفكير وعمل …

وأضاف أشكنازي:

“إيران، عبر نفوذها من خلال وكلائها في المنطقة، تجلب معها الدمار وعدم الاستقرار في سورية ولبنان والعراق واليمن، كما أنها تواصل تطوير صواريخ بعيدة المدى ستشكل تهديداً خطيراً لإسرائيل وجيرانها”…

هذا وقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن المحادثات تطرقت أيضاً إلى قضية المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والتي من المقرر أن تحقق في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قضية تعارضها تل أبيب بشدة…

وكذلك فقد كان أشكنازي قد دعا دول المنطقة الأخرى إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام كما حثَّ الفلسطينيين على الدخول في مفاوضات معها، والتي جرى تجميدها منذ عام ٢٠١٤ بسبب استمرار الاستيطان ورفض سلطات الاحتلال الإفراج عن أسرى قدامى…

وهنا لابد من الإشارة إلى أن أحد أهداف هذا الحلف الوليد هو العداء لتركيا، فقد قالت صحيفة (تايمز أوف إسرائيل): “إن إسرائيل واليونان وقبرص حلفاء إقليميون ويتعاونون في الجهود الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك الكهرباء والغاز”…

لتوضح في متن مقالها أنهم (يشتركون في العداء مع تركيا، التي تحاول توسيع وجودها في شرق البحر المتوسط) …

وهنا مفيد التذكير أن الدول الثلاث كانت قد أجرت مناورات بحرية الشهر الماضي في إشارة إلى تعميق العلاقات العسكرية بينها…

وشدَّد وزيرا الخارجية اليوناني والقبرصي على أن التكتل الإقليمي مفتوح أمام الجميع…

وقال وزير الخارجية القبرصي نيكوس خريستودوليدس: “إن المجال مفتوح أمام كل دول المنطقة للانضمام إلينا”، من دون أي إشارة مباشرة إلى تركيا التي تشهد علاقتها مع قبرص الرومية وأثينا توترات بين الحين والآخر؛ بسبب الخلاف حول موارد الغاز في شرق المتوسط…

من جهته كرَّر وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس الذي زار تركيا الخميس وليبيا الاثنين، الدعوة لـ (انسحاب كل القوات الأجنبية) من ليبيا، في إشارة على ما يبدو إلى تركيا التي وقَّعت مع حكومة الوفاق الوطني اتفاقيات رسمية بهذا الخصوص) …

وكانت اليونان قد استشاطت غضباً في ٢٠١٩، بعدما وقعت تركيا مع ليبيا، اتفاقية لترسيم الحدود التركية الليبية المشتركة في البحر المتوسط، وهو ما انتقدته القاهرة وأثينا…

هذا وتشهد منطقة شرق المتوسط توترات، جراء مواصلة اليونان اتخاذ خطوات أحادية مع الجانب الرومي من جزيرة قبرص وبعض بلدان المنطقة بخصوص مناطق الصلاحية البحرية…

كما وتتجاهل أثينا التعامل بإيجابية مع عرض أنقرة للتفاوض من أجل التوصل إلى حلول عادلة للمسائل المتعلقة بشرق المتوسط وبحر إيجة…

علماً أن أنقرة تؤكد اتخاذ التدابير اللازمة حيال أي خطوات أحادية الجانب لا تراعي الحقوق والمصالح التركية…

وما أراه ضرورياً أختم به مقالي أعلاه هو المرور على رؤية هذه الحلف للحالة الليبية التي أراها أنها كانت العنوان الأساسي في اللقاء الرباعي؛ نتيجة وجود (خيبة أمل في إسرائيل وقبرص واليونان من توجهات الحكومة الجديدة في ليبيا وعدم استعدادها لإلغاء اتفاق ترسيم الحدود المائية مع تركيا، الذي أضرَّ بمصالح الأطراف الثلاثة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخطب العنترية “موقف وطني أم احتواء للشارع؟!

د. علاء خير الله – كاتب مصري المتابع للشأن المصري يلاحظ تغير الموقف المصري فجأة …