أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / التنمر: بلاهة الاصطلاح وبؤس الأكاديميين !

التنمر: بلاهة الاصطلاح وبؤس الأكاديميين !

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

ناهيكم عن فوضى عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي حسب فيها البهاء أَنَّهُم حكماء، ولم صوص منكوش أو منتوف إلا وحسب أَنَّهُ فيلسوف… وهٰذا ما يمكن إضافة إلىٰ هٰذه المأساة، فإِنَّهُ منذ مطالع التِّسعينيات مع جيل الأكاديميين الجدد بدأ هٰؤلاء الأكاديميون، وأكثرهم صفر في اللغة العربية، بدأوا باستحداث اصطلاحات «هردبشتية» نابعة من عقولهم القاصرة علىٰ الأقل في اللغة العربية… وآخرها التنمر التي لا أعرف من أي لغة ترجموها فهي ليست موجودة في اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية ولا الإيطالية ولا الإسبانية… 

فمن أين ابدعوا هٰذه الترجمة؟

قبل أن أتابع اجيب علىٰ سؤال افتراضي قد يطرحه بعضهم قائلاً: «وما علاقة الأكاديميين بذلك؟ ولماذا تلبسهم هٰذه التهمة؟».

لا أريد أن أتتبع أو أتقصى من أول من استخدمه وأول من نشره ولا أضيع الوقت في ذٰلك. ولٰكنَّ الأكيد المحقق أَنَّهُ إنتاج أكاديمي ولا ليس سوقيًّا ولا من مجاهيل التواصل الاجتماعي ونكراته. وهو اصطلاح يتم تناوله علىٰ أساس أَنَّهُ اصطلاح نفسي واجتماعي وتربوي وأخلاقي.

وأعود إلىٰ السؤال: من أين ابدعوا هٰذه الترجمة؟

إذا كانت ليست موجودة في هذه اللغات الأساسية لغات العلم المعاصر فمن أين جاؤوا بها؟

لا يبقى إلا احتمال ابتداعهم إياها ابتداعاً من عقولهم الفارغة من إدراك أوليات اللغة العربية. على الفور يتنطع أيواحد للقول: «يا أخي ما بتترجم هاي الكلمة للعربي»، «هاذي الكلمة ما فيها منها بالعربي»… وقس على الجملة والعبارة…

إذا كانت اللغة العربية لا تستطيع أن تترجم أي كلمة فعلىٰ الدنيا العوض والسلام. إذا كانت أم اللغات عاجزة عن اشتقاق دلالة جديدة مستوردة من أي لغة فعلىٰ الدنيا السلام… إذا كانت أوسع لغات الدنيا هكذا فماذا يمكن أن تقولوا تقولوا عن اللغات الأُخْرَىٰ؟

المشكلة ليست في اللغة العربية بحال من الأحوال، المشكلة في عقولكم الفارغة. أنا لست ضد ابتداع اصطلاح جديد بأي حال من الأحوال. ولٰكن يجب أن يكون صائباً مبينًّا بناء سليماً، وليس (شلفاً) من غير تبصر ولا هدى، وبسبب ناجماً عن الجهل باللغة… الأساس الأول لاجتراح الاصطلاحات أن يكون المجترح، المجدد ضليعاً باللغة.

لأعد إلىٰ اصطلاح التنمر. قلت إِنَّهُ ليس موجوداً في اللغات الأوروبية الأساسية علىٰ الإطلاق، بل ستجدون مفاجآت عجيبة في هٰذا الشأن بعد قليل. الاصطلاح المقابل باللغات الأوروبية الأساسية لا علاقة له بالنمر بحال من الأحوال. والتنمر مشتق من النمر. فلماذا فقط في اللغة العربية بهذا اللفظ؟

العجيب في جيل الأكاديميين الجدد أَنَّهُم خالفوا أنفسهم في هٰذا الاصطلاح، فعلىٰ حين ترجموا بعض المفردات ترجمة حرفية علىٰ باطل أيضاً وعدم دراية مثل ترجمة مؤشر الحاسوب بالفارة لأَنَّهُ اسمه باللاتيني فارة… وهي ترجمة غير موفقة أبداً. مؤشر وإن سماه الغربية فارة، فهٰذه ثقافتهم اللغوية وهم أحرار بها. وكذٰلك استخدام التنمر غير موفق بحال من الأحوال ويدل علىٰ ضحالة في فهم الاصطلاح وفهم اللغة في آن معا، ولأسباب كثيرة.

أقل ما في هٰذه الأسباب تشبيه الإنسان بالحيوان.

أقل ما في هٰذه الأسباب عدم انسجام الاشتقاق مع الحال.

أقل ما فيها أن كلمة تنمر المشتقة من النمر تعني التشبه بالنمر، ولا علاقة للتشبه بالنمر بالدلالة التي يطلقون عليها اصطلاح التنمر.

أقل ما في هٰذه الأسباب أن اللغة العربية أوسع اللغات في التعبير عن مثل هٰذه الدلالات. بل تجد فيها تفاصيل مفردات لا مكن أن تجدها في أي لغة، فتجد عدة مفردات عربية تدل علىٰ حالات مختلفة ومحددة بدقة بينما تترجمها اللغات الأُخْرَىٰ كلها بمفردة واحدة.

وينتصب السؤال المهم أيضاً: لماذا تم الاشتقاق من النمر تحديداً وليس من الأسد مثلاً أو الفهد أو الضبع أو غيرها؟

يبدو لي أنَّ ضحالتهم اللغوية والمعرفية هي السبب أيضاً في ذٰلك، فالحيوانات الأُخْرَىٰ المحتملة للاشتقاق غير مرنة في إعطاء صيغة الاشتقاق ذاته، فالتأسد مثلاً غير مستساغة لغويًّا، والتفهد كذٰلك، والتضبع… ولذٰلك اختاورا الحيوان الأسهل لتقديم الاشتقاق؛ النمر… موسيقي وانسيابي… وسهل. تخيل يا رعاك الله أن يكون هٰذا هو السبب!!! وكم سيكونون بائسين يائسين فارغين.

وفوق ذٰلك كله فإن النمر والحيوانات السابقة كلها أبعد ما يكون عن التعبير عن الحالة المقصودة بالاصطلاح.

لنعد الآن إلىٰ اللغة الإنجليزية والفرنسية وماذا تقولان في الاصطلاح. وهنا المفاجأة العجيبة أيضاً.

في اللغة الإنچليزية يستخدمون اصطلاح «Bullying» وتعني التسلط بغير حق، وأصلها «Bully» التي تعود إلىٰ الأصل التركي وهو البلطجة أي حَتَّىٰ هٰذه المفردة مأخوذة من الثقافة الإسلامية. بينما السلطة الفعلية أو السيادة فهي «power».

في اللغة الفرنسيَّة يستخدمون «Harcèlement» وأيضاً بمعنى التسلط، وأصلها «Harcèle» وتعني التحرش أو المضايقة، وستفاجأ عندما تعلم أَنَّهَا عربية الأصل فانظر فالأصل وعلاقته بـ حَرَش وتحرش.

في اللغتين الإنچليزية والفرنسية، وأكتفي بهما، الدلالة واضحة وهي التسلط بغير وجه حق. فهل يمكن لأي عربي يسمع كلمة التنمر المشتقة من النمر أن يتخيل أن هٰذه ستكون دلالتها التسلط بغير حق؟ ما علاقة النمر بهذه الدلالة؟!

للأمانة وهٰذه حقيقة يعرفها الجميع تقريباً أن الحيوانات المفترسة جميعها لا تعتدي علىٰ أي نوع من الحيوانات، وفقط إذا جاعت افترست، وإذا شبعت أمنت الحيوانات جميعاً جانبها حَتَّىٰ إنَّهَا لتلعب ومعها وتلهو آمنة مطمئة… وفيما خلا حالة الجوع وهي فطرة الله فيها تبحث عن الطعام، وتكتفي من الصيد بفريسة واحدة تأكل وتشبع منها ولا تكدس الفرائس من أجل «المونة»، أو خوفاً من الظروف، أو تحسبنا من الحر والقر والتكاسل عن الذهاب للصيد عند الجوع… فكيف أجازوا لأنفسهم هٰذا الاعتداء علىٰ الحيوان من جهة، والاعتداء علىٰ الإنسان من جهة ثانية؟

والعجيب أنَّ هٰذا الاصطلاح الغريب العجيب استشرى استشراء النار في الهشيم وكأن الأدباء والكتاب والإعلاميين ووسائل الإعلام ونشطاء التواصل كانوا يبحثون عن هٰذا الاصطلاح منذ مئات السنين وفجأة وجدوه أمامهم ففرحوا وراحوا ينقعون منه غلتهم بكثرة استخدامه كل في مكان وزمان بمناسبة وبسبب ومن دون سبب أو مناسبة، ويحشرونه في أنوف الناس حشراً ليكرسوه قيمة لغوية واصطلاحاً ثقافيًّا. وهناك آلية للتكريس ليس هٰذا أوان الكلام فيها.

والسؤال الذي يطرح ذاته: ألا يخجل هٰؤلاء وهم يبتدعون المفاهيم والاصطلاحات وهم جهلة باللغة التي يبتدعون فيها المفاهيم والاصطلاحات؟ ألا يشعرون بأي وخز في ضمائرهم؟

والسؤال الأكثر أهميَّةً: ألا يوجد أي وازع عن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي يدفعهم لوضع ضوابط لتداول الاصطلاحات والمفاهيم وإقرارها؟

والسؤال الأكثر أهميَّةً من ذٰلك: لماذا تجنح الشعوب العربية اليوم سريعاً مع الخطأ وتروج له وتنأى عمن ينصحها ويقدم لها المعلومة الصَّحيحة؟ وينطبق هٰذا علىٰ الاصطلاحات والمفاهيم مثلما ينطبق علىٰ غير ذٰلك من القيم الأخلاقية والاجتماعية والينية والسياسية والتربوية وغيرها.

أكرر ختاماً كما بدأت: لست ضدَّ ابتداع أي اصطلاح جديد، أو اشتقاق جديد، وأزعم أَنَّهُ لا يحق لأحد ادعاء حق المصادرة علىٰ أحد في ابتداع الاصطلاحات والمشتقات الجديد، واللغة العربية لغة الاشتقاق والقياس. وأزيدكم في الشِّعر بيتاً وأقول: إن اللغة العربية لم تستخدم أكثر من واحد بالعشرين من طاقتها الاشتقاقية والقياسية، بما يعني أَنَّهَا قابلة للتوسع من داخلها أكثر من عشرين ضعفاً عما هي عليه الآن وهي الآن وعبر الزمان أوسع اللغات وأكبرها. ولذٰلك أقول: لماذا نترك المساحات الهائلة كلها الموجودة والمتاحة والممكنة والمحتملة… ونختار خياراً خاطئاً ونشتق اشتقاقاً خاطئاً؟

الجواب بسيط: عند يوسد الأمر إلىٰ غير أهله أو يتوسد الأمر من هو غير أهل له فلن يكون منهم غير الخلل في أيِّ عمل… وتلكم علَّة من أشنع العلل.

كان الإمام كالك إذا سئل في أربعين مسألة أفتى في واحد وفي البقية قال لا أدري… وكانوا يقولون حينها: «أيفتى ومالك في المدينة؟!». ومع كونه من هو في عصره وإلى هٰذا العصر فإِنَّهُ لم يكن ليخل أن يقول لا أعرف. ولا أن يعتذر عن الجواب إذا لم يعرف الجواب.

ابتداع الاصطلاحات والمشتقات أمر واجب وضروري ومهم، ولٰكن شأنه شأن أي تجديد في علم من العلوم لا يجوز أن يكون إلا من خبير ضليع لا من دعي ولا من وضيع. وأكرر السؤال الذي أكرره منذ نحو ثلاثين سنة وأكثر: لماذا لا تقبل ولا تجيز لنفسك ولا أحد الإفتاء في مسألة هندسية أو ميكانيكية أو طبية وتتنطع علىٰ غير علم للإفتاء في الدين والسياسية واللغة؟!

وقبل أن ننهي الكلام في الموضوع من حق أي واحد أن يتساءل: وماذا بعد هٰذا النقد؟ أين البديل؟
الأمر ليس اختراع ذرة. في اللغة العربية مفردات كثيرة لدلالة علىٰ هٰذه الحال وكلها مستخدمة منها التسلط، والتسلط يتضمن ممارسة السلطة بغير وجه حق. ومن هٰذه المفردات التكبر، ومنها العنجهية ويشتق منها التعنجه، وفي نظري هٰذه أقرب كلمة للدلالة علىٰ الحالة المقصودة من التنمر. ولا تضيق اللغة العربية عن الكثير غير ذٰلك من المفردات.

والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مدى جدوى اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل أزمة سد النهضة؟

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير خبير أكاديمي في القانون الدولي      عندما بدأت …