أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / تخبط الدبلوماسية الروسية يضاعف معاناة السوريين

تخبط الدبلوماسية الروسية يضاعف معاناة السوريين

المرصد الاستراتيجي
قسم البحوث والدراسات

تناقضات لافروف

تشهد الدوائر الدبلوماسية في موسكو حالة من التخبط بالتزامن مع تنامي مظاهر التدهور الاقتصادي بدمشق، حيث حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في خطاب ألقاه بمؤتمر “فالداي” (31 مارس 2021) من إمكانية انهيار الدولة السورية إذا استمر النزاع في سوريا، واستبعد أية صلة للانتخابات الرئاسية في سوريا بقرار مجلس الأمن (2254)، مناقضاً بذلك تصريحاً سابقاً تم تناقله حول عدم إمكانية: “تنظيم انتخابات في سوريا قبل التوصل إلى دستور جديد”، حيث تعمد الإعلام الروسي التغطية على ذلك التصريح المثير للجدل.

وفي لهجة غابت عنها المصداقية؛ رأى لافروف أن أسوأ مخاطر الوضع القائم تتمثل في احتمال جدي لتفكك الدولة السورية، خصوصاً مع استمرار المشكلة الكردية، موضحاً أن واشنطن “تواصل سياسات تشجيع النزعات الانفصالية، وتعمل على نهب ثروات سوريا للإنفاق على مشروعها الخاص في منطقة شرق الفرات”، إلا أن القلق الروسي إزاء الدعم الأمريكي لأكراد سوريا، جاء متناقضاً مع التعهدات الأخيرة التي بذلتها موسكو بدعم “قوات سوريا الديمقراطية” مقابل فتح معبر “رسمي”  لتبادل السلع والمواد الغذائية واللوجستية مع مناطق تابعة للنظام غرب دير الزور تحت إشراف الشرطة العسكرية الروسية.

وكانت وزارة الدفاع الروسية، أعلنت (24 مارس 2021) أنها توصلت إلى اتفاق مع تركيا يتعلق بفتح عدة معابر بين مناطق ميليشيا أسد والشمال السوري في مناطق خفض التصعيد، غير أن وكالة “رويترز” نقلت عن مسؤولين أتراك قولهم، إن إعلان روسيا فتح معبرين حدوديين إلى شمال غرب سوريا “غير صحيح”، ما عزز فشل الدبلوماسية الروسية في محاولة تخفيف حالة العزلة عن دمشق. 

وتزامنت التناقضات الرسمية الروسية مع تراجع كبير في دبلوماسية موسكو، حيث يتنامى الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول التجديد لقرار مجلس الأمن بإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر الحدود دون موافقة نظام الأسد، إذ ترغب واشنطن بفتح ثلاثة معابر، فيما تحصر روسيا دخول المساعدات عبر نقطة حدودية واحدة فقط هي معبر “باب الهوى”، معتبرة أن: “المساعدة العابرة للحدود تنتهك مبادئ القانون الدولي”.

كما أثار الموقف الروس امتعاض دول الاتحاد الأوروبي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي وصف الوضع في سوريا بأنه “كابوس”، ودعا إلى “إتاحة الوصول للمساعدات الإنسانية”.

وكشفت جولة لافروف الخليجية (8-12 مارس 2021) عن توسع هوة الخلاف بين دول المنطقة وسياسات روسيا، حيث عارضت كل من الرياض وأنقرة والدوحة محاولات موسكو إعادة تعويم الأسد، فيما اقتصر موقف أبو ظبي على التعذر بوجود مصاعب يفرضها قانون “قيصر”.

وأمام ذلك الإخفاق؛ اضطرت الدبلوماسية الروسية للتخفيض من سقف التوقعات بشأن الجولة المكوكية التي قام بها لافروف، حيث وصف بعض الدبلوماسيين روس الزيارة بأنها: “اتصال دبلوماسي ضروري لتبادل الآراء والتنسيق ولا توجد أية أهداف غير عادية”، فيما تحدث بيان وزارة الخارجية الروسية عن اقتصار الزيارة على: “حوار ثنائي مكثف مع هذه الدول”.

وعلى الرغم من تشديد بيان وزارة الخارجية التركية على: “التخلي عن خطاب المواجهة، ومناقشة المسائل الخلافية المتراكمة حول طاولة حوار”؛ عمدت موسكو إلى مناقضة ذلك عبر شن حملة قصف وحشي استهدفت مرافق صحية وخدمية بمحيط معبر “باب الهوى” (21 مارس 2021) ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين بينهم نساء وأطفال. 

وبدا من الواضح أن حملة القصف الروسي جاءت رداً على رفض أنقرة لمقترحات لافروف أثناء لقائه مع وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو في قطر، وسعيها بعد ذلك إلى ابتزاز تركيا من خلال تحريض “قسد” على التصعيد ضد القوات التركية، ومحاولتها الدفع بموجة جديدة من اللاجئين السوريين باتجاه الحدود مع تركيا عبر تكثيف قصفها لمناطق تجمع المدنيين، ولسوق النفط في معبر “الحمران” و”ترحين” بنحو سبعة صواريخ، ما أدى إلى مقتل وإصابة نحو 50 مدني، وحرق أكثر من 200 صهريج لنقل المحروقات.

وبدلاً من حشد الدعم لموقف النظام في انتخاباته المزمعة؛ بدا من الواضح أن جولة لافروف وما أتبعها من عمليات قصف همجي، قد أثارت موجة إدانات دولية، وتسببت بتوتر في علاقات موسكو مع حلفائها، حيث دشنت روسيا مسارها الدبلوماسي الجديد في الدوحة باستعراض عسكري غير مبررة على رؤوس المدنيين، معرقلة محورها الدبلوماسي (الروسي-التركي-القطري) الهش قبل بدايته.

الشراكة الروسية-التركية تسير في طريق مسدود

تحدثت دراسة نشرها موقع “ألمونيتور” (25 مارس 2021) عن سير الشراكة التركية-الروسية في طريق مسدود بإدلب وشمال حلب، حيث دفعت أعمال إنشاء قاعدة عسكرية تركية حول “عين عيسى” نائب رئيس مركز المصالحة الروسي لسوريا، اللواء ألكسندر كاربوف، للتعبير عن انزعاج روسيا “بشدة” من التحصينات التركية الجديد، معتبراً أن: “التصرفات التركية تنتهك اتفاقية سوتشي وتقوض الجهود لتحقيق الاستقرار في سوريا”.

ورأت الدراسة أن سعي تركيا للتعاون مع الغرب تسبب بتداعيات على التعاون الروسي-التركي، وأثار قلق الكرملين، خاصة بعد تأكيد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين (في اجتماع للناتو ببروكسل 23 مارس) بأن للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مصلحة قوية في إبقاء تركيا راسخة في الحلف، لكن من الواضح أن هذا يتطلب من تركيا أن تنأى بنفسها عن روسيا.

وبالإضافة إلى انزعاج موسكو من رعاية أنقرة للاتفاق حول حقول النفط المتنازع عليها بين أذربيجان وتركمانستان؛ أسهم لقاء وزير الدفاع التركي خلوصي أكار (23 مارس) مع قائد القوات البرية الأوكراني ألكسندر سيرسكي، في تدهور العلاقات الروسية-التركية، أججه تأكيد وزارة الخارجية التركية دعمها وحدة الأراضي الأوكرانية، و: “عدم اعترافها بضم روسيا غير القانوني لشبه جزيرة القرم”.

وشعرت أنقرة من طرفها باستياء كبيرة إزاء التوافق الروسي-الإماراتي على نقض العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على النظام السوري من خلال فتح قنوات خلفية من خلال تعزيز أنشطة الشركات الإماراتية في مناطق “قسد” لمساعدة النظام بعيداً عن أعين الإدارة الأمريكية المتربصة. 

وبالإضافة إلى إغضاب أنقرة وطهران؛ أثارت تلك المباحثات حفيظة كل من؛ الولايات المتحدة التي اعتبرتها محاولة مشتركة من “حليفٍ” لها مع روسيا لإحباط سياستها إزاء سوريا، والاتحاد الأوروبي الذي أكد على لسان مفوضه السامي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، أن التكتل لن يتخلى عن تطبيق العقوبات المفروضة على سوريا قبل بدء الانتقال السياسي في البلاد.

مضاعفة معاناة السوريين… بتفويض أممي

رأت دراسة نشرها موقع “بوليتيكو” بعنوان: “كيف يجوع بوتين سوريا” (25 مارس 2021) أن روسيا تستغل نفوذها الدبلوماسي في الأمم المتحدة بهدف تدعيم إستراتيجية الحصار والتجويع، واتهمت روسيا بالسعي لحرمان الملايين من المساعدات لإرغامهم على الخضوع للنظام الذي صوب نيرانه عليهم وقصفهم ورماهم بالقنابل واستهدفهم بالغازات السامة على مدار عقد كامل من الزمان.

ولتحقيق تلك الإستراتيجية المتوحشة؛ تعتمد روسيا على مجلس الأمن الدولي من خلال تكرر استخدام حق النقض، وعرقلة اتخاذ أي قرار يوقف انتهاكات النظام ويخفف معاناة السوريين، حيث يبذل النظام كل ما في وسعه لمنع وصول المساعدات إلى السوريين، ويحرم الوكالات الإنسانية من الحصول على إذن للسفر، وتتوقف قواته قوافل المساعدات وتصادر معظم المواد الأساسية.

وفي هذه الأثناء تدعم السياسة الروسية النظام من خلال روافعها الدبلوماسية لقطع المساعدات التي تصل إلى المناطق التي بقيت على معارضتها للأسد، حيث استغلت روسيا حق النقض في يناير 2020 لتجبر مجلس الأمن الدولي على إغلاق أحد المعابر الحدودية، وعلى إنهاء التفويض الذي يجيز إدخال المساعدات من العراق عبر معبر “اليعربية” لتحرم بذلك نحو 2.5 مليون مدني يعيشون في شمال شرقي سوريا من المساعدات الغذائية والطبية. 

وفي في يوليو 2020، أقحمت روسيا نفسها ضمن مفاوضات تجديد التفويض لإدخال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا، ملوحة باستخدام حق النقض لقطع سائر المساعدات، وبعد مفاوضات طويلة ومضنية نجحت في إغلاق جميع المعابر باستثناء معبر “باب الهوى” بين تركيا وشمال غربي سوريا، والذي مُنح تمديداً لمدة 12 شهراً.

ونظراً لأن هذه التسوية ستنتهي في الصيف القادم؛ فإن الدبلوماسيين الروس أعلنوا مرات عديدة عن نيتهم عرقلة تمديدها، ما يعني قطع المساعدات عن نحو 4,5 مليون نسمة يعتمدون عليها، ما دفع بمسؤول المساعدات الإنسانية لدى الأمم المتحدة، مارك لوكوك، للتأكيد بأنه إذا نجحت روسيا في تحقيق مآربها داخل الأمم المتحدة خلال شهر يوليو المقبل، فعندئذ ستتحول الأزمة الإنسانية في الشمال السوري من سيئة إلى كارثية.

وعلى الرغم من مشقة الحياة في تلك المناطق؛ إلا أن القوات الروسية تصعد استهدافها للبنية التحتية الأساسية، بما في ذلك المشافي ومستودعات الغاز والشوارع الرئيسية، والمخازن المخصصة للشاحنات التي تحمل المساعدات، وذلك بهدف زيادة تدهور الظروف المعيشة، تمهيداً لقطع المساعدات بشكل كامل في شهر يوليو والتحضير لشن حملة عسكرية شاملة.

وبما أن روسيا تعي تماماً بأنها ستفتح العيون عليها عندما تعرقل ذلك القرار؛ فقد عمدت إلى منع “لجنة الإنقاذ الدولية” ومنظمات المجتمع المدني السورية من التحدث إلى مجلس الأمن خلال الأسابيع القليلة الماضية، معتمدة على هيكلية مجلس الأمن التي تمنحها سلطة كاملة فيما يتصل بتسليم المساعدات إلى السوريين. 

وعلى الرغم من أن نسبة إسهام روسيا في تقديم المساعدات الأممية لا تتجاوز 1 بالمائة، مقابل 90 بالمائة تقدمها كل من الولايات المتحدة وأوروبا؛ إلا أن حق النقض الذي تمنحه الأمم المتحدة لروسيا يمنح بوتين القدرة على رهن قرارات مجلس الأمن لصالحه، ويتيح له الاستمرار في قطع المساعدات عن السوريين.

وفيما يتباكى لافروف على السيادة السورية المنتهكة؛ تعمل القوات الروسية على توسيع قاعدة “حميميم” الجوية تمهيداً لاستقبال قاذفات نووية إستراتيجية، وذلك في إطار خطة لتعزيز النفوذ العسكري الروسي ليشمل البحر الأبيض المتوسط بأكمله، ويُمكّن القوات الروسية من استخدام قاذفات: “تو -22 إم 3″، و”تو-95 إم إس”، و”تو-160” لتوجيه ضربات بعيدة المدى ولإطلاق صواريخ كروز، الأمر الذي يشكل تحدياً جديداً لحلف شمال الأطلسي “ناتو”.

في هذه الأثناء تتنامى التحذيرات الدولية من قرب وقوع كارثة إنسانية في سوريا، حيث أكد تقرير أعده برنامج الأغذية العالمي  (WFP)التابع للأمم المتحدة (13 فبراير 2021) أن أكثر من 12,4 مليون شخص في سوريا، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، معتبراً أن البلاد تعيش “أسوأ” حالة أمن غذائي في تاريخها. 

وبالإضافة إلى النزوح الجماعي للسكان نتيجة القصف الروسي الممنهج؛ فإن تدهور قيمة الليرة السورية وتراجع قدرتها الشرائية، وما يتزامن معها من أزمة اقتصادية طاحنة بمناطق سيطرة النظام؛ هي أهم أسباب انعدام الأمن الغذائي، حيث صنفت منظمة الصحة العالمية سوريا في أسفل قائمة الدول الأكثر فقراً في العالم، مؤكدة أن 90 بالمائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

ولتعزيز نفوذها الإستراتيجي في سوريا؛ تغض موسكو الطرف عن معاناة السوريين، وتعمل على إطالة فترة حكم بشار الأسد من خلال دفعه للمضي في مسرحية الانتخابات الرئاسية، دون الاكتراث باشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية التي يتسبب بها فساده، وتأكيد نقابة عمال المصارف (29 يناير 2021) أن خسائر الاقتصاد السوري بلغت أكثر من 530 مليار دولار، نتيجة: “عجز الحكومة عن التقدم بأية مبادرات حقيقية لتجاوز الأزمة، وتنامي احتكار الثروة في أيدي قلة قليلة من المستفيدين على حساب الشريحة الكبرى من المجتمع، وإخلال الحكومة بمسؤوليتها عن واجباتها في إمكانية النهوض بالقطاع العام، والعجز عن تبني سياسات رسمية لتشجيع القطاع الخاص على تنفيذ استثمارات حقيقية، ما أدى إلى توقف نشاط المستثمرين الاقتصادي وإغلاق منشآتهم والهجرة خارج البلاد مع أموالهم”.

ويبدو أن الجهود التي بذلتها الدبلوماسية الروسية لتعويم النظام قد مُنيت بفشل ذريع خلال الأسابيع الماضية، حيث تستمر أنقرة في توسيع مناطق نفوذها، وتُمعن واشنطن في تضييق الخناق على دمشق، وتُصر دول الاتحاد الأوروبي على تغيير سلوك النظام، وترفض “معظم” دول مجلس التعاون فك عزلة الأسد وإعادته إلى الجامعة العربية “دون معالجة مسببات الأزمة” والتخلي عن دعم مشروع التوسع الفارسي في المنقطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المشروع النَّووي الإيراني وحقيقة تهديده لأمن إسرائيل 7 من 8

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. الحلّ العسكري لمواجهة التَّهديد …